الحسابات الروسية.. بين الإستثمار في السودان.. والإستثمار من أجله
ما وراء الخبر/ علم الدين عمر

من يملك مفاتيح البحر الأحمر؟
زيارة البرهان إلى موسكو (1)..
أربعة أسئلة تفتح أبواب القراءة الإستراتيجية:
هل تحولت جغرافيا السودان من عبء في حسابات الحرب إلى ورقة قوة في التنافس الدولي؟..
ماذا تريد موسكو من الخرطوم..وما الذي يملكه السودان؟
هل تمثل المنطقة الحرة على البحر مشروعاً لإعادة بناء الإقتصاد..أم مدخلاً لترتيبات إستراتيجية أوسع؟..
من يضمن ألا تتحول حوجة السودانية لتنازلات طويلة الأجل في الموارد والسيادة؟..
ليست أخطر ما في زيارة البرهان إلى موسكو أنها فتحت باباً جديداً للإستثمار الروسي في السودان..الأمر الذي تداعت له حروف الرصد والتحليل علي حبال الحلم والأمل والإشفاق..بل أنها أعادت وضع السودان في قلب معادلة دولية أكبر من حدود الحرب التي يخوضها.. فالموانئ والذهب والسكك الحديدية وممرات التجارة الأفريقية أصبحت بالفعل موضوعاً لمباحثات على المستوى الرئاسي ولم يعد الأمر متعلقاً بحجم الإستثمارات المنتظرة..فقد تجاوز لطبيعة الموقع الذي يريد السودان أن يشغله في النظام الإقليمي والدولي..وبما إذا كانت الدولة تمتلك القدرة على تحويل جغرافيتها وثرواتها إلى قوة تفاوضية حقيقية..
في الكرملين..لم يكن السودان يعرض موارد طبيعية فحسب..السودان كان يضع أمام موسكو بوابة محتملة إلى البحر الأحمر وعمق أفريقيا..في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات التجارية وتشتد المنافسة على النفوذ الإقتصادي والإستراتيجي.. وفي المقابل.. لا يمكن أن تتحرك روسيا بدافع المجاملة السياسية.. ولا شراكة بلا عائد.. روسيا تسعى إلى توسيع حضورها الأفريقي..وتنويع أسواقها..وتعزيز مصالحها في مناطق تتقاطع فيها حسابات الأمن والتجارة والطاقة..
القراءة الحقيقية للزيارة..يجب أن تكون من زاوية أن السودان يحتاج إلى شريك يعينه على استعادة قدرته الإنتاجية وإعادة بناء بنيته التحتية.. وروسيا تبحث عن فرص ومواقع ومصالح..لكن تقاطع الإحتياجات لا يصنع شراكة ناجحة تلقائياً..فالمصالح لا تتساوى بالضرورة.. والفرص تحتاج لإرادة سياسية حقيقية..
زيارة البرهان ليست نهاية مسار دبلوماسي كما تبدو..هي بالضبط بداية اختبار سوداني بالغ الأهمية.. فهل تستطيع الدولة أن تدير انفتاحها على موسكو بمنطق صناعة المصالح.. أم أن ضغط الحرب سيجعلها تفاوض على مواردها من موقع الحاجة؟..
الواقع أن السودان لا تنقصه أوراق القوة..ما ينقصه هو القدرة المؤسسية على إدارتها..
موسكو والخرطوم.. من الدعم السياسي لإختبار المصالح..
جاءت الزيارة في سياق بالغ التعقيد.. حرب مستمرة منذ أبريل 2023.. وبنية إقتصادية تعرضت للإستنزاف والتدمير.. مع حوجة متزايدة إلى التمويل والتكنولوجيا وإعادة الإعمار.. وفي المقابل..تسعى روسيا إلى توسيع حضورها الأفريقي.. وتعزيز علاقاتها الإقتصادية والتجارية.. وتثبيت مواقعها في مناطق ذات أهمية إستراتيجية دولية..
توضح المؤشرات التجارية المعلنة إلى تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2025.. وارتفاعه بنسبة 25% خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026.. كما وصف بوتين السودان بأنه أحد أكبر عشرة شركاء تجاريين لروسيا في أفريقيا..
لكن هذه الأرقام.. على أهميتها لا تكفي وحدها للحكم على عمق الشراكة.. فالسؤال الأهم ماذا يشتري السودان؟ وماذا يبيع؟ وما نسبة الصادرات ذات القيمة المضافة؟ وهل يتجه التبادل التجاري إلى بناء قاعدة إنتاجية سودانية أم يظل محصوراً في حركة السلع والمواد الخام؟..
إن الانتقال من الدعم السياسي إلى المصالح الاقتصادية المتبادلة يقتضي أن يكون للسودان تصور واضح لما يريد الحصول عليه.. وما يستطيع تقديمه..وما لا يجوز التفريط فيه..
البحر الأحمر.. هل يتحول الموقع السوداني إلى قوة اقتصادية؟..
يمثل مقترح إنشاء منطقة إقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر أحد أهم الملفات المطروحة في مباحثات موسكو.. لأنه يتصل بمستقبل الدور الإقتصادي للسودان..وليس فقط بحجم الإستثمار الروسي المحتمل..
فالمقترح يتضمن إقامة مستودعات للوقود والقمح.. وتطوير مرافق التخزين والإمداد.. والإستفادة من الموقع السوداني في خدمة الأسواق الأفريقية..وإذا أُحسن تصميم المشروع..فإنه قد يفتح الباب أمام تحول الساحل السوداني إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والتجارة العابرة للحدود..
لكن المنطقة الإقتصادية الحرة ليست مجرد أرض ولا مستودعات تقام بالقرب من الميناء.. إنها منظومة متكاملة تتطلب تشريعات واضحة.. وبنية تحتية مؤهلة.. ونظاماً جمركياً فعالاً.. وربطاً بالموانئ والطرق والسكك الحديدية.. وآليات رقابة تحمي الإقتصاد الوطني من التغول الحر..
السؤال الذي ينبغي أن يسبق التعاقد.. هل ستصبح المنطقة بوابة لتطوير الصناعة والخدمات السودانية.. أم مجرد مساحة لتخزين السلع وإعادة تصديرها؟..
فالعبرة ليست بحجم النشاط التجاري داخل المنطقة..العبرة بحجم ما تضيفه للاقتصاد السوداني.. وما توفره من فرص عمل..وما تتيحه من نقل للتكنولوجيا.. وما تحققه من إيرادات مستدامة للدولة..
الذهب والسكك الحديدية.. ثروات مطروحة وأسئلة السيادة والعائد..
العرض السوداني تجاوز ساحل البحر الأحمر لطرح آخر.. وفرص للإستثمار الروسي في الذهب والنحاس والمعادن الأخرى.. إلى جانب تطوير شبكة السكك الحديدية..بما في ذلك مشروع الربط من بورتسودان غرباً باتجاه تشاد..
وهي معادلة اقتصادية شديدة الأهمية.. السودان يمتلك موارد معدنية واسعة وغير محدودة لكن القيمة الحقيقية لهذه الموارد لا تتحقق بمجرد استخراجها وتصديرها..قيمتها عندما تتحول إلى صناعة ومعالجة وتكنولوجيا وعمالة مؤهلة وسلاسل إنتاج محلية..
ومن ثم.. فإن أي اتفاق تعدين ينبغي أن يحدد بحجم الاستثمار.. ونسبة المعالجة داخل السودان.. ونقل التكنولوجيا.. والإيرادات العامة.. والرقابة على الإنتاج والتصدير.. كما ينبغي أن تتضمن العقود ضمانات واضحة تمنع احتكار الموارد أو تحويل الامتيازات إلى حقوق طويلة الأجل لا تتناسب مع العائد الوطني..
أما مشروع السكك الحديدية..فهو يتجاوز قطاع النقل إلى إعادة تعريف موقع السودان في التجارة الأفريقية.. فربط بورتسودان بالعمق الأفريقي يمكن أن يفتح أسواقاً جديدة.. ويخفض تكاليف النقل.. ويمنح السودان دوراً محورياً في حركة السلع بين البحر الأحمر ووسط القارة..
لكن المشروع بحجمه الجغرافي والمالي.. لا يمكن أن يدار بمنطق الإعلان السياسي..لأنه يحتاج إلى دراسات جدوى دقيقة.. وتقديرات واقعية لحجم البضائع.. وتفاهمات إقليمية.. وتمويل مستدام، وتحديد واضح للمسؤوليات التشغيلية..
المشروع الإستراتيجي ليس مشروعاً قابلاً للتنفيذ الفوري دون تدقيق..
خريطة طريق بوتين.. هل يملك السودان مؤسسات تحويل التعهدات إلى اتفاقات؟..
من المؤشرات المهمة في الزيارة تقديم بوتين خريطة طريق للتعاون تشمل الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والتعليم والصحة والاقتصاد الرقمي..كما أشار إلى تخصيص 100 منحة جامعية للسودانيين في روسيا خلال 2026..مع اتجاه لرفعها إلى 140 في العام المقبل..
هذه الخطوة تمنح العلاقة أبعاداً تتجاوز التعدين والموانئ.. وتفتح المجال أمام التعاون في بناء القدرات البشرية والتكنولوجية..لكنها تظل إطاراً مقترحاً يحتاج إلى تحديد المشروعات ذات الأولوية..ومصادر التمويل.. وآليات التنفيذ..
والأهم من ذلك كله أن السودان يحتاج إلى إدارة وطنية موحدة لهذا الملف تتجاوز تعدد الجهات وتضارب الاختصاصات.. فالمقترحات المطروحة تتوزع بين قطاعات التعدين والنقل والتجارة والمالية والخارجية والطاقة.. فضلاً عن الجوانب الأمنية والقانونية.. لذلك فإن غياب الفريق الوطني المتخصص قد يحول الزيارة إلى سلسلة من التفاهمات المتفرقة.. دون أن تتبلور في برنامج اقتصادي متكامل..
وهنا تبرز ضرورة إنشاء آلية مؤسسية تضم الخبراء الإقتصاديين والفنيين والقانونيين.. تتولى مراجعة المقترحات الروسية.. وتحديد أولويات السودان.. وصياغة العقود.. ووضع مؤشرات أداء قابلة للقياس والتقويم والتقييم..
تقوم علي حجم الإستثمار المنفذ فعلياً..ونسبة التمويل الخارجي المتحقق..وفرص العمل المستحدثة.. وحجم الصادرات ذات القيمة المضافة..ونسبة المكون المحلي.. ومدى التزام المشروعات بجداولها الزمنية..
كما أن غياب المجلس التشريعي المنتخب يفرض مسؤولية مضاعفة في الرقابة القانونية والمؤسسية على الاتفاقيات الكبرى.. خاصة تلك التي تتعلق بالموارد الطبيعية والمرافق الاستراتيجية..
المصالح الروسية.. السياسي وحسابات التنافس الدولي
في الجانب السياسي..عبر البرهان عن تقديره للمواقف الروسية الداعمة للسودان في المحافل الدولية.. بينما أكد بوتين أهمية السيادة السودانية والتسوية السياسية لإنهاء الحرب..
تكتسب هذه المواقف أهميتها في ظل ما شهدته العلاقة من تطورات.. من بينها استخدام روسيا حق النقض في مجلس الأمن في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار بشأن السودان.. لكن الدعم السياسي مهما بلغت أهميته.. لا ينبغي أن يتحول إلى أساس وحيد لإدارة العلاقة..
فالعلاقات الدولية لا تقوم على الإمتنان وحده.. إنما على المصالح المتبادلة.. وروسيا نفسها تواجه قيوداً إقتصادية ومالية مرتبطة بالعقوبات الغربية بما قد يؤثر في قدرتها على التمويل والتحويلات والتوريد وتنفيذ المشروعات الكبرى..
كما أن البحر الأحمر ليس مساحة إقتصادية محايدة.. بل هو منطقة تتقاطع فيها حسابات قوى دولية وإقليمية متعددة.. ومن ثم.. فإن أي توسع في التعاون مع موسكو خاصة في المجالات ذات الأبعاد الإستراتيجية ينبغي أن يدار بتقدير دقيق لتداعياته على علاقات السودان الخارجية..
والسودان.. في هذه المرحلة لا يحتاج إلى استبدال ارتهان بآخر.. بقدر حوجته لتوسيع خياراته وبناء شراكات متنوعة تحفظ إستقلال قراره الوطني..
ما بعد الزيارة.. الإختبار سوداني..
لا شك أن زيارة البرهان إلى موسكو تفتح نافذة مهمة أمام السودان.. لكنها لا تعني أن المشروعات قد دخلت مرحلة التنفيذ.. ولا أن الالتزامات المالية والتعاقدية قد حُسمت.. فالتصريحات المعلنة حتى الآن تضع إطاراً للتعاون.. بينما تظل تفاصيل التمويل والجداول الزمنية والإتفاقات النهائية بحاجة إلى استكمال..
السودان يمتلك الموقع والموارد.. لكنه يحتاج إلى المؤسسات التي تحسن إدارة هذه الموارد.. وتمنع تحول الحاجة إلى التمويل إلى تنازل عن المصالح طويلة الأجل..
إن نجاح الشراكة السودانية الروسية بقدر ما تضيفه إلى قدرة السودان على الإنتاج والتصدير وإعادة بناء بنيته التحتية وتعزيز استقلاله الاقتصادي والتكنولوجي وليس غير ذلك.
فإذا كانت موسكو قد فتحت أمام الخرطوم أبواباً جديدة للتعاون.. فإن المسؤولية أصبحت سودانية في المقام الأول.. مسؤولية تحديد الأولويات.. وحماية الموارد.. وضبط الامتيازات.. وتحويل التعهدات إلى نتائج..
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً بعد الزيارة.. هل يستطيع السودان أن يحول موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية إلى قوة إقتصادية وإستراتيجية.. أم سيظل يقدم مقومات قوته للآخرين دون أن يمتلك أدوات إدارتها؟..
ذلك هو الفارق بين الإستثمار في السودان.. والإستثمار من أجل السودان..
//////////////



