القمة الروسية الأفريقية… مكاسب البرهان من قلب موسكو
عشرات الزعماء الأفارقة يحتشدون لبناء عالم متعدد الأقطاب

بوتين يفتح أبواب الشراكة الزراعية وتصدير الحبوب لأفريقيا
التسليح الروسي يكتسح القارة برخص التكاليف وتوافق الترسانات
الخرطوم تثبت أركان سيادتها وتواجه الإملاءات الخارجية بشجاعة
السودان يبحث عن درع الدفاع الجوي والتقنيات الروسية
البرهان يؤكد حضور السودان الفاعل في المحافل الدولية
الجيش السوداني يستعد لتعزيز قدراته الدفاعية بحليف دولي
الخرطوم تبني من موسكو خط دفاع دولي صلب يحمي سيادة السودان
تقرير: رمضان محجوب
أغلقت موسكو الخميس ملفات القمة الروسية الأفريقية، لتسدل الستار على مؤتمر سياسي نجح في إعادة رسم خارطة التحالفات الدولية. خاض الرؤساء الأفارقة والجانب الروسي نقاشات ماراثونية انتهت بإعلان إنهاء زمن التبعية للغرب والدخول المباشر في عصر التعددية السياسية. جاء هذا التحرك القاري ليرد عملياً على محاولات العزل الدولي، واحتشدت وفود أفريقيا لفرض شروطها وتأمين احتياجاتها الحيوية في الغذاء والسلاح والتصنيع. وفي قلب هذه التداولات، تبرز قراءة استراتيجية لما ينبغي أن تكون عليه التحركات السودانية بقيادة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان؛ لإدارة ملفات البلاد بصلابة، حمايةً للقرار الوطني واتكاءً على ثقل الخرطوم الاستراتيجي للعبور فوق الضغوط والقيود الخارجية.
▪️ جذور التحالف الاستراتيجي
لم تكن هذه القمة مجرد لقاء عابر، بل امتداداً لروابط قديمة تأسست أيام الاتحاد السوفياتي يوم وقفت موسكو مع شعوب أفريقيا في نضالها ضد التواجد الاستعماري. وركزت اللقاءات التأسيسية التي بدأت في سوتشي عام 2019 وتواصلت حتى اليوم، على تحويل الروابط التاريخية إلى اتفاقيات ملزمة ومشاريع عمل تدعم مجالات الاقتصاد والأمن والسياسة. وعملت روسيا من خلال هذه المنصة على ضرب احتكار واشنطن وحلفائها للقرار العالمي، بينما استغلت الدول الأفريقية هذا المنافس الدولي لتنويع مصادر سلاحها وتجارتها، والتخلص من الشروط السياسية المكبلة التي تفرضها المؤسسات المالية الغربية منذ عقود طويلة.
▪️ واقع القمة المكتملة
وأظهر الحضور المكثف في العاصمة الروسية، بمشاركة وفود من 48 دولة بينها أكثر من عشرين رئيس دولة والحكومة، حجم الرفض القاري للسياسات الغربية. وتوزعت النقاشات الميدانية بين المباحثات المغلقة واللقاءات الثنائية التي أدارها الرئيس فلاديمير بوتين لترتيب أوراق التعاون في مجالات الطاقة والسلاح والزراعة. وخرجت القمة بخطة تنفيذية ممتدة حتى عام 2029 تلتزم فيها موسكو بضمان تدفق الحبوب ونقل التكنولوجيا وتوطين صناعة اللقاحات والأدوية داخل الدول الأفريقية، مقابل فتح القارة أمام الاستثمارات الروسية وتسهيل حركة التجارة والخدمات بين الجانبين.
▪️ طموحات ومطالب القارة
دخل الزعماء الأفارقة قاعات التفاوض بمطالب واضحة ترفض بقاء القارة مجرد منجم للمواد الخام أو سوق لبيع البضائع دون عائد تنموي حقيقي. وطالبت الدول المشاركة بشركات روسية تبني المصانع وتنشئ الطرق والجسور وتدرب الكوادر المحلية، لضمان تشغيل الشباب وتقليل البطالة. وفي المقابل، اندفعت موسكو لنشاط تجاري يرفع تبادلها مع أفريقيا فوق حاجز الـ 50 مليار دولار، مع إقرار التعامل بالعملات المحتفظ بها محلياً لتفادي العقوبات والمقاطعة الغربية، إلى جانب تأمين الوصول لمناطق المعادن الشديدة الأهمية وضبط ملفات المقاتلين الأفارقة في الخارج.
▪️ المعادلة الأمنية المتكاملة
ومثل البعد الأمني نقطة ارتكاز رئيسية في العلاقات بين الجانبين، حيث شهدت العروض العسكرية الروسية إقبالاً أفريقياً كبيراً نتيجة ملاءمة المعدات السوفيتية السابقة وتكاملها مع الأسلحة الحديثة وانخفاض أسعارها مقارنة بالخيارات الغربية. وقدمت روسيا خلال الأعوام الماضية إسناداً عسكرياً كبيراً لعدد من الدول الأفريقية خاصة في منطقة الساحل، عقب انسحاب القوات الفرنسية منها. وارتبط هذا التواجد الأمني باستثمارات واسعة في قطاعات التعدين المهمة (كالذهب والمعادن النفيسة في دول أفريقية عدة)، ما وفر موارد اقتصادية صلبة لخدمة الوجود الروسي.
▪️ البراغماتية وإدارة المصالح
وفي وقت واصلت فيه موسكو الاستفادة من رصيدها التاريخي واستغلال أخطاء الدول الغربية، أدارت الحكومات الأفريقية هذه الشراكة بواقعية وعقلانية تستهدف الخروج من التبعية وتنويع حلفائها، مع بقاء القارة ميداناً مفتوحاً للمنافسة الدولية الشديدة. وظهرت قدرة القادة الأفارقة في الموازنة بين الاستفادة من السلاح والخبرات الروسية وبين الحفاظ على العلاقات المتوازنة مع بقية الأطراف. وتجسد ذلك في المواقف المرنة تجاه النزاعات الدولية والمطالبة الحازمة بالحقوق الوطنية عند توقاع العقود الكبرى، بما يضمن تحرير القارة من الهيمنة القديمة والدخول في شراكات جديدة ومتكافئة.
▪️ أبعاد الحضور السوداني
يشكل حضور الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في قلب العاصمة الروسية قراءة سياسية لمسار ينبغي أن يوجه ضربة مركزة لمساعي حصار السودان وتهميش دوره الإقليمي والدولي. تقدم مشاركة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رسالة صريحة بأن الخرطوم يجب أن تملك إرادتها وقرارها، لتختار حلفاءها وفق ما تمليه مصالح الأمن القومي دون التفات لضغوط العواصم الغربية. وتفرض اللقاءات المرتقبة مع القيادة الروسية التي يقودها البرهان انتزاع اعتراف صلب ومستمر بالشرعية القائمة في السودان، والوقوف إلى جانب المؤسسات الرسمية والجيش الوطني في مواجهة التحديات التي تهدد كيان الدولة وسلامة أراضيها.
▪️ الاحتياجات العسكرية والأمنية
وينبغي للوفد السوداني برئاسة البرهان أن يضع احتياجات القوات المسلحة في صدارة أي جلسات ثنائية للوصول إلى تفاهمات سريعة تدعم الميدان. ويتطلب الواقع التركيز على جلب الرادارات الحديثة ومنظومات حماية الأجواء، وتأمين قطع الغيار والذخائر النوعية التي تضمن تفوق المؤسسة العسكرية وحسم المعارك الجارية. كما يستوجب التنسيق صياغة تفاهمات متقدمة لتأمين الساحل السوداني على البحر الأحمر وتطوير قدرات القوات البحرية في بورتسودان، بما يضمن صون المياه الإقليمية وحماية المنافذ البحرية للبلاد من أي تهديدات ومخاطر خارجية.
▪️ الإنعاش الاقتصادي والزراعي
الحاجة الملحة الآن تتطلب توجيه المباحثات السودانية التي يخوضها البرهان نحو ملفات الاقتصاد المباشر عبر وضع تفاهمات تضمن استقرار السلع الاستراتيجية وتأمين المأكل والمعاش للشارع السوداني. ينبغي الاتفاق مع الجانب الروسي على إمداد الخرطوم بشحنات منتظمة من القمح والوقود بأسعار ميسرة وتسهيلات سداد تعتمد المعاملات المباشرة بعيداً عن نظام الدولار. كما يتعين تضمين التوافقات نقل التقنيات الزراعية الحديثة والأسمدة لإعادة تشغيل المشاريع القومية، بما يضمن رفع الإنتاجية المحلية ويدعم المخزون الغذائي للدولة ويحمي السوق الوطني من المضاربات وارتفاع الأسعار.
▪️ التعدين والطاقة النووية
ويستدعي التخطيط الاستراتيجي نقل النقاشات التي يرأسها البرهان إلى ملفات الثروة الباطنية والطاقة عبر طرح خطة مشتركة لتنظيم قطاع المعادن والذهب الذي تعرض للاستنزاف والتهريب. وينبغي السعي لتفاهمات تقضي بإنشاء مصافٍ حديثة لتنقية الذهب والحديد داخل الأراضي الوطنية بأيدٍ وخبرات روسية، لضمان تصدير السلع مصنعة بدلاً من إخراجها خامات رخيصة. وعلى صعيد الطاقة، يتطلب الملف ورود نقاشات عملية لبناء مفاعلات سلمية صغيرة تحل معضلة الانقطاع الكهربائي المستمر، وتوفر الطاقة اللازمة للمصانع والمستشفيات والمشاريع الزراعية الكبرى.
▪️ الظهير السياسي الدولي
عموماً ينتظر أن تخرج المشاركة السودانية بقيادة البرهان بسند دبلوماسي ثقيل يمنع استخدام المنابر الدولية كأدوات ضغط أو ابتزاز ضد الحكومة والجيش الوطني. ويتطلب التنسيق المباشر بين الخرطوم وموسكو تأمين استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي لعرقلة أي قرارات جائرة تستهدف سيادة السودان أو تسعى لفرض عقوبات على مؤسساته الرسمية. تضمن هذه الحماية السياسية كسب الوقت اللازم لإعادة بناء الدولة وترتيب أوضاعها الداخلية، لتثبت الخرطوم أنها قادرة على بناء خط دفاع دولي صلب يحمي مكاسبها ويحفظ كرامة شعبها ومستقبل أجيالها.



