إظلام وطن أم ميلاد إرادة؟.. استراتيجية الردع في مواجهة حافات الانهيار

شيء للوطن/ بقلم/ م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

تتجاوز الاعتداءات الممنهجة التي تطال البنية التحتية والمرافق الحيوية في السودان حدود التحركات العسكرية التقليدية، لتكشف عن نمط جديد من حرب الاستنزاف الشاملة التي تجعل من الحياة اليومية للمواطن السوداني هدفًا مباشرًا وميدانًا رئيسيًا للصراع. لم يعد خروج محطة أم دباكر التحويلية بولاية النيل الأبيض عن الخدمة إثر هجوم بالطائرات المسيّرة، وما سبقه وتلاه من استهداف محطات كادقلي والمناقل والمرخيات وسنجة والحواتة والفاو والجنيد ومحطة ضخ الوقود بمنطقة هيا في البحر الأحمر، مجرد أضرار جانبية لمعارك ميدانية؛ بل هو تحول بنيوي في العقيدة القتالية للميليشيات المعتدية ورعاتها الإقليميين، يهدف بالأساس إلى إيصال البلاد إلى حالة من الشلل التام وقطع شريان الحياة عن المستشفيات والمرافق الاقتصادية والخدمية في ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة والعاصمة الخرطوم.

إن الدفع بنطاق الاعتداءات نحو المرافق المدنية ينقل الأزمة من خانة المواجهة المباشرة بين القوات المسلحة وميليشيا الدعم السريع إلى خانة الحرب المفتوحة على كيان الدولة ومقدرات شعبها. وما يضاعف خطورة المعطيات الراهنة هو البعد الإقليمي العابر للحدود، والمتمثل في المنطلقات الجغرافية لهذه الهجمات الممنهجة بالطائرات المسيرة عبر الأراضي الإثيوبية، بتسهيل ودعم مباشر من قوى إقليمية لتأجيج الصراع وتزويد الميليشيات بالتقنيات والأسلحة النوعية. إن استخدام الأراضي المجاورة كمنصات انطلاق للاعتداء على المنشآت الحيوية السودانية يمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ حسن الجوار و مواثيق القانون الدولي، ويحتم التعامل مع الأمر باعتباره تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية والأمن القومي والإقليمي برمتين.

أمام هذه المخططات، تتضح المحاور الأساسية لاستراتيجية الاستجابة الوطنية والإقليمية المطلوب صياغتها وتنفيذها دون إبطاء: بالانتقال من الإدانة إلى الردع المؤسسي والدبلوماسي، إن اكتفاء مؤسسات الدولة ببيانات الإدانة واستعراض الأدلة والبراهين لم يعد كافيًا في معادلة الردع. إن المعطيات الواردة في المؤتمر الصحفي المشترك لجهاز الأمن والمخابرات، وما ثبت من الأدلة والتقارير حول منطلقات الهجمات وشبكات الإمداد الخارجية، تفرض على أجهزة الدولة الانتقال السريع نحو تحرك مؤسسي ودبلوماسي وقانوني حاسم. ينبغي نقل كافة الأدلة الدامغة إلى مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأفريقي، والمحاكم والمنظمات الدولية المختصة، مع ملاحقة الأطراف المتورطة – من دول وميليشيات وكيانات داعمة – عبر أدوات القانون الدولي، وتفعيل المساءلة القانونية الجنائية والمالية لحظر تقديم أشكال الدعم العسكري واللوجستي والمالي للميليشيات.

تجفيف شبكات التمويل والدعم وتطوير منظومات الدفاع، إن استئصال خطر الهجمات الموجهة للمنشآت الحيوية يوجب تبني استراتيجية أمنية وعسكرية متعددة الأبعاد. لا يتوقف الأمر عند المواجهة الميدانية المباشرة، بل يقتضي العمل المكثف على تجفيف منابع تمويل الميليشيا، وتفكيك خطوط إمدادها العابرة للحدود، وتحديد القنوات المالية واللوجستية التي تسهل حصولها على الطائرات المسيرة والتقنيات المعقدة. بالتوازي مع ذلك، يتوجب رفع جاهزية أجهزة الدولة وتطوير منظومات الرصد والدفاع الجوي والإنذار المبكر المحيطة بالمرافق الاستراتيجية، لتوفير الحماية المطلوبة للبنية التحتية وتكثيف قدرات الدولة على الردع المنظم.

تعزيز حماية الجبهة الداخلية والشفافية المؤسسية، فإن الرد الحاسم على محاولات إغراق البلاد في الظلام وتفكيك مقدراتها ينبع في المقام الأول من تماسك الجبهة الداخلية وثبات المجتمع. تتطلب هذه المرحلة الخطيرة مستوى عاليًا من الشفافية والوضوح في تدفق المعلومات من الجهات الرسمية لإغلاق المنافذ أمام محاولات الإرباك النفسي والإشاعات. إن التفاف القوى الوطنية والمجتمعية وحركات المجتمع المدني وتجمعات السودانيين في الخارج (كـ”تجمع السودانيين بالخارج – صدى”) خلف المؤسسات الوطنية والقوات المسلحة، يخلق جدار حماية سياسيًا وشعبيًا يسقط أهداف المعتدين، ويحول محاولات كسر الإرادة إلى طاقة تضامن وعمل جماعي.

الإسناد الفني والهندسي لمعركة الاستمرارية، ففي قلب هذه الأزمة، يقف المهندسون والفنيون وفرق الصيانة في قطاع الكهرباء والطاقة في خط الدفاع الأول، يخوضون معركة استعادة التيار وإعادة تأهيل المحطات المتضررة تحت أشد الظروف الميدانية قسوة وخطورة. إن الإسراع بتوفير الدعم الفني واللوجستي والمادي المباشر لهذه الفرق يعادل في أهميته الإسناد العسكري في ميادين القتال؛ فهؤلاء الكوادر هم الذين يحافظون على استمرارية الحياة العملية، ويؤمنون الحد الأدنى من الخدمات للمستشفيات والمرافق الأساسية، ويمنعون تحول الأضرار المادية إلى انهيار خدمي كامل.

إن استهداف المنشآت الحيوية والبنية التحتية السودانية، وإن نجح في قطع التيار الكهربائي وإدخال مناطق واسعة في ظلام مؤقت، إلا أنه يقدم برهانًا ساطعًا على عجز المعتدين عن تحقيق غاياتهم في الميدان السياسي والعسكري المباشر، ولجوئهم إلى عقاب المواطنين والتدمير الممنهج لمقومات عيشهم. إن صون سيادة السودان وحماية مقدراته ومستقبل شعبه لا يتحققان بالشعارات، بل ببناء استراتيجية ردع متكاملة تجمع بين حماية المنشآت، والتحرك الخارجي الجريء، وتفكيك شبكات العدوان الداخلي والخارجي، وتأكيد أن كلفة المساس بالسيادة السودانية وبحياة المواطنين أعلى بكثير من أي مكاسب قد يتوهم المعتدون تحقيقها. قد تنطفئ المصابيح بفعل هجمات الغدر، لكن إرادة الشعوب الحية والواعية لا تُكسر، والسيادة الوطنية تظل دائمًا خطًا أحمر تحميه اليقظة والتلاحم والعمل المؤسسي الصلب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى