الأمن الاقتصادي في زمن الحرب.. صمام الأمان ورأس الحربة في إدارة الأزمات

بقلم/ أ. توفيق إسماعيل توفيق

في أوقات النزاعات والأزمات الكبرى، لا تُقاس مناعة الدول وحصانتها فقط بقوة ترسانتها العسكرية أو ثبات خطوطها الدفاعية، بل تُقاس أيضاً بمدى قدرتها على استدامة “عصب الحياة” اليومية للمواطن. وهنا تحديداً يتجلى دور الأمن الاقتصادي، بوصفه الذراع الاستخباراتية والتحليلية التي تمتلك الكوادر المؤهلة والخبرات التراكمية الكفيلة بإدارة الأزمات، والتنبؤ باختلالات الخدمات، ووضع معالجات استباقية تحمي الجبهة الداخلية من الانهيار.

*أولاً: غياب التنسيق الإداري وبطء القرار.. عندما تفشل الحلول التقليدية الأمن الإقتصادي هو الحل*

إن القراءة الدقيقة لمجريات الأزمة الحالية تكشف عن مفارقات لافتة تتطلب وقفة جادة؛ فعلى سبيل المثال، عند استهداف المولدات أو المحطات الكهربائية بواسطة الطائرات المسيرة، تفاجأ الشارع بانقطاع تام وشامل لإمدادات المياه. وهو أمر يثير الدهشة والاستفهام، إذ توجد بمعظم محطات المياه الرئيسية مولدات طوارئ مجهزة لمثل هذه الظروف الاستثنائية.

إن تشغيل هذه المولدات لمدة لا تتجاوز 4 ساعات يومياً كان كفيلاً بضخ الحد الأدنى من المياه وتخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين. ومع ذلك، تأخر اتخاذ هذا القرار الإداري البسيط — حتى وإن كان بدافع حسن النية أو التردد التنفيذي — ليترك المواطن يعاني من عطش كان يمكن تفاديه. هذا “البطء في اتخاذ القرار” من قِبل الأجهزة التنفيذية التقليدية يوضح جلياً الحاجة الماسة لتفعيل دور الأمن الاقتصادي، للربط بين الإمكانيات المتاحة ميدانياً واتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب دون الدخول في تعقيدات البيروقراطية الروتينية.

*ثانياً:أزمة المواصلات.. عجز الإدارة التنظيمية وحاجة الشارع للضبط*

ولا تقف الشواهد عند حدود ملف المياه والكهرباء، بل تمتد لتطال قطاع النقل والمواصلات. فالمتابع للمشهد اليومي يلاحظ تضارباً بليغاً: خطوط مواصلات تشهد ازدحاماً وتوفراً في المركبات، بينما تعاني خطوط ومحطات أخرى من انقطاع كامل للمركبات نتيجة التحديد العشوائي للخطوط أو سوء توزيعها.

هذا الخلل يطرح سؤالاً جوهرياً حول دور إدارة النقل والجهات التنظيمية الإدارية التي أثبتت التجربة عجزها عن التكيف مع ظروف الحرب. وهنا مجدداً، يتجلى دور الأمن الاقتصادي بما يملكه من أدوات الرصد الميداني والقراءة التحليلية للخارطة المرورية، حيث يمتلك القدرة على فرض الرقابة، وتعديل المظاهر الاختلالية، وتنظيم الأسطول الخدمي وفقاً لحاجة الشارع لا لرغبات المشغلين.

*ثالثاً: ملف السلع الغذائية.. ضبط الأسواق وتأمين قوت المواطن*

أما على صعيد السلع الغذائية والاستراتيجية، فإن التحدي يزداد خطورة؛ إذ يواجه المواطن موجات متتالية من الفوضى في الأسعار وتذبذب وفرة السلع الأساسية. فبينما تتكدس بعض المواد الغذائية في مستودعات التجار أو تُهرب عبر خطوط غير رسمية، تعاني أسواق أخرى من ندرة مفتعلة تهدف إلى رفع الأسعار وتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب القوت اليومي للأسر. إن غياب الحزم من بعض الجهات المنظمة جعل الأسواق عرضة لجشع المضاربين والمحتكرين. وهنا يظهر الدور المحوري للأمن الاقتصادي في:

*تتبع سلاسل الإمداد*:

من الموانئ والمعابر وحتى وصولها للمستهلك النهائي لمنع الاحتكار والتخزين الفاسد.

*ضبط الأسواق والأسعار*:

وضع سقف لأسعار السلع المدعومة التزام الأسواق بها بحزم وقوة القانون.

*تأمين المخزون الاستراتيجية*:

الإشراف على المخزون القومي من المواد الأساسية لضمان توزيعها العدلي أثناء حالات الطوارئ القصوى.

*دعوة لمجلس الوزراء والمجلس السيادي*:

حان وقت التكليف المباشر..

إن إدارة اقتصاد الحرب وأزماته لا تحتمل بطء الدورة المستندية أو حسن النيات الإدارية التي تفضي في النهاية إلى نتائج كارثية. والأمن الاقتصادي، بما يختزنه من خبرات متراكمة وكوادر متخصصة ومؤهلة، يمثل القوة الجاهزة التي تنتظر فقط ضوء التكليف الرسمي الكامل بصلاحيات غير محدودة لتفرض الانضباط في الشارع والأسواق.

بناءً على ذلك، بات لزاماً على مجلس الوزراء ومجلس السيادة الإسراع بإصدار قرارات وتكاليف واضحة ومباشرة تمنح الأمن الاقتصادي الصلاحيات الكاملة والخطط التنفيذية للمشاركة الفعالة في:

*إدارة الأزمات الخدمية*:

الإشراف المباشر على التشغيل الطارئ للمرافق الحيوية (مياه، كهرباء، صحة).

*ضبط أسواق السلع والنقل*:

تنظيم خطوط المواصلات وتأمين حركة السلع الغذائية الاستراتيجية وحمايتها من الاحتكار والتلاعب.

*معالجة آثار الحرب الاقتصادية*:

إغلاق الثغرات التي يستغلها الخصوم والمضاربون لإضعاف الروح المعنوية والجبهة الداخلية.

إن الاعتماد على الأمن الاقتصادي وتكليفه المباشر في هذه المرحلة الحرجة ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة وطنية واجبة لفرض الاستقرار، وتسهيل حياة المواطن اليومية، وتعزيز ثباته في وجه التحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى