حين تنقلب الحكومة على قراراتها.. من يدفع الثمن؟

ملح الأرض/ بقلم/ خالد ماسا

لم يمضِ وقت طويل ونحن نضع الحبر على الورق ونقول بأننا في دولة «القرارات» وتعطّل «التشريعات»، فإذا بالعرض المستمر على شاشات «سينما» حكومة الأمل يقدم موسمًا جديدًا في هذا المسلسل الممل، ولم يمضِ وقت طويل حتى يأتي التأكيد على الخلل المؤسسي في قرارات حكومية تفعل أي شيء في الشعب السوداني ما عدا أن تمنحه «الأمل»، وتؤكد على كل شيء إلا أن نستطيع وصفها بحكومة «الكفاءات» التي تم التبشير بها في أول «النفق»، وتم الوعد بقياس جدواها بعد ثلاثة شهور بمقاييس ومعايير تفرز الصالح من الطالح فيها.

نحن الآن في نهايات شهر أكتوبر من العام 2026م، أي إنه قد تبقى شهران على انصرام هذا العام، ولكم أن تتخيلوا بأن وزارة واحدة في حكومة السيد كامل إدريس كانت قد أصدرت عدد (82) قرارًا في هذه الفترة، والله وحده أعلم كم سيصل عدد القرارات الصادرة بتوقيع هذا الوزير بنهاية العام إذا سارت عجلة القرارات بهذه المتوالية (8 قرارات) في الشهر الواحد تقريبًا. وها نحن الآن بصدد التعامل مع القرار رقم (83) الصادر من وزارة التعليم العالي، لتقول هذه الوزارة إن فيها إصرارًا على كسر الرقم القياسي في القرارات، دون أدنى إحساس بأي تحسن، ولو نسبي، في مستوى الأداء العام لوزارة بهذه الأهمية.

(*) عندما تتحدث الدولة بلسانين..

في السودان، قد لا يحتاج القرار الحكومي إلى سنوات حتى يفقد مفعوله، وأحيانًا تكفي بضعة أشهر، وربما توجيه واحد، ليجد المواطن نفسه أمام دولة تتحدث بلسانين، تقول له اليوم ما كانت تحذره منه بالأمس. وهكذا انتقل ملف المراكز الجامعية الخارجية من قرار وزاري يهدد بعدم الاعتراف بالشهادات إلى توجيه رئاسي يسمح باستمرار العمل إلى حين توفيق الأوضاع، وبين القرار والتوجيه يقف الطالب السوداني متسائلًا: أيهما يضمن مستقبلي، وأيهما سأدفع ثمنه؟

وهذا الانطباع المؤكد عند كل من يستمع لقرارات حكومة الأمل، والتي على ما يبدو أنها تكتب على «رمال» المزاج المتحركة أكثر من خروجها تأسيسًا على الدراسة والمنهج والمعرفة بالمعايير المنطقية في الأداء المؤسسي.

ونموذج القرار رقم (83) الصادر عن وزارة التعليم العالي في الثالث من يونيو 2026م، والقاضي بأن يكون الأول من أغسطس موعدًا نهائيًا لإيقاف المراكز الخارجية للجامعات والكليات السودانية والعودة إلى المقار الأصلية لها بالسودان، يصلح تمامًا لأن يكون (دراسة حالة) وعينة تثبت بالدليل القاطع «الارتجال» الحاكم للقرارات الحكومية، وأن هذا النوع من الطواقم الحكومية في الوزارات لا يحلل حتى المال المصروف عليهم من الخزانة العامة، ولو بقدر قليل من الاجتهاد في العمل والقرارات.

النظر في محتوى القرار وطريقة صدوره وتحديد المدة لنفاذه، دون تقدير إن كانت كافية للوزارة نفسها لتكمل جاهزيتها لإدارة المهام المفروضة عليها، ولا تلك المؤسسات التعليمية المطالبة باستعادة نشاطها داخل السودان وتوفير مطلوبات ظلت عاجزة عن إكمالها بمستوى معقول حتى قبل اندلاع الحرب، ناهيك عن أن غالبيتها الآن صارت أثرًا بعد عين.

هذا، وإن القرار حين صدوره، وكالعادة الحكومية، كان قد أسقط من حساباته المعنيين الأساسيين بهذا القرار، وهم الطلاب وأسرهم، الذين لم يستفيقوا بعد من صدمة الحرب وارتداداتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية عليهم، ويحاولون الآن استعادة الحد الأدنى من حياتهم في مدن النزوح ودول اللجوء، فإذا بالقرار (83) يلقي بهم في اليم مكتوفين بصعوبات اقتصادية بالغة التعقيد، ويطلب منهم ألا يبتلوا بماء الظروف وقساوتها، لتصبح الخيارات أضيق من سم الخياط ومن أفق الذي يصدر هذا النوع من القرارات.

بخبط العشواء الملازم لكل القرارات الحكومية، صدر القرار أعلاه وهو يحمل بصمة التعجل والاندفاع وراء إرادة سياسية تريد أن تنتصر لفكرة «العودة الطوعية» للسودانيين بالخارج، وكأنما المواطن السوداني كان قد اختار غربته تلك اختياريًا رغبة منه في «السياحة» وشم هواء اللجوء النقي، ليصدر مثل هذا النوع من القرارات من الفصيل «القهري» لحكومة الأمل، دون أن تدرك واقع الجامعات والطلاب عندما أصدرت قرارها الأول، ليأتي قرار السيد كامل إدريس في أواخر شهر أكتوبر من ذات العام بإلغاء القرار 83 واستمرار الجامعات بمراكزها الخارجية إلى حين توفيق أوضاعها.

وشيطان تفاصيل هذه الممارسة الحكومية يتمثل في أن وزارة التعليم العالي كانت قد أعلنت أن الشهادات الصادرة عن المراكز غير المعتمدة بعد الأول من أغسطس لن تُصدَّق أو تُعادَل، وأن الوزارة لن تتحمل المسؤولية القانونية والأكاديمية عنها، ثم جاء توجيه رئيس الوزراء أعلاه بقرار الإلغاء، ليعيد فتح الملف من جديد، ومن دون أن يتضمن الإعلان الرسمي المنشور تفاصيل كافية عن كيفية معالجة آثار القرار السابق أو ضمان وضع الطلاب المسجلين في تلك المراكز. والفكرة هنا ليست أن استمرار المراكز الخارجية خطأ بالضرورة، وكان ينتظر صدور القرار 83 لتصحيح الأوضاع فيه، أو أن قرار إغلاقها كان صائبًا بالضرورة؛ فهناك اعتبارات تتعلق بالاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم والظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلاب السودانيون بسبب الحرب. بل إن جوهر القضية هو أن الحكومة أصدرت قرارات ذات آثار مصيرية، ثم انتقلت إلى توجيه جديد دون أن توضح للرأي العام كيف ستُعالج الآثار القانونية والأكاديمية للقرار السابق، المكتوب بسند قانوني قال إنه صادر بحسب قانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2021م. وهنا لن تستطيع الجهة التي أصدرت القرار، ولا تلك التي قامت بتعطيله، الإجابة عن سؤال: ما الذي استجد حتى أصبح استمرار المراكز ممكنًا بعد أن كان إيقافها إلزاميًا؟ وهل نحن أمام مراجعة مؤسسية مدروسة أم تصحيح متأخر لقرار لم تُدرس عواقبه؟

بالتأكيد، ليست المشكلة في مراجعة القرارات الوزارية الصادرة، فالمراجعة قد تكون ضرورية، ولكن المشكلة في أن تظل أسباب القرار الأول وأسباب التراجع عنه قائمة، وآثارهما على المواطنين بلا تفسير واضح.

ونحن هنا، وبهذا التناول، لا نريد أبدًا أن نعرض الموضوع على شاكلة السجال بين وزير التعليم العالي والسيد رئيس الوزراء، لأننا نعتبر أن هذا سيُعتبر عرضًا «ركيكًا» لأزمة كبيرة ومستفحلة تواجهنا مع الأداء التنفيذي لحكومة الأمل، بل نريد أن نضع الكل أمام واقع هندسة القرار الحكومي، والاستفسار عن السند القانوني والإداري الذي يحكم العلاقة بين القرار الوزاري وتوجيه رئيس الوزراء الأخير. وهل صدر توجيه جديد ومكتوب يحدد صراحةً مصير القرار رقم (83)، والذي من المؤكد أنه قد ذهب بسيرك الوزارة إلى كل مكاتب المراكز والجامعات، أم أن الإعلان اقتصر على توجيه الوزارة شفاهةً باستمرار العمل؟ ثم ما الإجراءات التنفيذية التي ينبغي أن تتخذها الوزارة حتى لا تبقى المؤسسات والطلاب أمام تعليمات متعارضة؟ وإذا كانت الحكومة تملك صلاحية مراجعة قرار وزارة التعليم العالي رقم (83)، فإن مسؤوليتها لا تنتهي بإصدار التوجيه، بل تبدأ بإزالة التعارض بين القرار والتوجيه، وتحديد الوضع القانوني الجديد بعد الإلغاء، وإبلاغ المؤسسات والطلاب وكل الأطراف المعنية بما يترتب عليه. فالتوجيه قد كان واضحًا بأن الشهادات الصادرة عن المراكز غير المعتمدة بعد الأول من أغسطس لن تُصدَّق أو تُعادَل، وأن الطلاب قد لا يتمكنون من استخراج الرقم الجامعي الموحد أو إدراج بياناتهم في السجلات الرسمية.

لا الوزير في وزارة التعليم العالي ولا السيد رئيس الوزراء يشغلون بالهم بمصير الطالب الذي قطع دراسته اعتمادًا على توجيه الوزارة في يونيو، أو ذاك الذي واصل فيها تأسيسًا على قرار الإلغاء في أكتوبر الصادر من مجلس الوزراء، ومصير الطلاب المسجلين قبل الأول من أغسطس وبعده؛ إذ لا يجوز أن يتحول الطالب إلى ضحية لغياب التنسيق بين المؤسسات التي يفترض أن تحمي حقه في التعليم، وليس كافيًا أن يُقال له إن المراكز ستواصل عملها دون توفير ضمانات رسمية لمستقبله الأكاديمي.

قرار العودة «القهري» الذي ألزمت به الوزارة الجامعات، وهي المضطرة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م إلى مواصلة الدراسة من مواقع بديلة أو عبر وسائل تعليمية مختلفة، فيما أنشأت بعض المؤسسات مراكز خارج البلاد، هل يعني أن عودتها إلى عنوانها الجغرافي تعني بالضرورة عودة العملية التعليمية بكامل شروطها؟ وكيف يمكن مطالبة الطلاب بالعودة دون ضمانات واقعية تتعلق بالأمن والسكن والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة؟

كان من الواجب على الوزارة أن تعلم بأن إعادة فتح المباني ليست بالضرورة مرادفًا لاستعادة الجامعة بكل مطلوبات العملية التعليمية؛ فالجامعة أساتذة وطلاب ومعامل ومكتبات وبيئة تعليمية مستقرة، وليست مجرد مقر يُطلب من الجميع العودة إليه. وقرار رئيس الوزراء الأخير كان قد استخدم عبارة «توفيق الأوضاع» كاشتراط للعودة، وهي بالضرورة عبارة لا تجعل القرار مضبوطًا، بل تجعله مفتوحًا على السراب بهذه الجملة «المطاطية»، دون الإعلان في المنشور عن تحديد مهلة زمنية تفصيلية أو آلية واضحة للتعامل مع المراكز التي لا تستوفي الشروط. إذ ليس كافيًا استبدال قرار حاسم ومحدد العبارات، كما هو وارد في القرار الوزاري رقم (83)، بعبارة مفتوحة زمنيًا؛ فالتنظيم الحقيقي يحتاج إلى معايير معلنة ومواعيد نهائية وإجراءات انتقالية وآلية تظلم ومحاسبة.

في هذا الأمر، هنالك جملة مطلوبات، في مقدمتها:

يظل رئيس الوزراء مطالبًا بتوضيح الأساس القانوني لتوجيهه الأخير، ونطاق تطبيقه، وضبط علاقته بالقرار الوزاري السابق.

وزارة التعليم العالي ملزمة بنشر قائمة المراكز المسموح لها بالاستمرار بالخارج، وتحديد شروط الاعتماد ومهلته، وتوضيح مصير الطلاب والشهادات والامتحانات خلال الفترة السابقة.

إدارات الجامعات والمراكز مطالبة بالإفصاح للطلاب كتابةً عن الوضع القانوني لكل مركز، وعدم الاكتفاء بالتطمينات الشفهية التي لن تجدي نفعًا حال ظهور أي مشكلات مستقبلية.

على الجهات الرقابية والتشريعية المختصة، إن وجدت، التحقق من اتساق الإجراءات الحكومية وضمان عدم تحميل الطلاب تبعات خلافات إدارية لا يملكون السيطرة عليها.

ليست المشكلة أن تراجع الحكومة قرارًا ثبت قصوره، ولا أن تبحث عن مخرج يحفظ مستقبل الطلاب الذي تهدده القرارات المرتجلة، بل المشكلة أن تتخذ القرار وتحدد موعدًا لتنفيذه وتعلن تبعات مخالفته، ثم تنتقل إلى وضع جديد دون أن تشرح للناس كيف ستُعالج الآثار التي خلّفها الوضع السابق؛ لأن مستقبل الطلاب ليس مساحة لاختبار القرارات الحكومية، والشهادات الجامعية ليست أوراقًا يمكن تعليق مصيرها بين وزارة ورئاسة وزراء. وإذا كان السيد كامل إدريس قد وجّه باستمرار المراكز، فإن السؤال الذي لا يجوز تأجيله هو: من يضمن الآن حقوق الطلاب، ومن يتحمل المسؤولية عن كل ما ترتب على القرارات المتعارضة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى