علم الدين عمر يكتب: قبل أن ننتقد الحكومة..أين كنا.. وأين صرنا؟!

حاجب الدهشة

يروى عن الرئيس الراحل جعفر نميري أنه كان- بين الحين والآخر يباشر العمل وزيراً في الوزارات التي يتغيب وزيرها لأي سبب.. وكان الموظفون يحاولون إستغلال هذه السانحة لتقديم طلباتهم في العلاوات والحوافز والمنح والترقيات.. فيعلق عليها الرئيس (الوزير) بعبارة واحدة يحول لرئاسة الجمهورية.. وحين تعرض عليه في القصر يعيدها ممهورة بكلمة واحدة (نعتذر).. فتعود الأمور لما كانت عليه.. لا ضرر ولا ضرار..

قبل أن ننتقد الحكومة.. وقبل أن نرفع سقوفات الغضب.. وقبل أن نحاكم الحاضر بكل قسوة.. علينا نتذكّر للحظة واحدة.. أين كان السودان قبل عام ونصف؟ ولماذا نتناسى أن بلادنا بأكملها كانت تتساقط من بين أيدينا.. وأن مدناً وولايات كانت تُنتزع من جسد الدولة.. وأن الدماء كانت تسيل.. والبيوت تُحرق.. والحرمات تُنتهك.. والأموال تُنهب.. والأسر تتشتت.. والملايين يفرون بأرواحهم من جحيم لم يترك لهم خياراً سوى النزوح واللجوء؟..

هل نسينا أن الدولة كانت تتراجع.. وأن حاميات الجيش والمناطق العسكرية وقيادات الفرق كانت تسقط.. وأن السودان كان يواجه إحتمالاً مرعباً.. لم يكن مجرد تعثر في الحكم وتدافع علي السلطة كما أشاعوا..كان إنهياراً.. مرتباً.. ممنهجاً في مقومات الدولة نفسها..

أين كنا.. وأين صرنا؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال.. وأن يحضر قبل كل اتهام.. وأن يظل ماثلاً أمامنا ونحن نناقش إخفاقات اليوم واستحقاقات الغد..

منذ الخامس عشر من أبريل 2023.. لم تكن الأزمة السودانية مجرد حرب على السلطة.. ولا خلافاً سياسياً يمكن احتواؤه بتسوية مصنوعة.. كانت حرباً على الدولة نفسها.. وعلى وجودها ومؤسساتها ومجتمعها..كانت المأساة تتسع أمام أعين العالم.. فيما كان السودانيون يدفعون من أرواحهم وأمنهم وبيوتهم وأعمارهم ثمناً باهظاً لا تزال آثاره تنزف حتى اليوم.. وستستمر لعقود قادمة..

يومها لم يكن السؤال عن اقتصاد مترد أو معافى.. ولا عن خدمات منتظمة أو متعثرة..ولا عن تنمية أو إعمار.. فقد كانت الأولوية لبقاء الدولة ووقف الإنهيار.. وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن كان يتعرض لتمزق غير مسبوق..

ثم استعاد الجيش والدولة مساحات واسعة من البلاد.. وعادت مؤسسات الدولة إلى مواقعها.. وبدأت البلاد تسترد أنفاسها.. وشرعت رحلة العودة مراكبها.. بكل ما يحيط بها من تعقيدات وأوجاع وتحديات.. لم تنته الحرب.. ولم تلتئم الجراح.. ولم تعد الحياة إلى طبيعتها بعد.. لكن المشهد لم يعد هو المشهد ذاته..والواقع لم يعد هو الواقع نفسه..

المفارقة التي ينبغي ألا تغيب عنا.. لقد انتقلنا من الخوف على وجود الدولة إلى مساءلة الدولة عن أدائها.. وهذا انتقال مهم.. صحيح أنه لن يكتمل إلا إذا أدركنا أن استعادة الدولة ليست نهاية المعركة..بل بدايتها الجديدة..ولكنه موقع متقدم علي أي حال..

نعم.. نحن اليوم متعثرون في أشياء كثيرة.. في الخدمات والأمن والتنمية والإعمار.. وفي اتخاذ القرارات والدعم الفني والإداري.. وهناك أخطاء تستحق النقد الصريح.. وقرارات تستوجب المراجعة.. ومسؤولون ينبغي أن يخضعوا للمساءلة.. ولا يجوز أن تتحول تضحيات الشهداء إلى حصانة لأحد..أو أن تصبح استعادة الدولة مبرراً للتقصير.. أو أن يُطلب من المواطن أن يصمت عن أوجاعه بحجة الظروف الإستثنائية..

لكن ثمة فرق هائل بين نقد الحكومة لإصلاح أدائها.. وبين إغراق المشهد في خطاب لا يرى شيئاً تحقق..ولا يعترف بأي خطوة إلى الأمام.. ولا يميز بين تعثر مسار العودة وخطر ضياعها..

إن الالتفاف حول البرنامج الوطني وحكومة الأمل لا يعني التصفيق للأخطاء.. هو يعني حماية المسار الوطني مع تصحيح اختلالاته.. ويعني أن نجعل النقد وسيلة للبناء.. والمحاسبة طريقاً للإصلاح.. والإختلاف دافعاً لتحسين الأداء.. وليس معولاً يهدم الثقة في كل ما استُعيد بشق الأنفس..

الآن..علينا أن نلتقط أنفاسنا بقوة.. وأن نعود إلى أنفسنا.. وأن نضع محاربة الفساد في مقدمة أولوياتنا.. فالفساد عدو خطير يبدد الموارد.. ويعطل الإعمار.. ويقوض ثقة المواطن في الدولة.. ويهدر ثمار التضحيات.. نحتاج إلى مؤسسات فاعلة..وقرارات مستقرة.. وخدمات ملموسة.. ومحاسبة لا تستثني أحداً وبرنامج وطني تتقدم فيه مصلحة السودان على الحسابات الضيقة..

أين كنا.. وأين صرنا؟ ليس السؤال دعوة إلى الرضا بالواقع مطلقاً.. بل تحذير من فقدان الذاكرة الوطنية.. وليس تذكيراً بالماضي كي نهرب من استحقاقات الحاضر.. بل كي نواجهها بوعي ومسؤولية..

لقد عدنا.. والآن علينا أن نبني.. وأن نحارب الفساد.. وأن نستعيد الدولة كاملة.. فلنختلف.. ولننتقد.. ولنحاسب.. ولكن لنتفق على ألا نهدم ما بنيناه بالأسى ومُر الذكريات ودماء الشهداء.. السودان أكبر من الحكومة.. وأبقى من الأشخاص..وأغلى من الحسابات العابرة..

ومن لم يستوعب المسافة بين أين كنا وأين صرنا.. لن يدرك حجم المسؤولية في تحديد أين ينبغي أن نكون..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى