الحوار السوداني في اختبار التطبيق.. رسائل «فهمي» ورهانات لجنة التهيئة
الجامعة العربية تطرح خبراتها وعلاقاتها دعماً لمسار التهيئة

اللجنة تبحث عن ضمانات الثقة وتوسيع المشاركة السياسية
رهان المرحلة المقبلة.. تحويل الدعم إلى خطوات عملية
تقرير – عماد النظيف
لم تكن زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية، الدكتور نبيل فهمي، إلى مقر لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني بالعاصمة الخرطوم مجرد محطة عابرة ضمن برنامج زيارته الرسمية إلى البلاد، بل حملت في طياتها دلالات سياسية عميقة ورسائل مباشرة بشأن مستقبل المسار السياسي، ودور المساندة الإقليمية والدولية، ومدى قدرة السودانيين على ابتدار وصياغة حلول جذرية تنهي أزمتهم المعقدة.
وفي أروقة مقر اللجنة بالخرطوم، تركزت أنظار المراقبين والشارع السياسي على طبيعة ما يمكن أن تقدمه الجامعة العربية لدعم المبادرة الوطنية، في وقت تواصل فيه اللجنة المشكّلة اتصالاتها المكثفة مع مختلف القوى السياسية، والكيانات المجتمعية، والفاعلين التنفيذيين، بحثاً عن أرضية مشتركة ومتماسكة تتيح إطلاق حوار شامل يستوعب كافة الآراء، ويضع المصلحة الوطنية في مقدمة الأولويات.
وجاءت التصريحات الصحفية التي أدلى بها فهمي عقب انتهاء الاجتماعات لتؤكد مجدداً على موقف الجامعة الثابت في دعم جهود التهيئة، مع التشديد الصريح على حتمية أن يكون الحوار سودانياً خالصاً في قيادته وأجندته ومضمونه، وأن تدور جلساته الأساسية داخل الأرض السودانية. وفي المقابل، عبرت اللجنة عن تطلعها المشروّع إلى دور عربي فاعل يتجاوز حدود الدفع المعنوي، ليسهم بشكل ملموس في تعزيز مصداقية المبادرة وتوفير البيئة الملائمة لانطلاقها نحو الأهداف المنشودة.
سودانية المسار والقرار.. ثوابت لا تراجع عنها
وضعت رسائل الأمين العام لجامعة الدول العربية مسألة “سودانية الحوار” في صدارة محاور النقاش، مؤكداً دعم المنظمة الإقليمية لجهود لجنة التهيئة، ومشدداً على أن نجاح أي عملية سياسية يظل مرهوناً بمدى قدرة السودانيين على قيادتها بأنفسهم وتحديد ترتيب أولوياتها، بما يعبر بصدق عن تطلعات الشارع ويحافظ على سيادة البلاد ومؤسساتها الوطنية.
وأفاد فهمي، عقب لقائه المباشر مع أعضاء اللجنة، عن سعادته البالغة بوجوده في الخرطوم في هذا التوقيت الفاصل، مشيراً إلى أنه بدأ بالفعل سلسلة من التواصلات واللقاءات مع القوى السودانية المعنية بإعادة بناء الدولة وتحقيق استقرارها، وصولاً إلى إعادة ترميم النسيج السياسي والمجتمعي لمواجهة تعقيدات الأزمة وتجاوز تداعياتها.
ويرى يرى محللون أن تأكيد انعقاد الحوار داخل السودان يكتسب أهمية رمزية وعملية تتجاوز مجرد تحديد مكان الاجتماعات، إذ يرتبط ذلك بصورة مباشرة بملكية السودانيين الوطنية للعملية برمتها، وقدرتهم الذاتية على طرح القضايا الحساسة للنقاش، وصياغة التوافقات الهيكلية انطلاقاً من واقع البلاد وتنوع مكوناتها الاجتماعية والديمغرافية.
كما حرص فهمي على التذكير بضرورة استيعاب مختلف الرؤى السياسية دون إقصاء، مع الالتزام التام باحترام سيادة السودان الوطنية واستقلال مؤسساته، مبيناً استعداد الجامعة العربية لتقديم كافة أشكال الدعم والخبرات الفنية والمشورة اللازمة، بما يعين على تهيئة المناخ المناسب للعملية السياسية، ودون أن يحل الدعم الخارجي بأي حال من الأحوال محل الإرادة السودانية المستقلة.
خارطة طريق إجرائية.. من الشك إلى الثقة المتبادلة
لم يقف حديث الأمين العام للجامعة العربية عند حدود التأييد السياسي أو الدعم الشفهي، بل امتد ليتطرق إلى المتطلبات العملية الإجرائية لتهيئة الحوار، داعياً إلى وضع ترتيبات تفصيلية متفق عليها تراعي المخاوف والتطلعات المشروعة للمواطنين والقوى السياسية على حد سواء، وإعداد خطة عمل دقيقة تتضمن مواقيت زمنية وموضوعات محددة تساعد على ضبظ وتنظيم العملية السياسية منذ مراحلها التمهيدية الأولى.
وتطرح هذه الدعوة العربية حزمة من الأسئلة الجوهرية أمام المبادرة الوطنية: كيف يمكن الانتقال بالعملية من طور اللقاءات الاستكشافية والتواصلات التمهيدية إلى ترتيبات إجرائية عملية تعزز الثقة المفقودة وتحدد ملامح الطريق؟ إذ إن نجاح مرحلة التهيئة لن يقاس بحجم اللقاءات المنعقدة أو عدد المشاركين فيها فحسب، بل بقدرة اللجنة على ترجمة تلك الرؤى المتعددة والمقترحات المتباينة إلى خطوات واضحة ومحددة قادرة على استيعاب الاختلافات وشواغل الأطراف.
وفي هذا السياق، يظل منهج التدرج في إنجاز التفاهمات أحسن المسارات الممكنة للتعامل مع التباينات بين القوى السياسية والمجتمعية، من خلال البدء بتحديد موضوعات محل توافق وتوفير مساحات آمنة تتيح لكل طرف التعبير عن مواقفه ومخاوفه دون فرض أجندة مسبقة أو القفز إلى نتائج مبكرة لا تستند إلى أرضية مشتركة.
ومن هنا، تتضاعف أهمية استمرار اللجنة في التواصل الميداني والسياسي المكثف مع كافة المكونات الوطنية دون استثناء، وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل أطياف الشباب والمجتمع المدني، بما يضمن بناء عملية حوارية متماسكة تتعامل مع جذور الأزمة السودانية الهيكلية بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات المؤقتة أو التعاطي مع المظاهر السطحية.
استثمار الثقل الإقليمي.. كيف توظّف اللجنة الدعم العربي؟
وفي المقابل، جاء موقف لجنة تهيئة الحوار على لسان ناطقها الرسمي، المهندس عثمان ميرغني، ليؤكد تطلع اللجنة إلى لعب جامعة الدول العربية أدواراً أكثر فاعلية في إسناد الحوار وتعزيز مصداقيته السياسية، والمساهمة المباشرة في تهيئة المناخ وتوفير الضمانات اللازمة لانطلاقه، مستفيدة من ثقل الجامعة الإقليمي وعلاقاتها الممتدة على الصعيدين العربي والدولي.
وأوضح ميرغني في تصريحاته أن الاجتماع الموسع تناول باستفاضة تطورات المشهد السوداني والجهود المساندة التي تبذلها الجامعة، مشيراً إلى أن جانباً أساسياً من المباحثات ركز على المسار الإجرائي للحوار وآفاقه المستقبليّة، إضافة إلى التداول حول الآليات العملية الناجعة التي يمكن تقديمها لدعم جهود اللجنة في هذه المرحلة الدقيقة.
وأضاف الناطق الرسمي أن النقاشات التعمقية شملت تحديد مجالات الدعم الفني واللوجستي والاستفادة من خبرات الجامعة المشهودة في إدارة الأزمات وتسهيل التفاهمات الوطنية، بما يرفع من كفاءة العمل ويزيد من قدرة اللجنة على الإيفاء بمهامها، إلى جانب طرح مقترحات عملية لتوسيع آفاق التعاون والتنسيق المشترك خلال الفترة القادمة.
ويعكس هذا الطرح سعي لجنة التهيئة إلى الاستثمار الأمثل للحضور العربي وتوظيفه لرفع مستوى المساندة الإقليمية للمبادرة، وبناء الثقة في مسارها السياسي، عبر الاستفادة من قنوات التواصل التي تمتلكها الجامعة مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، بما يشكل سنداً إضافياً للجهود الوطنية الرامية إلى تذليل العقبات وإتاحة فرص النجاح للحوار.
كما جدد ميرغني أمل اللجنة في تواصل الحضور العربي الملموس ومشاركته الإيجابية في كافة المراحل، والمساعدة في تذليل التحديات الميدانية والسياسية، بما يساعد القوى السودانية المختلفة على التوصل إلى حلول شاملة ودائمة تنهي أزمتهم وتلبي تطلعات الشعب في الاستقرار والتنمية.
المحك الحقيقي.. تحويل التوافق الشفهي إلى خطوات ميدانية
تتلاقى رسائل نبيل فهمي وتأكيدات عثمان ميرغني عند نقطة محورية مفادها أن الحوار يجب أن يظل سوداني القرار والملكية، مع ضرورة تعظيم الاستفادة من الإسناد العربي في تهيئة البيئة وتقديم المشورة الفنية والخبرات التراكمية. غير أن تحويل هذا التوافق المبدئي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع سيظل مرتبطاً بمستوى الإنجاز العملي ومدى قدرة المبادرة على جذب واستقطاب مشاركة واسعة وشاملة من القوى السياسية والاجتماعية المؤثرة.
فبينما أعلنت الجامعة العربية عن جاهزيتها التامة للمساندة، وأبدت اللجنة تطلعها لتعميق التعاون، تبدو الخطوة الأهم والأكثر حسم هي الانكفاء على تحديد الترتيبات العملية وآليات التنسيق المباشر، وتحويل النوايا والتفاهمات النظرية إلى إجراءات تنفيدية واضحة تمنح الكتل السياسية والرأي العام رؤية جليّة ومطمئنة لمسار الحوار وآلياته.
علاوة على ذلك، فإن النجاح الكلي لمرحلة التهيئة يظل مقترناً بمدى مرونة المبادرة في امتصاص الشكوك السياسية، والانصات الواعي لمختلف التحفظات والتصورات، وإيجاد مساحات حوارية متكافئة تتيح مناقشة القضايا الرئيسية المسكوت عنها بشفافية وشجاعة، وصولاً إلى صيغ توافقية يشارك جميع السودانيين في وضع لبناتها ويتحملون كافة التبعات الوطنية لتنفيذها.
ومن مقر اللجنة بالعاصمة الخرطوم، مثلت زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية دفعة سياسية تأكد من خلالها الحضور العربي المساند للمسار الوطني. وبين عبارات التأييد الإقليمي ورهانات اللجنة السياسية، يظل المحك الحقيقي والاختبار الفعلي متمثلاً في مقدرة الأطراف على قفز هذه الجهود إلى مرحلة الخطوات الميدانية الناجزة، التي تضع قطار الحوار السوداني السوداني على سكك واضحة، وتضمن استقلالية قرار البلاد وحق أبنائها الصريح في تقرير مستقبلهم.
/////////////////////



