ملح الأرض/ حوار الظلام… بقلم/ خالد ماسا

وفي السياق الاجتماعي السوداني، نجد أن استخدام «حوار الطرشان» يتم اتخاذه كتوصيف لحالة عدم الجدوى من الدخول في تفاصيل الحوار ومضيعة الزمن. وبالتأكيد، فإن التوصيف بين الأقواس دقيق ويلخص الحالة السودانية الكائنة الآن مع حالة الحرب، إن لم نتعدَّ ذلك إلى مرحلة القول بأن نمط الحوار السوداني على الدوام محبوس في دائرة عدم الجدوى، حتى في فترة ما قبل الحرب والحوار السياسي.

في السودان، الأزمة أعمق، والفجوة بين المبادرات السياسية التي تتحدث عن إنهاء الحرب وإتاحة الفرصة أمام فتح المسارات الإنسانية واستعادة المسار السياسي، والواقع الذي يعيشه السودانيون الآن تحت نيرانها، كبيرة جدًا.

الحدث الدبلوماسي الأهم هذا الأسبوع في الخرطوم، 26 أكتوبر، كان هو وصول الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، والذي تأتي زيارته في سياق دعم جهود وقف الحرب وتخفيف معاناة السودانيين. وبحسب ما هو معلن في جدول لقاءاته، فإنه سيجري حوارًا مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ولجنة تهيئة الحوار السوداني، وممثلين عن القوى السياسية. هذا على الأرض يُقرأ بشكل باعث للتفاؤل لدى السودانيين بأن النبض لا يزال مستمرًا في مسار التفاوض والحل الدبلوماسي، إلى أن سماء السودان، وفي ذات اليوم، شهدت ما يجعل الأجواء أكثر إظلامًا في رؤوس السودانيين، إذ أعلنت شركة كهرباء السودان عن استهداف خمس محطات كهرباء في مدن سنجة والحواتة والفاو ومشكور والجنيد، الأمر الذي قاد إلى اضطراب الإمداد الكهربائي في ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة، بسبب الهجمات التي قامت بها طائرات من غير طيار تتبع لقوات الدعم السريع. ومن هنا نستطيع أن نتبين المفارقة بين محطتي الحوار وحالة الظلام في السودان؛ ففي الخرطوم يجري البحث عن مدخل للحوار عن طريق مجهودات منظمات الإقليم، بينما في مناطق سودانية أخرى تتسع دائرة انقطاع الخدمات التي تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة بسبب استهداف البنية التحتية والمقار المدنية بالقصف. وعندما نتحدث هنا عن الحدثين، بالضرورة لا نريد أن نوجد علاقة سببية بينهما بقدر ما أننا نسعى إلى كشف التناقض بين الخطاب السياسي والدبلوماسي والواقع الإنساني على الأرض، ولا يوجد أي افتراض بأن الزيارة والهجمات جزء من واقعة واحدة.

(*) دبلوماسية الحل وحرب تكتب اليوميات..

والخرطوم كمدينة بدأت في استعادة توصيفها القديم بأنها «العاصمة» التي تستقبل الوفود الدبلوماسية، تستضيف أمين عام المنظمة الأقل مساهمة وتفاعلًا مع الأزمة السودانية، قياسًا بمبادرات منظمات أخرى سعت إلى ما يسعى إليه الآن السيد نبيل فهمي في زيارته للخرطوم. وبالتالي، وبعد أربع سنوات من الحرب، نستطيع أن نوجه سؤالنا للضيف الزائر للخرطوم عن ما الذي استجد في ملف حرب السودان استدعى زيارته الأخيرة، وما الذي يحمله معه بغير ما تم طرحه في مبادرات الرباعية والخماسية وكل منابر الحل الدبلوماسي المطروحة؟

إذ ليست المشكلة في أن يتحدث السياسيون والدبلوماسيون عن الحوار السوداني لإنهاء أزمة الحرب، بل في أن يصبح الحوار بديلًا من اتخاذ القرارات التي تهيئ شروطه. فالسودان لا يحتاج إلى إعلان جديد أو مبادرة تزيد الرغبة في التوافق بقدر حاجته إلى مسار حواري يحدد كيف تتوقف الحرب، ومن يشارك في صياغة المستقبل، وكيف تُحمى حقوق من دفعوا ثمن الصراع.

ففي ذات التوقيت الذي تستقبل فيه الخرطوم الأمين العام للجامعة العربية، تتعرض منشآت كهربائية لهجمات تعطل الإمداد في مناطق واسعة من شرق السودان، وتتزامن رسائل التضامن السياسي في الإقليم بالدعوة للحوار مع وقائع ميدانية تزيد الأعباء على المدنيين بانقطاع خدمات الكهرباء جراء تأثر المحطات المستهدفة بالقصف، كأول اختبار ومقياس لجدية المبادرات الدبلوماسية التي تتعدد اللقاءات والمؤتمرات ذات العلاقة بها في المدن والعواصم الإفريقية والعربية والعالمية، في مقابل القدرة على تغيير الوقائع التي يعيشها الناس، وإمكانية أن يستعيد خطاب السلام صدقيته، وفرضية أن يتضمن التزامات عملية لحماية المنشآت المدنية والخدمات الأساسية.

ما حدث في مدن شرق السودان بسبب الاستهداف الممنهج والمقصود بالطيران المسيّر، لا يمكننا النظر إليه فقط باعتباره مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل إنه يتعدى ذلك إلى أنه استمرار للفجوة بين ما يقال عن مستقبل السودان وما يحدث في حاضره؛ فالدبلوماسية التي لا تقترب من معاناة الناس تخاطر بأن تتحول إلى نشاط موازٍ للحرب بدلًا من أن تكون وسيلة لإنهائها.

ومن المهم هنا تثبيت حقيقة أن الهجمات شملت، وفق البيان الصادر عن شركة الكهرباء، خمس محطات في أربع ولايات، وبالتالي لا مجال هنا للحديث عن الصدفة أو عدم التخطيط، فالأمر، على ما يبدو، مخطط ومدروس لحالة الإظلام هذه.

من الواجب على الذين يجلسون على طاولات الحوار أن يحملوا معهم الهم المدني والأعباء التي تثقل كاهل المدنيين؛ لأنهم المعنيون بانقطاع الكهرباء عن مريض تتوقف حياته على أجهزة تعمل بالإمداد الكهربائي، وأسرة تعتمد في حصولها على مياه الشرب على المضخات، أو مخبز ينتج الخبز، أو محطة الوقود التي يتوقف عملها، وكل الآثار المترتبة عن ذلك في شتى ظروف الحياة التي يجعلها انقطاع التيار الكهربائي جحيمًا فوق جحيم الحرب. فالمواطن ليس مجرد موضوع على أجندة وجدول أعمال الدبلوماسيين، بل هو صاحب المصلحة الأولى في أي تسوية أو معالجة لآثار الحرب، ومن ثم فإن الحوار الذي لا يضع حماية المدنيين والخدمات الأساسية في مركز أولوياته يظل ناقصًا، مهما اتسعت قائمة المشاركين فيه. ولا نظن بأن الأمين العام للمنظمة العربية، الذي زار الخرطوم مؤخرًا، يملك شيئًا حيال كل ما تصنعه.

ويمكننا هنا الاستناد إلى تحذيرات الأمم المتحدة التي تقول إن هجمات المسيّرات باتت تقتل المدنيين وتعطل الخدمات الأساسية، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين انعدام الأمن الغذائي.

ما جدوى الزيارات الدبلوماسية والحوار السياسي بينما المسيّرات مستمرة في تدمير المنشآت الكهربائية التي يتجاوز أثر استهدافها حدود المنشأة ذاتها؟

فالكهرباء تدخل في تشغيل المستشفيات، وضخ المياه، وحفظ الأدوية والأغذية، والإنتاج الزراعي. وبذلك تتحول الأضرار المادية إلى أعباء اجتماعية واقتصادية يصعب قياسها بمجرد إحصاء المحولات المحترقة، بينما تكون حوارات الغرف المظلمة في عالم موازٍ، والاهتمام فيها بربطات العنق أكثر مما ذكرناه آنفًا.

حوارات «الظلام» تلك التي لا تناقش الالتزامات التي تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني في التعامل مع المنشآت المدنية، كمنشآت الكهرباء والمياه والمستشفيات، وضرورة التمييز بين المنشأة المدنية والهدف العسكري وفق قواعد القانون الدولي، بدلًا من الاكتفاء بادعاءات عامة بشأن الاستخدام العسكري وعبارات الحوار الدبلوماسي اللزجة.

الاستهداف المتزامن مع زيارة أمين عام الجامعة العربية لدفع عجلة الحوار السوداني هو عبارة عن رسالة في البريد لا تعتبر أن محطات الكهرباء تُعد، من حيث الأصل، أعيانًا مدنية محمية وفق القانون الدولي، وأنها لا تصبح أهدافًا عسكرية مشروعة لمجرد وجودها في منطقة يسيطر عليها الجيش، بل يتطلب الأمر تحقق المعايير القانونية ذات الصلة بكل منشأة، مع الالتزام بقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. وهذا بحسب توضيح اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن البنية التحتية للطاقة لا يمكن أن تفقد حمايتها المدنية تحت أي ظروف، ولا يجوز تصنيف شبكة الكهرباء بأكملها هدفًا عسكريًا بصورة شاملة أو استهدافها لمجرد الضغط الاقتصادي والسياسي.

بعد الضجيج الدبلوماسي لزيارة أمين عام جامعة الدول العربية، لا بد وأن تسأل الخرطوم عن المتوقع في نتائج هذه الزيارة تحديدًا، ليطابق تصريحات التأكيد على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وهل تستطيع الجامعة توظيف علاقاتها في الإقليم للضغط من أجل وقف الهجمات على المنشآت المدنية والتصدي لحالة الإظلام هذه، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية؟ وكيف يمكن تنسيق المساعي العربية مع المبادرات الدولية والإقليمية القائمة تفاديًا لتعدد المنابر وتضارب المسارات التي أضرت بملف الحوار أكثر مما تساهم فيه؟ إذ لا يجوز قياس نجاح زيارة نبيل فهمي بالترحيب الرسمي أو عدد الاجتماعات واللقاءات التي عقدها مع عدد من الأطراف، بل بما يمكن أن يتبع ذلك من خطوات قابلة للتحقق والدعم في وقف الأعمال العدائية، وحماية البنية التحتية، وتوسيع المشاركة السياسية، وتيسير الإغاثة، وتهيئة مسار سوداني يفضي إلى تسوية مستدامة.

في قصة الحوار والظلامات المتعددة التي يدخلها المواطن السوداني بسبب استهداف البنية التحتية، يجب النظر للمشكل السوداني من عدة زوايا، في مقدمتها التعامل مع مسألة الحوار بوصفها ضرورة سياسية، ولا يمكن بناء تسوية مستدامة لهذا الملف من دون معالجة أسباب الحرب في جذورها وإدارة الخلافات حول السلطة والدولة والانتقال السياسي بشكل استراتيجي.

وأن عملية وقف الأعمال العدائية بوصفها ضرورة إنسانية، ولا يجوز أن يصبح انتظار التسوية السياسية مبررًا لاستمرار تعريض المدنيين للخطر أو تعطيل الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات.

ضرورة التأكيد على أن الحوار ليس مجرد مهام وتكاليف دبلوماسية، بل هو يُعتبر وصفة وأداة لتحقيق السلام، وينبغي أن تنتج من الزيارة والتحركات الإقليمية ترتيبات عملية قابلة للمتابعة والتنفيذ، لا أن تبقى مسارًا موازيًا للعمليات العسكرية. إذ لا معنى لدعوات الحوار وكثرة المبادرات حين تظل حياة المواطنين وخدماتهم الأساسية رهينة التصعيد العسكري، ولا تكفي الدعوات إلى وحدة السودان إذا كانت مقومات الحياة التي توحد مجتمعاته تتعرض للتعطيل والتدمير، ويصبح الحوار لا يمثل المواطن السوداني الذي يستيقظ على انقطاع الكهرباء، بينما تُناقش باسمه قضايا الحوار والتوافق الوطني.

يجب أن يفهم السيد نبيل فهمي، أمين عام الجامعة، بأن زيارته هذه ليست الأولى بخصوص ذات الأهداف، فلقد سبقه إليها دبلوماسيون كثر ومبعوثون، ولا يُقاس نجاح الدبلوماسية بقدرتها على الوصول إلى الخرطوم، بل بقدرتها على المساهمة في تغيير الواقع خارج قاعات الاجتماعات. ولا قيمة للحديث عن إعادة بناء الدولة والإعمار إذا لم تكن حماية البنية التحتية جزءًا من أولويات إنهاء الحرب.

ليس كل عملية حوار دليلًا على اقتراب الحالة السودانية من السلام، كما أن كل اجتماع سياسي أو اجتهاد دبلوماسي لا يعني أن الحرب تراجعت خطوة. وحين تنقطع الكهرباء لا ينطفئ الضوء وحده، بل تتعطل معه تفاصيل كثيرة يتوقف عليها استمرار الحياة الطبيعية للسودانيين.

والدبلوماسية لا تُختبر في قاعات الاجتماعات وحدها، بل في قدرتها على تقليل المسافة بين القرار السياسي واحتياجات الناس، وإن السودان لا يحتاج إلى حوار يتعايش مع الحرب بقدر ما أنه يحتاج إلى مسار سياسي يغيّر شروط استمرارها.

إذا كانت الزيارة التي قام بها أمين عام الجامعة العربية ستضيف اجتماعًا جديدًا إلى سجل الاجتماعات، بينما تستمر المنشآت المدنية في التعرض للهجمات وتزداد معاناة السكان، فسيظل الفارق واسعًا بين لغة السلام وواقع الحرب. أما إذا تحولت إلى ضغط دبلوماسي منسق، وخطوات قابلة للمتابعة لحماية المدنيين والخدمات الأساسية، فيمكننا وقتها قياس قيمتها بما يتجاوز الصور والبيانات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى