د. إبراهيم شقلاوي يكتب: مسيراتهم.. وصمودنا

وجه الحقيقة
استهداف محطات الكهرباء هذا الأسبوع في عدد من الولايات يكشف انتقال الهجمات إلى استهداف مقومات الاستقرار والتعافي الذي بدأ في مظاهر الحياة. لذلك تتجاوز المسألة انقطاع التيار إلى اختبار قدرة الدولة والمواطن على الصمود وحماية البنية التحتية ، وإفشال رهانات المليشيا ،فالصمود يُقاس، بالاستعداد ، وحماية المنشآت، واستعادة كفاءتها، وتماسك الجبهة الداخلية.
يمثل استهداف محطة المرخيات التحويلية غربي أم درمان، الثلاثاء، حلقة جديدة في سلسلة الهجمات التي طالت منشآت الكهرباء في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض. وبحسب البيانات، تسبب هجوم مليشيا الدعم السريع في أضرار بالغة أخرجت المحطة عن الخدمة، وأثر في استقرار الإمداد الكهربائي بالخرطوم ومناطق أخرى. كما تعرضت محطات الحواتة والجنيد ومشكور والفاو لهجمات وأضرار طالت الشبكة القومية.
تكمن الدلالة الاستراتيجية في أن الكهرباء ليست خدمة منفصلة عن بقية مؤسسات الدولة، بل شريان تتصل به المياه والصحة والاتصالات والإنتاج. ولذلك، فإن تعطيلها يضاعف الضغط على المجتمع ويختبر قدرة المؤسسات على الاستمرار. غير أن هذه المعادلة تحمل وجهاً آخر، كلما نجحت الدولة في احتواء الأضرار واستعادة الخدمات، تراجعت قدرة الهجمات على تحقيق غايتها في إرباك الحياة العامة وإضعاف الثقة .
وتستحضر هذه التطورات مأساة الفاشر، بما شهدته من معاناة إنسانية ودمار ونزوح. ليس المقصود مساواة الوقائع أو وسائل الاستهداف، وإنما إدراك أن الحرب تترك آثارها على الإنسان والعمران ومقومات الحياة.
ومن ذاكرة الفاشر إلى استهداف المرخيات، يبرز التحدي المهم، كيف يحمي السودان مجتمعه ومؤسساته، ويمنع أن يتحول الدمار إلى وسيلة لفرض واقع سياسي أو إنهاك الإرادة الوطنية؟ إن استعادة الخدمات وحماية المدنيين ليستا خروجاً عن المعركة، بل جزء من حماية الدولة والموارد.
وفي هذا السياق، يستحق العاملون في قطاع الكهرباء تقديراً خاصاً، فالمهندسون والفنيون، يواجهون الأعطال ومخاطر العمل في ظروف معقدة، ويعملون على إصلاح الأضرار وإعادة التيار. إن كفاءتهم وخبرتهم تمثلان رصيداً وطنياً مهماً، وقدرتهـم على استعادة الخدمة تعكس أن استهداف المنشآت لا يعني شلّ المؤسسات أو تعطيل إرادة المجتمع. لكن تعزيز هذه الكفاءة يتطلب توفير المعدات وقطع الغيار والموارد ، حتى لا تتحول المعوقات اللوجستية إلى عامل يطيل زمن الإصلاح.
ومن هنا، تبرز ضرورة استعجال وزارة المالية والجهات المختصة إجراءات استجلاب المحولات من الخارج، وفق المطلوبات العاجلة التي سبق أن رفعها قطاع الكهرباء. فهذه ليست مناشدة من موقع العجز، بل مطلب يرتبط بالأمن الوطني واستمرارية المرافق الحيوية. إن توفير المحولات يرفع قدرة الفرق الفنية على الاستجابة، ويعزز جاهزية الشبكة، ويحد من فرص تكرار التعطل واتساع آثاره. فالصمود لا يعني الاكتفاء بتحمل الضربات، بل امتلاك الأدوات التي تمكّن الدولة من امتصاصها واستعادة قدرتها على العمل.
وعلى المستوى القانوني، يفرض القانون الدولي الإنساني التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر استهداف الأعيان المدنية، مع الالتزام بمبادئ التناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. ويظل توثيق الهجمات والتحقيق فيها ومساءلة المسؤولين عنها ضرورة لحماية القانون ومنع الإفلات من العقاب. أما سياسياً، فإن الدعوة إلى الحوار السوداني و السلام ومحاربة خطاب الكراهية لا تستقيم مع تجاهل أفعال المليشيا وداعميها، التي تهدد حياة المواطنين ومقومات بقائهم، فالمواقف تُقاس بما تحميه على الأرض، لا بما ترفعه من شعارات.
حماية المنشآت الحيوية مسؤولية مشتركة، فالدولة مطالبة بتأمينها، والأجهزة الأمنية بضبط التصوير والنشر في مواقع التواصل الاجتماعي ، والمواطن بالوعي والامتناع عن تداول ما يكشف مواقعها أو حجم أضرارها. وما حدث بالأمس، وظهر على وسائط التواصل الاجتماعي من تصوير لمحطة المرخيات كشف كامل المنشأة، يبرز خطورة التصوير غير المنضبط، إذ قد يمنح العدو معلومات تخدم أهدافه. لذلك، يصبح الوعي الأمني خط الدفاع الأول، وحماية المعلومات جزءاً من حماية الوطن والصمود في وجه الاستهداف.
إن هذه الحرب، بما تحمله من رهانات وأطماع، لا تُواجَه بالصمود العسكري وحده، وإنما أيضاً بوحدة الصف الوطني ، ووعي طبيعة المعركة، وتماسك الجبهة الداخلية، وحماية مؤسسات الدولة من الاستهداف والتعطيل. ودعم القوات المسلحة في معركتها، وتعزيز كفاءة المؤسسات المدنية، واستمرار العاملين في أداء واجبهم، حلقات متكاملة في معادلة وطنية واحدة.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن، مسيراتهم تستهدف المنشآت، وصمودنا يحمي الدولة ويعيد بناء ما تضرر. وبين ذاكرة الفاشر وتحدي المرخيات، تظل الرسالة أن السودان لا يواجه هذه الحرب بتعداد خسائره، بل بتوحيد إرادته، وتعزيز قدراته، وإدراك أن حماية مقومات الحياة جزء من حماية الوطن، وأن وحدة الصف هي التي تُفشل رهانات إنهاكه.
دمتم بخير وعافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026م Sudandial@gmai.com
#مسيراتهم_وصمودنا #الكهرباء_السودانية #حماية_المنشآت_الحيوية #الأمن_الوطني #صمود_الدولة #الجبهة_الداخلية #القوات_المسلحة_السودانية #أمن_المعلومات #إعادة_الإعمار #السودان



