علم الدين عمر يكتب: التراجع المثير.. أين تكمن علة الدولة؟

حاجب الدهشة
..ما الذي يحدث في أضابير حكومة الدكتور كامل إدريس بالضبط في أمر القرارات الوزارية- المؤثرة في شأن الناس والأحداث.. والمتأثرة بها.. أن تتراجع الحكومة عن قرار خاطئ ليست مشكلة في ذاتها.. فالتراجع مطلوب حين تكشف المراجعة خللاً في التقدير.. وتكون مصلحة المواطنين هي البوصلة المجردة.. لكن المشكلة أن يتحول التراجع إلى نمط متكرر في إدارة الدولة.. وأن تصدر القرارات بلهجة الحسم والقطع..ثم تنتهي إلى الإلغاء وكأن الحكومة لم تحسب حساباً لما سيترتب عليها قبل أن تعلنها!..
هذا أمر يتجاوز مصير القرارات إلى جوهر صناعة القرار.. هل الخلل في آليات اتخاذ القرار.. أم في إدارة رئيس الوزراء لملفاته.. أم في جهاز الدولة الذي يفترض أن يمد القيادة بالمعلومات والتقديرات والبدائل قبل أن تتحول الأفكار إلى قرارات نافذة؟
بالأمس.. عاد ملف إغلاق مراكز الجامعات السودانية خارج البلاد إلى الواجهة.. بعد تراجع رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس عن القرار.. المفارقة أن القرار سبقه موقف متشدد.. وصل بحسب روايات متداولة إلى مواجهة حادة مع الصحفية والأكاديمية الأستاذة بخيتة أمين حين نقلت مناشدات أولياء أمور الطلاب بإرجاء التنفيذ إلى حين توفيق الأوضاع لرئيس الوزراء الذي قالوا أنه أحتد معها..
يبقي السؤال الحتمي لماذا لم تُدرس آثار القرار وتُسمع أصوات المتضررين قبل إصدار القرار؟.. الجامعات ليست مراكز إدارية يمكن إغلاقها بقرار إنفعالي .لأنها ببساطة مستقبل طلاب.. والتزامات أسر.. وأوضاع استثنائية فرضتها الحرب وحتمها النزوح.. وكان الأولى أن تسبق القرار دراسة للبدائل وفترة انتقالية تحفظ حقوق الطلاب.. بدل الإنتظار إلي أن تظهر هذه الاعتبارات بعد أن يصبح التراجع ضرورة..
وقبل ذلك.. جاء قرار حظر استيراد السلع وما صاحبه من إعفاءات ورسوم جمركية..ثم تدخل رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإلغائه.. وازدادت المفارقة حين صدرت مواقف مؤيدة للقرار من وزراء الحكومة قبل أن تنتهي الأمور إلى اتجاه آخر..
كيف تدافع مؤسسات الدولة عن قرارتها ثم تتراجع عنها عبر مؤسسات أعلى.. من دون توضيح كافٍ لأسباب التحول؟.. وهل اكتملت دراسة الآثار الاقتصادية قبل إصدارها أم أن الحكومة اختبرت القرار في السوق والشارع.. ثم عادت لتصحيح حساباتها؟
المشكلة قد لا تكون في التراجع.. بل في الطريقة التي يُصنع بها القرار ابتداءً..
القرار الرشيد والصحيح يبدأ بجمع المعلومات.. ودراسة البدائل.. وتقدير الكلفة والعائد.. والتشاور مع الجهات المعنية.. ثم تحديد القدرة على التنفيذ.. أي تغييب لهذه المراحل (سهواً أو عمداً) يحول القرار إلى أزمة جديدة تستدعي قراراً آخر لمعالجتها..
كما أن الحكومة ليست مجموعة مكاتب تنتظر توجيهات القيادة.. الحكومة منظومة يفترض أن تتكامل فيها الخبرة الفنية والتقديرات الإجرائية كاملة..وإذا عجز الوزراء عن إبداء تحفظاتهم قبل إعلان القرارات ثم اضطروا إلى الدفاع عنها فإن الخلل يصبح مؤسسياً.. وليس مجرد خطأ..
المسؤولية السياسية تقتضي أن يوضح للرأي العام أسباب التراجع..وما إذا كان ثمرة مراجعة مؤسسية أم استجابة لضغوط طارئة.. فالفارق كبير بين قيادة تراجع قرارها بناءً على معلومات جديدة.. وأخرى لا تتضح معايير انتقالها من موقف إلى نقيضه..
الأخطر أن تكرار هذه المشاهد يضعف الثقة في القرارات المقبلة.. ويجعل المواطن والتاجر والطالب عاجزين عن بناء خططهم على سياسات مستقرة.. الدولة لن تحتمل أن يدفع المواطن ثمن القرار مرتين.. مرة عند صدوره، ومرة عند التراجع عنه..
المطلوب عدم التراجع بالطبع.. المطلوب حكومة تناقش قبل أن تقرر.. وتنسق قبل أن تعلن.. وتصارح الناس بحقيقة الأمر.. أما أن تصدر القرارات من أعلى ثم تعود إلى نقطة البداية.. فالسؤال الذي يبقى معلقاً هو.. هل نحن في مواجهة أزمة قرارات.. أم أزمة في صناعة القرار؟..
نواصل



