موسكو.. امتحان المصالح

بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد

□ يذهب السودان إلى موسكو بوزن الدولة التي تعرف أن معارك السيادة لا تنتهي عند حدود الميدان، وأن حماية القرار الوطني تحتاج، إلى جانب صلابة القوات المسلحة، دبلوماسية تعرف أين تضع أوراقها، وكيف تحوّل المواقف السياسية إلى مصالح ملموسة.

□ ترؤس رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان وفد السودان إلى القمة الروسية الإفريقية الثالثة، يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من أكتوبر، يحمل دلالة تتجاوز المشاركة البروتوكولية. فالسودان يدخل محفلاً يجمع قيادات إفريقية وروسية، في توقيت تتشابك فيه حسابات النفوذ الدولي مع قضايا الأمن والاقتصاد ومستقبل العلاقات بين الدول.

□ العلاقة مع موسكو ليست صفحة تُفتح للمرة الأولى؛ فبين البلدين تاريخ دبلوماسي يمتد سبعة عقود، ومجالات تعاون يمكن أن تتسع من الطاقة والزراعة والنقل إلى التعليم وإعادة الإعمار. غير أن قيمة التاريخ تُقاس بما يضيفه إلى الحاضر، لا بما يمنحه من شعور بالاطمئنان. وما يحتاجه السودان اليوم هو نقل رصيد العلاقات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، ومشروعات تخدم الاقتصاد، وتفتح أبواباً أوسع للتعاون المنتج.

□ وفي عالم لا تتحرك فيه الدول بدافع المجاملات، تصبح المصالح المتبادلة معياراً لاستمرار الشراكات. لذلك فإن أهمية القمة لا تكمن في صورة تجمع القادة، ولا في عبارات التأييد التي تزين البيانات الختامية، وإنما في قدرة الوفد السوداني على عرض أولويات بلاده بوضوح، واستثمار الحضور الدولي لتوسيع خيارات الدولة، وصون استقلال قرارها، وجذب ما تحتاجه مرحلة التعافي وإعادة البناء.

□ يحتاج السودان إلى علاقات خارجية لا تُدار بردود الأفعال، بل بحسابات المصالح طويلة المدى؛ علاقات تحترم سيادته ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وتتعامل معه بوصفه دولة تملك حق اختيار شركائها وتحديد أولوياتها. وفي المقابل، لا بد من وضوح سوداني في تحديد ما يريده من كل شراكة، وما يستطيع تقديمه، والضمانات التي تجعل الاتفاقات التزامات متبادلة لا وعوداً مؤجلة.

□ لكن ميزان النجاح الحقيقي لا يُقرأ في قاعات القمم وحدها. المواطن الذي ينتظر استقراراً ينعكس على معاشه وخدماته وفرص العمل، والمزارع الذي يحتاج إلى مدخلات إنتاج، والصناعة التي تبحث عن الطاقة والتمويل والأسواق، جميعهم ينتظرون أن تجد الدبلوماسية طريقها من طاولة التفاوض إلى تفاصيل الحياة. فالعلاقات الدولية التي لا تترك أثراً في الداخل تظل رصيداً سياسياً ناقص العائد.

□ موسكو فرصة لا ينبغي اختزالها في الحضور، ولا تحميلها وعوداً تسبق نتائجها. المطلوب أن يعود السودان بمكاسب محددة، وأن تُتابَع التفاهمات بآليات تنفيذ واضحة، وأن تتحول الشراكة إلى قيمة مضافة للاقتصاد وموقف مساند لسيادة الدولة في المحافل الدولية. فالدول لا تقاس بكثرة الأبواب التي تدخلها، وإنما بما تحققه من خلف تلك الأبواب.

ولهوامش السيادة كلمة

السيادة موقف تحميه القوة، وتثبته الدبلوماسية، وتمنحه المصالح المستدامة معنى عمليًا. وفي موسكو، لا يحتاج السودان إلى مقعد بين الحاضرين فحسب، بل إلى حضور يعرف ما يريد، ويفاوض على ما يستحق، ويعود بما يليق بدولة تصون قرارها وتبحث عن طريق آمن نحو الاستقرار والنهوض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى