حلاوة العودة
اعداد/ سراج الدين مصطفى

صوت الجزيرة الذي أحبته القلوب
بلال موسى.. أغنيات من طين الأرض ووجدان الناس
جذور أصيلة:
من قرية عبدالماجد بريف أبو قوتة في ولاية الجزيرة بدأت حكاية الفنان بلال موسى الذي حمل ملامح بيئته الأولى إلى عالم الغناء وتشكل وجدانه على إيقاع الطار والمدائح النبوية في مسيد الشيخ عبدالماجد حيث تفتحت موهبته وتكون إحساسه الفني متأثرا بالفنان صلاح بن البادية الذي ظل يردد أغنياته بمحبة وشغف كبيرين.
رحلة طويلة:
في سبعينيات القرن الماضي انطلقت رحلة بلال موسى الفنية متنقلا بين المناقل والقضارف وسنار وود مدني قبل أن يصل إلى الخرطوم وكانت تلك المدن محطات مهمة في تشكيل تجربته وصقل موهبته وتطوير أدواته الفنية حتى بدأ حضوره يتسع عام 1987 مستندا إلى صوت طروب وقدرة على كتابة الكلمات وصناعة الألحان القريبة من وجدان الناس.
أغنيات شهرة:
شكلت أغنية أنا راضي إحدى المحطات المهمة في مسيرته بينما أسهمت أعمال أخرى مثل صحوة ضميرك وتعالوا شوفوا الكنت راجي وتوبة توبة في ترسيخ مكانته واستعادة بريقه الجماهيري خاصة أن أغنية تعالوا شوفوا الكنت راجي أعادت تقديمه إلى جمهور واسع وأكدت قدرته على تجديد حضوره عبر أعمال تلامس المشاعر وتستجيب لذائقة المستمع السوداني.
صوت المجتمع:
استمد بلال موسى موضوعاته من العلاقات الإنسانية والمواقف اليومية وتفاصيل الحياة السودانية فكانت أغنياته قريبة من الناس وسهلة الترديد والحفظ ولم يعتمد على صوته وحده بل جمع بين كتابة النصوص والتلحين والأداء في تجربة منحت أعماله خصوصية واضحة وجعلته قادرا على تحويل المواقف البسيطة إلى حكايات غنائية تعبر عن مشاعر مشتركة بين الناس.
روح وإيمان:
احتفظ بلال موسى بجذوره الروحية التي تشكلت في طفولته داخل مسيد الشيخ عبدالماجد فامتد عطاؤه إلى المدائح النبوية والأغنيات الوطنية إلى جانب اللون العاطفي الذي عرفه به الجمهور وعرف كذلك بأخلاقه الرفيعة وتدينه الشديد وحرصه الصارم على أداء الصلوات في المسجد وهي جوانب شكلت ملامح شخصيته وعززت احترام الناس له.
عودة متجددة:
شهدت مسيرته فترات من الغياب والعودة لكن علاقته بالجمهور ظلت قابلة للتجدد مع عودة الاهتمام بأغنياته وأسهم ظهوره في برنامج أغاني وأغاني عام 2013 في إعادة تقديم تجربته إلى أجيال جديدة ومنح أعماله فرصة أخرى للانتشار مؤكدا أن الأغنية الصادقة تستطيع استعادة مكانتها متى وجدت من يعيد اكتشافها والإنصات إليها.
خصوصية فنية:
تكمن خصوصية بلال موسى في قدرته على الجمع بين عفوية الأداء وموهبة الكتابة والتلحين فقد صنع لنفسه مسارا يستند إلى الإحساس بالحياة والاقتراب من تفاصيل المجتمع ولم تكن أغنياته مجرد مساحة للطرب بل حملت صورا من العلاقات والمواقف الإنسانية التي يعرفها المستمع ويجد فيها شيئا من تجربته ومشاعره وأحلامه اليومية.
إنصاف مستحق:
تستحق تجربة بلال موسى قراءة أكثر إنصافا تتجاوز حسابات الشهرة والظهور الإعلامي إلى قيمة ما قدمه من أعمال وقدرته على التعبير عن الناس بلغتهم ومشاعرهم فهو فنان تشكلت موهبته من الأرض التي نشأ فيها ومن الروح التي لازمته ومن إصراره على مواصلة الغناء لتبقى تجربته جديرة بالتوثيق والاهتمام في ذاكرة الفن السوداني.
////////////////////
نقر الأصابع.. سراج الدين مصطفى
الخرطوم جنوب مصنع النجوم ومدرسة الإبداع
عشق مستحيل:
الكتابة عن دار الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى تشبه محاولة وصف محبوب عجز القلب عن الإحاطة بجماله فكلما اقتربت من الحكاية اكتشفت أن الكلمات أقل من مقامها وأن الذاكرة أوسع من قدرتي على التعبير عنها هنا لا أكتب عن مكان فحسب بل عن جزء عميق من روحي ووجداني.
أم مبدعة:
تنتمي دار الخرطوم جنوب إلى عوالم الجمال التي يصعب اختزالها في وصف عابر فهي مؤسسة صنعت تاريخا ورفدت الوجدان السوداني بأصوات وتجارب غيرت ملامح الأغنية وأعادت تشكيل ذائقتنا الموسيقية عبر أجيال متعاقبة وحين نتأمل حصادها ندرك أننا أمام منجم للمواهب ومصدر أصيل للدهشة والإبداع.
قيمة تاريخية :
يكفي أن نستحضر اسم محمد وردي لندرك حجم ما قدمته هذه الدار للسودان فالرجل الذي أصبح أحد أعمدة الغناء السوداني خرج من هذه البيئة التي احتضنت المواهب وصقلتها ومنحتها فرص النمو والتطور ووردي وحده شهادة كافية على عظمة المؤسسة وقدرتها على صناعة أسماء تتجاوز حدود الزمان والمكان.
قائمة مدهشة:
لكن وردي ليس وحده في هذه الرحلة فهناك مصطفى سيد أحمد ومنى الخير ورمضان زايد ورمضان حسن وإبراهيم موسى أبا ويوسف الموصلي وأحمد شاويش وعمر إحساس وعمر كوستي وزكي عبد الكريم والطيب مدثر وعبد المنعم الخالدي وغيرهم كثيرون ممن حملوا بصمات الدار إلى ذاكرة الناس ووجدانهم.
ينبوع متجدد :
تضيق المساحة عن استيعاب كل الأسماء التي خرجت من رحم الخرطوم جنوب فالقائمة أكبر من أن تحيط بها مقالة واحدة وما يبعث على الفخر أن هذه المؤسسة لم تتوقف عند أمجاد الماضي بل ظلت تقدم المواهب الجديدة وتمنح الساحة الموسيقية أسماء قادرة على التجديد وإثراء التجربة السودانية.
سر التميز :
يبقى التنفيذ الموسيقي والأوركسترالي أحد أبرز وجوه تميز دار الخرطوم جنوب فالعازفون هنا لا يقدمون مجرد أداء تقني بل يكشفون عن معرفة عميقة بالتفاصيل وحساسية عالية في التعامل مع الألحان وقدرة على منح العمل الموسيقي روحه الخاصة وهو ما يجعل تجربتهم جديرة بالإنصات والتقدير.
مهارة استثنائية :
أقولها عن قناعة إن عازفي دار الخرطوم جنوب يمتلكون مهارات نادرة تجعلهم في مقدمة المشتغلين بالتنفيذ الموسيقي في السودان فهم يجمعون بين التمكن والوعي والإحساس ويمنحون الأعمال الغنائية قيمة إضافية تتجاوز المصاحبة إلى المشاركة الحقيقية في صناعة الجمال وهذه ميزة لا تتوافر بالقدر نفسه في كل المؤسسات الموسيقية.
انتماء وجداني:
لهذا أعجز عن الكتابة عن دار الخرطوم جنوب بالمسافة التي يفرضها الحديث عن المؤسسات فالمكان يسكنني كما تسكن الأغنية ذاكرة صاحبها وهو جزء من تاريخنا الثقافي ووجداننا الجمعي وتبقى مسؤوليّتنا أن نحفظ له مكانته ونوثق تجربته ونمنح أجياله الجديدة ما تستحقه من رعاية واهتمام وتقدير.
///////////////
نص كلمة
صديق أحمد حمدون .. صوت يسكن الوجدان
صوت المهابة:
تحتفظ الإذاعة السودانية بمكانة خاصة في وجدان مستمعيها عبر أصوات ارتبطت بالذاكرة والروح والوجدان ويأتي صوت صديق أحمد حمدون في مقدمة هذه الأصوات التي تمنح اللحظة الإذاعية طابعا مختلفا بما يحمله من مهابة وجاذبية ودفء إنساني يجعل المستمع ينصت بقلبه قبل أذنيه ويستعيد تفاصيل من ذاكرة السودان الجميلة.
نداء الروح:
يطل صوت صديق أحمد حمدون يوميا عبر برنامج دراسات في القرآن الكريم فيمنح الكلمات القرآنية حضورا يليق بجلالها ويقود المستمع إلى لحظات من التأمل والسكينة وليس الأمر مجرد أداء صوتي متميز بل حالة من الخشوع تنبع من صدق النبرة وهدوئها وقدرتها على ملامسة الروح واستدعاء المعاني العميقة.
ذاكرة السودان:
وحين يرفع صديق أحمد حمدون الأذان بصوته المميز تتجلى خصوصية العلاقة بين السودانيين والأصوات التي رافقت تفاصيل حياتهم اليومية فصوته يحمل مهابة النداء وجمال الأداء وصدق الإحساس حتى بات مألوفا في البيوت والذاكرة ومثل هذه الأصوات ليست مجرد حضور إذاعي بل جزء من وجدان شعب وتاريخه الروحي.
////////////////////
كلام فى الفن
فاطمة عمر:
تتحرك الفنانة فاطمة عمر في المساحة الغنائية ذاتها التي عرفنا فيها سميرة دنيا وهي مساحة ترتبط بأعمال عثمان حسين وتستند إلى رصيده العاطفي والجمالي لكن هذا الحضور يحتاج إلى مغامرة فنية تفتح أبوابا جديدة وتمنح تجربتها ملامح خاصة بعيدا عن تكرار ما هو مألوف وتعيد تقديمها بصورة أكثر تميزا وتجديدا.
أحمد الجقر:
أرى أن أحمد الجقر يمتلك قدرة واضحة على الغناء والتمثيل معا وإذا تأملنا تجربته بعيدا عن الأحكام المسبقة سنكتشف أنه يجيد المجالين ويمنحهما حضورا مقنعا فالمسألة لا تتعلق بمجرد الانتشار الجماهيري وإنما بقدرته على التعبير والتواصل وتقديم شخصية فنية تستطيع أن تترك بصمتها في أكثر من مساحة وتستحق قراءة متأنية ومنصفة.
عصام محمد نور:
أفتقد في تجربة عصام محمد نور الأغنيات الجديدة التي كانت تمنح المستمع دهشة خاصة وتؤكد قدرته على الاختيار والأداء المميز فقد عرفناه صوتا قادرا على تقديم أعمال راسخة في الوجدان ولا أعتقد أن رصيده الإبداعي قد استنفد إمكاناته فما زال قادرا على تقديم تجارب جادة ومختلفة تعيد حضوره إلى الواجهة وتمنح جمهوره فرصة جديدة للاستمتاع بصوته المتفرد.
صلاح حاج سعيد:
التقى الشاعر صلاح حاج سعيد بالفنان محمد الأمين في أغنيتي نرجسة ومشتاق ليك وكانت تلك التجربة إضافة مهمة إلى مسيرة الغناء السوداني إذ جمعت بين الكلمة المرهفة واللحن الذي يحمل خصوصيته التعبيرية وقدمت نموذجا للتجديد القائم على التفاهم العميق بين الشاعر والملحن وقدرة كل منهما على إثراء الآخر وصناعة تجربة فنية تبقى في الوجدان.
صديق سرحان:
يظل صديق سرحان واحدا من الأصوات الجميلة التي جاءت من قلب الجزيرة حاملا خامة طروبة وإحساسا يقترب من وجدان المستمع ببساطة وصدق وتتميز أغنياته بجمال واضح يجعلها جديرة بالاستماع والتأمل وهو صوت يستحق مساحة أكبر من الحضور والاهتمام بما يملكه من إمكانات فنية تستحق الاكتشاف والتقدير وتؤكد أهمية الأصوات التي تثري وجدان المستمع السوداني.
/////////////////



