السودان يصنع الحدث على هامش القمة الروسية الافريقية
وزير الخارجية: التعاون العسكري والدفاعي بين الخرطوم وموسكو قائم ومستمر

شروط التعاون مع روسيا توفر مزايا أفضل للسودان مقارنة ببعض العروض الغربية
“الدعم الروسي يقوم على مبادئ الحرية والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”
وسائل الإعلام الروسية أصبحت أقرب إلى الجمهور الأفريقي لأنها تقدم الحقيقة
متابعات: العودة
صنع السودان الحدث من خلال مشاركته الأخيرة في القمة الروسية الافريقية الثالثة، حيث نجح الوفد السوداني بقيادة البرهان في تسليط الضوء الاكبر على الحرب في السودان والتي حاول الغرب طويلا اختزالها في أنها حرب بين جنرالين، لتنجح السردية السودانية الحقيقية اخيرا في وضع الحصان أمام العربة، وربما تشكل مشاركة السودان في الملتقى الجامع، فتحا كبيرا في مقبل الأيام، خاصة فيما يلي العلاقة الاستراتيجية مع روسيا التي تبدو أكثر انفتاحا مما مضى نحو تواجدها في قلب البحر الأحمر والاستثمار في موارد السودان.. علما بأن الإعلام الروسي منح مشاركة السودان قدرا كبيرا من الاهتمام، كلما بأن بروتوكولات زيارة الوفد السوداني الرفيع كان لافتة للنظر ابتداء من أداء الروس للسلام الجمهوري وانتهاء بالتغني بإحدى الملاحم السودانية الوطنية.
أهمية انعقاد القمة
وفي أول تعليق رسمي على المشاركة، أكد وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني، محيي الدين سالم، “أهمية انعقاد قمة “روسيا- أفريقيا” باعتبارها فرصة لطرح رؤى السودان بشأن مرحلتي التعافي وإعادة الإعمار”.. وقال سالم في حديث لـ”سبوتنيك”، على هامش أعمال القمة: “التعاون العسكري والدفاعي بين الخرطوم وموسكو قائم ومستمر، لكن السودان بحاجة إلى توسيع الشراكة لتشمل مجالات التكنولوجيا وتمويل المشروعات والاستثمار”.
مزايا افضل للسودان
وشدد على أن “شروط التعاون مع روسيا توفر مزايا أفضل للسودان مقارنة ببعض العروض الغربية”، متهمًا “شركاء غربيين، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة، بفرض إملاءات سياسية”.
وأضاف: “طرح السودان رؤاه للتعاون خلال لقاء وزراء الخارجية مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حيث نتطلع إلى تطوير الشراكة الروسية الأفريقية في إطار أجندة الاتحاد الأفريقي 2063، مع إيلاء اهتمام خاص بالزراعة والثروة الحيوانية والطاقة والمعادن والتعليم والصحة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز دور القطاع الخاص”.
الدعم الروسي ومبادئ الحرية
وحول دور روسيا والصين في التصدي للمقترح الأمريكي المتعلق بتمديد حظر توريد الأسلحة ليشمل جميع أراضي السودان، أعرب الوزير سالم عن “شكر الحكومة والشعب السوداني لموسكو على مواقفها في المحافل الدولية”، معتبرًا أن “الدعم الروسي يقوم على مبادئ الحرية والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”.
ورأى أن “هذه المواقف تمثل نقطة ارتكاز للدول الساعية إلى تعزيز الأمن والسلام والاستقرار”، متهمًا “الصهيونية وبعض الدول الغربية المتحالفة معها باستهداف شعوب العالم الثالث والسعي إلى نهب ثرواتها وإبقائها في حالة من الضعف”. وأكد “تقدير السودان لما وصفه بالنهج الإنساني الذي تتبعه روسيا والصين، ويقوم على أسس واضحة ولا يتضمن مؤامرات أو إملاءات سياسية”.
تأشيرة امريكا
وفيما يتعلق برفض الولايات المتحدة منح رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، اعتبر الوزير سالم أن “الإجراء يمثل مخالفة لاتفاقية المقر لعام 1947، وقد رفع السودان إلى الجهات المختصة في الأمم المتحدة، والملف بات مطروحًا بين المنظمة الدولية والولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة، وأن الخرطوم تنتظر ما ستسفر عنه الإجراءات”.
وأكد “انضمام السودان إلى الدول الأفريقية المطالبة بمنح القارة مقعدين دائمين كاملَي الصلاحيات، بما في ذلك حق النقض “فيتو”، مشددًا على أن “أفريقيا لا تزال القارة الوحيدة التي لا تتمتع بمقعد دائم في المجلس”.
وأكد أن “هذا الوضع غير متوازن، خصوصًا في ظل تمتع دول أخرى بحق التمثيل الدائم رغم الفوارق في المساحة وعدد السكان، فضلًا عن الاعتبارات التاريخية المرتبطة بالاستعمار”، لافتًا إلى “أحقية دول أمريكا الجنوبية في الحصول على تمثيل داخل مجلس الأمن”، مؤكدًا أن “منح أفريقيا مقعدًا دائمًا من شأنه تحقيق قدر أكبر من التوازن داخل المنظمة الدولية”.
آليات وطنية
وحول معارضة الخرطوم تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة الدولية لتقصي الحقائق في السودان، أكد الوزير سالم “رفض بلاده ما وصفه بتوظيف حقوق الإنسان لتحقيق أهداف سياسية أو استخدامها ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول”، وأضاف: “السودان يمتلك آليات وطنية، إلى جانب آليات وممثلين دوليين معنيين بحقوق الإنسان، ولا يوجد مبرر لاستمرار المساعي التي تستهدف البلاد في ظل وجود هذه الآليات”.
واتهم “بعض الأطراف الغربية بتوظيف التقارير المتعلقة بالأوضاع الإنسانية في السودان لخدمة أجندات سياسية”، مشيرًا إلى “بيان صدر عن الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول بشأن الوضع الإنساني والمجاعة في البلاد”.
كما انتقد ما وصفه بـ”ازدواجية المعايير في التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان”، مشيرًا إلى “ما يجري في غزة والسودان، وإلى الهجمات التي استهدفت محطات الكهرباء السودانية بالطائرات المسيّرة”، متسائلًا عن “الأساس الذي يجعل محطات الكهرباء، التي تخدم المواطنين، أهدافًا عسكرية، في ظل غياب الإدانة والتحقيق بشأن تلك الهجمات”.
انفتاح السودان
وأكد الوزير “انفتاح السودان على أي جهود جادة لتقصي الحقائق وفق منهجية واضحة تتماشى مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام”.
وفيما يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن مشاركة مدربين أوكرانيين في تدريب مسلحين في أفريقيا، وبشأن العثور على أسلحة أمريكية لدى قوات الدعم السريع، قال الوزير إن “السودان يمتلك أدلة مادية على تورط أجانب في الحرب”، مشيرًا إلى “القبض على بعض القناصين والمدربين الأوكرانيين ومقتل آخرين، إلى جانب ضبط أسلحة”.
كما اتهم الوزير دولًا في المنطقة بتمويل قوات الدعم السريع، قائلًا إن “السلطات السودانية تمتلك ما يؤكد هذا التورط”، محذرًا من أن “استمرار تمويل الجماعات المسلحة وتسليحها يشكل خطرًا يتجاوز حدود السودان، نظرًا إلى إمكانية انتقال هذه الجماعات وأنشطتها إلى دول أخرى، بما يهدد الأمن الإقليمي والدولي”.
تداعيات الحرب
ولفت إلى أن “تداعيات الحرب بدأت تظهر في عدد من دول الجوار، حيث تنتشر الأسلحة بين جماعات لا تخضع للقانون يسهم في تفاقم التهديدات الأمنية، فضلًا عن استخدام هذه الجماعات في تهريب المخدرات والوقود والمواد الغذائية والبضائع الأخرى، الأمر الذي يزيد الضغوط الاقتصادية ويرفع الأسعار داخل السودان”.
تضافر الجهود الدولية
وشدد على “ضرورة تضافر الجهود الدولية لدعم المؤسسات الوطنية والحد من انتشار السلاح والأنشطة غير المشروعة”، محذرًا من أن “استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى توسيع نطاق تداعيات الحرب”.
جريمة عابرة للحدود
وفي حديثه عن التقارير المتعلقة بتهريب قوات الدعم السريع الصمغ العربي واستخدام عائداته في تمويل الصراع، أكد الوزير سالم أن “تهريب الموارد الطبيعية، سواء كانت الصمغ العربي أو الذهب أو الأبقار والإبل والأغنام أو الوقود ومشتقات البترول، يمثل جريمة عابرة للحدود”.
وأوضح أن “مكافحة هذه الأنشطة لا يمكن أن تتحقق دون تعاون وتنسيق بين الدول والأجهزة المعنية، ولا سيما دول الجوار”، معتبرًا أن “الجهات التي تسهّل استقبال السلع المهربة تتحمل مسؤولية المشاركة في هذه الأنشطة”.
مجالات تطوير الشراكة
وأكد الوزير سالم أن” السودان يواصل التنسيق مع روسيا عبر آليات التعاون الثنائية، وفي مقدمتها اللجنة الوزارية المشتركة ولجنة التشاور السياسي، بهدف تحديد المجالات التي يمكن تطوير الشراكة فيها”.
وأشار إلى “مشاركة وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم في القمة، باعتباره المسؤول المعني بالملف الاقتصادي”، موضحًا أن “الخرطوم تتطلع إلى شراكة حقيقية مع موسكو تشمل التكنولوجيا والزراعة والتصنيع الزراعي والمعادن والذهب والذكاء الاصطناعي”.
وأضاف الوزير سالم: “السودان يرى فرصًا واسعة للتعاون مع روسيا بعد استقرار الأوضاع، بحيث تصبح موسكو إحدى الدول الرئيسية المشاركة في إعادة بناء البلاد، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطرق والجسور وحصاد المياه”.
واعتبر أن “الاستفادة من التكنولوجيا الروسية في تطوير القطاع الزراعي يمكن أن تحدث تحولًا كبيرًا في حياة المواطنين وتسهم في الحد من الفقر بالمناطق المتضررة”، مجددًا تأكيده أن “شروط التعاقد مع روسيا تُعد، من وجهة نظر السودان، الأفضل بين العروض المقدمة إليه”.
وفيما يتعلق بإمكانية تنفيذ مشروعات مشتركة، من بينها منشأة للدعم اللوجستي للبحرية الروسية في بورتسودان، تناول الوزير سالم إطار التعاون الثنائي القائم والمجالات الاقتصادية التي يتطلع السودان إلى تطويرها مع روسيا، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن المشروع المذكور أو جدوله التنفيذي.
وفي قطاع الزراعة والأمن الغذائي، تحدث الوزير سالم عن دور روسيا في تزويد السودان بالقمح، مشيرًا إلى أن “الشراكة بين البلدين تمتد تاريخيًا إلى إنشاء صوامع للحبوب في بورتسودان والقضارف”، وأوضح أن “اتساع مساحة السودان وتباعد مناطقه الزراعية يفرضان الحاجة إلى تطوير أنظمة تخزين المحاصيل وإعادة توزيعها، بحيث يمكن نقل الفائض من المناطق المنتجة إلى المناطق التي تعاني نقصًا في الغذاء”.
وأكد “أهمية الاستفادة من الخبرات الروسية في زيادة إنتاجية القمح، خاصة انخفاض إنتاجية الفدان في السودان مقارنة بروسيا”، ومشيرًا إلى “حاجة بلاده إلى تطوير وسائل إنتاج زراعي لا تضر بصحة الإنسان، والتوسع في الإنتاج العضوي”.
واوضح الوزير سالم أن “الثروة الحيوانية تمثل مجالًا آخر يمكن أن يسهم فيه التعاون الروسي، إلى جانب النقل والسكك الحديدية”، مستشهدًا بـ”كفاءة القاطرات الروسية التي سبق استخدامها في السودان”، مشددًا على أن “التعاون الزراعي لا ينبغي أن يقتصر على الإنتاج، بل يجب أن يشمل التصنيع الزراعي وتصنيع الأغذية وتطوير منظومة النقل والتخزين، باعتبارها عناصر أساسية لدعم الأمن الغذائي خلال مرحلتي التعافي وإعادة الإعمار”.
وفي قطاع الطاقة، استعرض الوزير سالم جوانب من التعاون التاريخي بين السودان وروسيا، مشيرًا إلى “مساهمة روسيا في فترات سابقة في إنشاء مصانع للسكر ومنشآت مرتبطة بنهري عطبرة والنيل الأزرق، إلى جانب الخزانات.”
وأكد أن “الطاقة الكهرومائية تمثل خيارًا مهمًا للسودان، نظرًا إلى انخفاض تكلفتها ونظافتها، ناهيك عن أهمية تطوير الطاقة الشمسية والاستفادة من التقنيات الروسية في قطاعي النفط والغاز”، وأوضح أن “السودان دخل في تعاون مع الصين في هذه المجالات، لكنه يتطلع إلى منافسة إيجابية بين القوى الاقتصادية الكبرى على أرضه، بما يحقق مصالحه ويتيح له الاستفادة من الخبرات والتقنيات المختلفة”.
ما بين روسيا والصين
وأكد الوزير سالم أن “التجربة الروسية تختلف عن التجربة الصينية، وأن المنافسة بين البلدين في مجالات النفط والغاز والطاقة المتجددة يمكن أن تفتح فرصًا جديدة أمام السودان”، مؤكدًا أن “الخرطوم تمتلك مشروعات تسعى إلى طرحها على الجانب الروسي لتطوير شراكات تقوم على مبدأ “رابح-رابح”، بحيث يستفيد جميع الأطراف، بما في ذلك الشركات الخاصة”.
وأكد الوزير سالم “تزايد الاهتمام الأفريقي بوكالة “سبوتنيك” ووسائل الإعلام الروسية”، معتبرًا أن “ذلك يرتبط بتضرر قطاعات من الجمهور الأفريقي بانحياز وسائل الإعلام الغربية وتسييس تغطيتها للأحداث في القارة”.
وقال: “وسائل الإعلام الروسية أصبحت أقرب إلى الجمهور الأفريقي لأنها تقدم الحقيقة، ورغبة الناس في الاطلاع على المعلومات تدفعهم إلى البحث عن مصادر إعلامية بديلة”.
ودعا “سبوتنيك” إلى توسيع حضورها وانتشارها في أفريقيا، بهدف تقديم صورة لما يجري على أرض الواقع”، معتبرًا أن “المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية أخلاقية في مواكبة الشراكات الروسية الأفريقية وتعريف الجمهور بها”.
وأشار الوزير سالم إلى أن “انعقاد قمة روسيا- أفريقيا للمرة الثالثة، بعد دورتي سوتشي وسان بطرسبورغ، يستدعي وجود تغطية إعلامية تواكب تطور العلاقات بين الجانبين”، مؤكدًا أن “الإنسان الأفريقي ينبغي أن يكون المستفيد الأول من هذه الشراكات”.
/////////////////



