التورط الإثيوبي.. فوضى المسيرات وعدوان المليشيات

تصعيد إثيوبي خطير ينقل الصراعات إلى مستويات غير مسبوقة

اللواء أمين مجذوب: إطلاق المسيرات من إثيوبيا يعد إعلان حرب

عمار عركي: التواطؤ الإثيوبي يطيل أمد الحرب ويدمر الاستقرار

محلل سياسي: الانحياز السافر للمليشيا يسقط شرعية الوساطة الإثيوبية

خبير استراتيجي: المنظومة الدفاعية السودانية تتطلب تطويراً يواجه المسيرات

الأزمات الداخلية لإثيوبيا تدفعها نحو الهاوية والتشظي

تقرير: رمضان محجوب

كشف خبراء ومحللون عن تداعيات بالغة الخطورة جراء التورط الإثيوبي المباشر في الشأن السوداني ودعم ميليشيا الدعم السريع عبر إطلاق المسيّرات من الأراضي الإثيوبية. وأكد اللواء د. أمين إسماعيل مجذوب والمحلل السياسي عمار عركي في إفادات خاصة لصحيفة “العودة”، أن هذا التصعيد يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ حسن الجوار وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وأوضح الخبيران أن الانحياز الإثيوبي السافر لمليشيا الدعم السريع يفتح الباب أمام صراعات إقليمية واسعة، مما يفرض على الدولة السودانية إعادة صياغة استراتيجيتها للأمن القومي للتعامل بحزم مع هذه التهديدات المباشرة وحماية سيادة البلاد واستقرارها الإقليمي بكفاءة تامة.

▪️ خرق قواعد الجوار

في قراءته لمدى ضرب التورط الإثيوبي المباشر لعقيدة حسن الجوار والمواثيق الدولية، يستهل اللواء د. أمين إسماعيل مجذوب، مدير إدارة الأزمات والتفاوض بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، حديثه للعودة بالتأكيد على أن عرى الروابط السودانية الإثيوبية ضاربة في عمق التاريخ بين الشعبين على المسارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر مختلف العصور. ويلفت مجذوب الانتباه إلى أن التدخل الأخير وما رافقه من إطلاق طائرات مسيرة وإيواء للميليشيات يخلف تصدعات وجروحاً نازفة في جسد هذه العلاقة، فضلاً عن إلحاقه أضراراً بالغة بالتواصل الشعبي وحركة الهجرات والمصاهرات والتجارة البينية الحدودية والمنافع التي طالما رفدت الخزينة الإثيوبية بالعملات الصعبة وأتاحت فرص العمل لرعاياها في الأسواق والمشاريع الزراعية السودانية. وفي الاتجاه ذاته، يرى المحلل السياسي وخبير شؤون القرن الإفريقي عمار عركي في إفادته للعودة أن ما تقترفه أديس أبابا من تورط سافر في الأزمة يعكس سقطة فريدة وانتهاكاً فجاً لمبدأ حسن الجوار وخرقاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يجرّم استخدام القوة ضد سيادة الدول ووحدة أراضيها. ويشدد عركي على أن روابط الجوار والدول المتخامة لا تُقاس بالكلمات الدبلوماسية المنمقة بل بصون الحدود والوفاء بالعهود، منبهاً إلى أن تحويل أراضي دولة مجاورة لمنصة استهداف توجّه طعنات للأمن القومي السوداني يشكل انتقالاً كارثياً من النزاع السياسي المعتاد إلى فعل عدائي ينسف القواعد الناظمة للمجتمع الدولي.

▪️ أجندات التفكيك الإقليمي

وفي سياق متصل عما إذا كان هذا التواطؤ يمثل مظلة خفية لتمرير مخططات التفكيك الإقليمي، يؤكد الخبير عمار عركي في إفادته للعودة أن الأزمة أثبتت تجاوزها التام للحدود السودانية لتبتلع المنطقة برمتها، اعتباراً من كون السودان يمثل العقدة الاستراتيجية الرابطة بين القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر. ويؤكد عركي أن تقديم الإسناد العسكري لتخريب مؤسسات الدولة السودانية ومرافقها الأساسية يفضي حتماً إلى إطالة أمد الاقتتال وتوسيع دائرته وخلق وقائع ديموغرافية وجغرافية قسرية على الأرض، ما يحتم فهم هذه التحركات الإثيوبية ضمن صراع النفوذ الإقليمي المحتدم ومشاريع إعادة هندسة الخريطة الجيوسياسية. من جانبه، يدلي اللواء د. أمين إسماعيل مجذوب برؤيته للعودة مؤكداً أن التقاطعات السياسية والتدخلات الإقليمية المشبوهة دفعت القيادة الإثيوبية للتورط المتهور دون اعتبار لحق الجوار أو ثمن هذه السياسات على المدى القريب. وينبه مجذوب إلى اندماج أديس أبابا في أجندات قوى دولية تستهدف تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير وتقسيم دول المنطقة وجنوب الصحراء إلى كانتونات عرقية وجهوية ودينية متناحرة. ويحذر اللواء من أن تورط دولة حبيسة فقدت موانئها في عصب ومصوع بعد انفصال إرتريا في محاولات تفكيك القرن الإفريقي سيرتد حتماً على جبهتها الداخلية ويفاقم مأساتها مع المجاعات والانقسامات.

▪️ المسؤولية القانونية الدولية

وعند التطرق للتبعات القانونية المترتبة على تصنيف أديس أبابا كدولة راعية للإرهاب العابر للحدود، يستهل اللواء د. أمين إسماعيل مجذوب حديثه للعودة بالإشارة إلى حيازة السودان لكافة الأسانيد والمستندات القانونية القادرة على مقاضاة إثيوبيا ومساءلتها والمطالبة بالتعويض أمام الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيغاد ومجلس الأمن الدولي. ويثبت مجذوب أن الخرطوم سددت براهين دامغة تدين أديس أبابا بتأسيس معسكرات تدريب واحتضان مرتزقة وتأمين نقلهم جوياً من إقليم دارفور وشتى بقاع العالم لإسناد المليشيا المتمردة. ويقرر اللواء أنه بمعزل عن المسار الدبلوماسي يظل من حق السودان الأصيل اللجوء إلى خيارات الردع الخشنة لصون أمنه ومنع ترسيخ سابقة إفريقية خطيرة تبيح الانتهاكات والتنصل من المسؤوليات. وفي مسار قانوني متصل، يوضح عمار عركي في تصريحاته للعودة المساءلة القانونية المباشرة لإثيوبيا عن مغبة تسخير أراضيها لشن أعمال عدائية ضد السودان وإمداد المتمردين بكل أشكال الدعم اللوجستي. ويلفت عركي إلى أن ترتيب السودان لملف شكواه وتكييفها الحقوقي وفق القوانين المرعية يخلق أساساً صلباً لعدالة دولية تلزم المعتدي بجبر الضرر والتعويض المادي والمعنوي. ويخلص إلى أن الاكتفاء بالوسم السياسي لأديس أبابا بالإرهاب لا يكفي، ما لم يتكئ على ملف فني وموثق بالأدلة المادية التي تربط الأفعال الإجرامية بمؤسسات الحكم الإثيوبي بصورة رسمية.

▪️ تقويض دور الوساطة

وعلى صعيد انهيار الشرعية الإقليمية لدور أديس أبابا عقب انحيازها السافر للمليشيا، يبتدر المحلل السياسي عمار عركي حديثه للعودة بالتقرير بأن الأدوار القيادية والوساطات في الإقليم لا توهب استناداً إلى الخرائط الجغرافية والطموحات الفردية، بل تنتزع باحترام سيادة الدول والحرص الصادق على استقرارها. ويؤكد عركي أن تورط أديس أبابا في هندسة وتسهيل العمليات ضد العمق السوداني يمرغ مصداقيتها في التراب، ويهدم أي رصيد للثقة في أية مبادرات سلام تقودها مستقبلاً، فمن غير المعقول أن ترتدي دولة لباس الوسيط الناصح وهي تفرش أرضها لقواعد انطلاق العدوان على جارتها. وفي التوجه ذاته، يبرز طرح اللواء د. أمين مجذوب للعودة ليؤكد أن هذا السلوك الإثيوبي المتمثل في دعم المليشيا يجرد النظام الحاكم من أي صفة تمثيلية إقليمية أو دبلوماسية مقبولة، ويسلبه رصيداً تاريخياً ناصعاً عندما كانت عاصمته مقراً للاتحاد الإفريقي ومحطة وفاق للقارة. وينتقد مجذوب تنكر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لإرث الزعماء السابقين الذين نالوا تقدير إفريقيا، محذراً من أن هذا الخرق لسد النهضة والاتفاقيات المائية وقطع جسور الود سيلقي بأديس أبابا في غياهب عزلة تامة تقضي على دورها التاريخي المفترض.

▪️ طبيعة العدوان الجوي

وعن التكييف الموضوعي للاختراقات الجوية الإثيوبية باعتبارها حرباً غير مباشرة ضد السودان، يبين اللواء أمين إسماعيل مجذوب في حديثه للعودة أن خرق الأجواء وتعبئة المرتزقة وإطلاق المسيّرات، بغض النظر عن الواجهة المنفذة سواء أكانت للمليشيا أو لمرتزقة أو بسلاح الجو الإثيوبي المباشر، يمثل إعلان حرب سافراً. ويحذر مجذوب من أن محاولات أديس أبابا استدراج السودان لحرب إقليمية لتخفيف الضغط عن ربيبتها المليشيا سترتد دماراً ماحقاً على الداخل الإثيوبي؛ لأن أي نزاع واسع سيجر قوى حليفة للخرطوم ويجعل البنى التحتية الإثيوبية عرضة للمحو الشامل. ومن منظور موازٍ، يرى عمار عركي في إفادته للعودة أن النزيف الجوي والانتهاك المتكرر للسيادة يشكلان عدواناً غاشماً، غير أن توظيف الأراضي الإثيوبية كقواعد انطلاق لضرب المرافق الحيوية في السودان يمثل ارتقاءً خطيراً في مستوى استخدام القوة خارج القانون الدولي. ويتحفظ عركي على التسرع في إطلاق مسلمة إعلان الحرب الصريح قانونياً، مع الإصرار على رفض التعامل مع الجريمة كخروقات حدودية عابرة، باعتبارها تهديداً مصيرياً للأمن القومي يبيح للدولة اتخاذ ما يلزم من تدابير حاسمة للذود عن سيادتها.

▪️ فوضى حرب المسيّرات

وفيما يتعلق بتكثيف استخدام المسيّرات لأجل هندسة تغييرات ديموغرافية وجغرافية، يفتتح عمار عركي طرحه للعودة بتسليط الضوء على خطورة التطور التقني لمسيرات القتال في معارك العصر، باعتبارها أدوات خبيثة لتعديل موازين الميدان والسطوة الاستراتيجية بلا مواجهات برية مكلفة. ويلفت عركي إلى أن قصف محطات المياه والكهرباء والأعيان المدنية لا يستهدف الجانب المادي فحسب، بل يتوخى شل شرايين الحياة، وتهجير السكان قسراً، وتثبيت وقائع ديموغرافية جديدة بالمنطقة متى تداعت مع غطاء سياسي داخلي متواطئ. وتأكيداً لهذا البعد، يحذر اللواء د. أمين مجذوب عبر حديثه للعودة من أن خطورة هذه الطائرات تكمن في مسعى أديس أبابا الخبيث لتأسيس سابقة قذرة تشرعن فوضى المسيرات وتتيح التحلل من المسؤولية بذرائع واهية تتعلق بمصادر الإطلاق. ويضيف اللواء أن هذا التكتل التخريبي يستهدف هدم التركيبة السكانية واستقرار الشريط الشرقي للسودان، ما يضاعف المأساة الإنسانية للمدنيين، مطالباً المجتمع الدولي باليقظة والتخلي عن صمته المريب ومحاسبة الأطراف المتورطة بصرامة.

▪️ تحديث الأمن القومي

وحول مدى فرض هذه العدوانية لإعادة صياغة شاملة لمنظومة الأمن القومي، يستهل اللواء أمين مجذوب إفادته للعودة بالإقرار الجازم بأن التهديدات الإثيوبية والوضع الحدودي الملتهب يوجبان تعديلاً هيكلياً وفورياً في استراتيجيات الدفاع الوطني. ويوضح مجذوب أن القراءة الاستراتيجية الدقيقة لموازين القوى والضعف والفرص تحتم التعامل مع إثيوبيا كمهدد ماثل، مما يستوجب من القوات المسلحة تقييم قدرات الرد، وترميم الثغرات الحدودية، وبناء عقيدة دفاعية مرنة تتناسب مع حقيقة تجاور السودان لخمس دول أربع منها حبيسة، صوناً للمرافق الحيوية ومنعاً لاستنزاف مقدرات البلاد. وفي سياق متصل، يلتقي هذا التصور مع رؤية عمار عركي الذي أكد للعودة أن الأمن القومي تخطى قواعد حراسة الحدود التقليدية ليشمل المجال الجوي، ومنظومات الإنذار المبكر، وامتلاك دروع مضادة للمسيرات، وتحصين الاقتصاد الاستراتيجي. وينادي عركي بضرورة القفز الفوري من مربع رد الفعل المتردد إلى فلسفة العمل الاستباقي المدمج لقدرات العسكر والأمن والدبلوماسية والتقانة، مع إبقاء خيارات التعامل الميداني مفتوحة لدرء أي تفاجؤ استراتيجي.

▪️ كلفة التورط الداخلي

وحول فاتورة الانغماس الإثيوبي في تخريب استقرار جيرانه على وقع هشاشته الداخلية، يبدأ اللواء أمين مجذوب حديثه للعودة بالتحذير من أن نظام أديس أبابا سيجرع كأساً مريرة جزاء تورطه الأعمى في الشأن السوداني، مؤكداً أن ارتدادات هذه السياسات بدأت تهز أركان الداخل الإثيوبي بعنف. ويستشهد مجذوب بتأجج الصراعات المسلحة بين السلطة المركزية وإقليم تغراي، وتفجر جبهات القتال الميداني بمشاركة أكثر من سبع قوميات عرقية ترفض هيمنة الجيش الفيدرالي وحزب الازدهار. وينذر اللواء بأن هذا المخاض سيفجر موجات لجوء عارم، وخرقاً أمنياً وتجنيداً عابراً للحدود، وأزمات معيشية وسياسية خانقة، مما ينذر بتداعي أديس أبابا وتحللها كدولة متجبرة تفككت من الداخل. وعلى ذات المنوال التحليلي، يؤكد عمار عركي للعودة تفاقم الأزمات البنيوية والانقسامات الإثنية في العمق الإثيوبي بين المركز والأقاليم المتمردة. ويشير عركي إلى أن فتح جبهة عداء مجانية مع السودان يضاعف الأعباء العسكرية والاقتصادية المنهكة أصلاً، ويهدم حركة التجارة والتكامل الإقليمي، مشدداً على أن الهروب بتصدير الأزمات إلى الخارج لن يطفئ الحرائق الداخلية بل سيعجل بانهيار الدولة وانفجار محيطها الإفريقي.

▪️ الهروب نحو التصعيد

تقييماً لخيار الهروب الإثيوبي إلى الأمام هرباً من الأزمات الداخلية المستعرة نحو التصعيد الخارجي، يجزم اللواء د. أمين إسماعيل مجذوب في حديثه للعودة بالنفي القاطع لنجاعة صناعة الأعداء الخارجيين لرتق الجبهة الداخلية المنهكة بصراعات الأورومو والتغراي وقوميات الأطراف. ويؤكد مجذوب أن السودان، ورغم خطوة إغلاق القنصليات المتبادلة في أصوصا والقضارف وما صاحبها من تصعيد دبلوماسي، يظل قادراً على حفظ مصالحه وحسم الرد في توقيته المناسب، متوقعاً حتمية ارتداد المخطط الإثيوبي عذاباً وعزلة دولية وتفككاً شاملاً لنظام أدمن العداء لجيرانه. وبدوره، يختتم الخبير السياسي عمار عركي إفادته للعودة بالتأكيد على أن لجوء أديس أبابا للمغامرات الخارجية يجسد هروباً مفضوحاً من جحيم الأزمات البنيوية المتأصلة في تاريخها السياسي. وينبه عركي إلى أن محاولات القيادة الحالية ترحيل الضغوط عبر بوابة النفوذ الإقليمي المزعوم لن تفضي سوى إلى توسيع بقعة الفوضى وإلحاق الخراب بكيان الدولة الإثيوبية نفسها، فضلاً عن تهديد استقرار البحر الأحمر وطرق الملاحة الدولية التي يمثل السودان صمام أمانها الاستراتيجي الأول.

//////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى