حلاوة العودة

اعداد/ سراج الدين مصطفى

رحلة العقل من السؤال إلى المعرفة

غسان علي عثمان .. صوت سوداني في معركة الأفكار

البحث والكتابة:

غسان علي عثمان واحد من الأصوات السودانية التي اختارت أن تجعل التفكير عملا يوميا لا زينة ثقافية. جمع بين البحث والكتابة والإعلام واشتغل على أسئلة الهوية والسلطة والتراث وتكوين المجتمع. ومن خلال هذا المسار بنى حضورا لافتا مستندا إلى قراءة واسعة ورغبة دائمة في مساءلة الأفكار السائدة وإعادة النظر فيها.

بدايات واعية:

لم يتشكل حضوره من الظهور الإعلامي وحده بل سبقته عناية بالدرس والبحث والنقد. اتجه إلى الفلسفة والدراسات الاجتماعية وقرأ التجربة السودانية في صلتها بأسئلة الفكر العربي الحديث. ثم أخذت كتاباته تتسع من معالجة النصوص إلى تفكيك البنى التي تصنع الوعي وتوجه المجتمع والسياسة وتؤثر في مساراتهما المختلفة.

مسار مهني:

تنقل غسان بين العمل الثقافي والتحرير والإنتاج التلفزيوني وتولى رئاسة تحرير مجلات ثقافية كما أدار مشروع المئة كتاب في الثقافة السودانية. وقدم برنامج الوراق على قناة سودانية أربعة وعشرين فحول الحوار التلفزيوني إلى مساحة للكتاب والمفكرين والأسئلة المعرفية ووصل بالنقاش إلى جمهور أوسع من المهتمين بالثقافة.

مشروع نقدي:

تتضح ملامح مشروعه في مؤلفاته التي تناولت الهوية السودانية وعنف النخبة ومعنى السيرة ونقد العقل العربي. ومن كتبه ديكور العويل والهوية السودانية تفكيك المقولات الفاسدة والسودان عنف النخبة. وهي عناوين تكشف اهتماما بتعرية المسلمات والبحث في الجذور التاريخية والاجتماعية للأفكار والمواقف وتحليل أسباب اختلالات الواقع السوداني.

منهج تحليلي:

لا يقف عند وصف الظواهر أو إطلاق الأحكام بل يحاول رد الأفكار إلى سياقاتها وشروط إنتاجها. ويستفيد من الفلسفة وعلم الاجتماع والنقد ويقارن بين النماذج ويصل الجزئيات بالبنى الكبرى. هذه القدرة على الربط تمنح قراءته اتساعا وتجعل السؤال لديه بداية للبحث لا خاتمة للنقاش وتفتح أمام القارئ مسارات جديدة للفهم.

حوار المعرفة:

شكلت قراءته لمشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي محطة مهمة في اهتمامه بالفكر. فهو يتعامل مع التراث بوصفه مجالا للفحص وإعادة القراءة لا مخزونا مغلقا من الإجابات. ومن هنا يلتقي عنده سؤال الماضي بأسئلة النهضة والحداثة وبحاجة المجتمع إلى أدوات تفكير أكثر مرونة وعمقا وقدرة على النقد.

صعود مبكر:

ساعد تنوع أدواته ووضوح موضوعاته وحضوره عبر الشاشة والكتاب على اتساع دائرة متابعيه. كما أن اختياره قضايا تمس بنية الأزمة السودانية منح خطابه صلة مباشرة بالواقع. ووصفه بالمفكر لا يستند إلى صغر السن أو سرعة الشهرة بل إلى مشروع يتراكم ويقبل النقاش والاختبار والمراجعة ويقدم إضافات حقيقية للمشهد الثقافي.

أفق عالمي:

تصدير النموذج الفكري السوداني لا يتحقق بتقديم صاحبه بوصفه صوتا محليا فحسب بل بترجمة أعماله وإتاحتها ونشر أبحاثه في المنابر الدولية وبناء حوار مع مدارس معرفية مختلفة. وتكمن قيمة تجربة غسان في قدرتها على وصل السؤال السوداني بالإنساني وفتح المجال أمام جيل يثق بالعقل والنقد والحوار وإنتاج المعرفة.
////////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى

الدوش .. قائد التمرد الحقيقي فى الشعر

ما بعد خليل :

في مسار الأغنية السودانية تظل تجربة خليل فرح علامة مبكرة في توظيف الرمز والإيحاء وتجاوز المباشرة وقد جاءت أجيال لاحقة لتوسع هذه المساحة وتمنحها أسئلة جديدة وكان عمر الطيب الدوش واحدا من أبرز الذين نقلوا القصيدة الغنائية إلى منطقة أكثر رحابة وجرأة وعمقا في التعبير عن الإنسان وتحولاته بهدوء فني.

رؤية مختلفة :

لم يكن الدوش يكتب كلمات تزين اللحن أو تشرح عاطفة جاهزة بل كان يبني عالما شعريا تتجاور فيه الصورة والذاكرة والقلق وتترك للمتلقي فرصة المشاركة في اكتشاف المعنى ومن هنا بدت قصيدته مختلفة عن السائد إذ لا تقدم حكايتها كاملة ولا تسلم مفاتيحها من القراءة الأولى بل تدعو إلى التأمل.

لقاء الود :

وحين التقى شعره بصوت محمد وردي في أغنية الود حدث ذلك الانعطاف الذي كسر كثيرا من الأطر المألوفة في كتابة الأغنية بكل وضوح لم تكن المفردة وحدها مصدر التجديد بل طريقة بناء الصورة وتحرير العاطفة من العبارة المستهلكة وصناعة نص يحتمل أكثر من قراءة ويمنح اللحن فضاء واسعا للحركة والتأويل.

كسر المألوف :

في الود لم تعد الأغنية مجرد خطاب مباشر بين عاشقين بل صارت تجربة إنسانية مفتوحة تتداخل فيها المشاعر والأسئلة وتتحرك الصور خارج حدود الوصف التقليدي وقد وجد وردي في النص مادة تستفز قدرته على التلحين والأداء فالتقت جرأة الكلمة مع حس موسيقي يعرف كيف يحتضن الغموض دون أن يبدد حرارة العاطفة.

تجارب متجددة :

ثم جاءت يناديها والحزن القديم والساقية لتؤكد أن الأمر لم يكن مصادفة أو نجاحا مرتبطا بلقاء فني واحد ففي هذه الأعمال تتبدى ملامح مشروع شعري له لغته وإيقاعه ومجازاته ويختبر قدرة الأغنية على حمل المعنى المركب دون أن تفقد صلتها بالوجدان الشعبي أو تنفصل عن أذن المستمع بصورة واضحة.

حس درامي :

كان الدوش يستثمر دراسته للدراما في بناء المشهد وتوزيع الأصوات وصناعة التوتر داخل النص فقصيدته لا تتحرك دائما في خط واحد بل تتقدم عبر صور ومواقف وإشارات تضيء بعضها بعضا وهذه الحساسية المسرحية منحت الأغنية بعدا تمثيليا وجعلت الكلمة قابلة لأن ترى وتسمع وأن تعيش في خيال المتلقي على نحو خاص.

أفق جديد :

ومن المهم أن تجديد الدوش لم يكن قطيعة مع التراث ولا استعراضا لغويا مغلقا بل محاولة لتوسيع أدوات التعبير داخل الأغنية السودانية لقد فتح ممرا أمام شعراء جدد كي يثقوا بالصورة والرمز ويبتعدوا عن الوصف الجاهز مع الاحتفاظ بحرارة التجربة وصدقها وبقدرة النص على ملامسة الناس والتجريب والبحث المستمر.

قيمة التجديد :

لهذا يستحق عمر الطيب الدوش أن يقرأ بوصفه حلقة أساسية في تطور القصيدة الغنائية لا مجرد شاعر صاحب نصوص شهيرة فقد منح الأغنية لغة أكثر اتساعا وأعاد الاعتبار إلى الخيال بوصفه أداة معرفة وتعبير وما زال أثر تجربته حاضرا كلما بحث الشعراء عن طريق جديد لقول ما يصعب قوله حتى اليوم.
//////////////////
نص كلمة

تسابيح مبارك .. الثمن مدفوع لو بعد حين !!

حسابات التاريخ:

قد لا تدرك تسابيح مبارك اليوم دلالة الموقع الذي اختارته في خضم هذا المنعطف الوطني لكن الأيام كفيلة بكشف ما قد تغيب عنه الحسابات الآنية فالتاريخ لا يقرأ المواقف بمعزل عن سياقها ولا يمنح أصحابها فرصة دائمة لإعادة ترتيب مواقعهم بعد انقضاء اللحظة ومهما طال الصمت تبدلت الروايات لاحقا للجميع.

اختبار المواقف:

الموقف الوطني ليس شعارا يرفع عند الحاجة ولا مساحة للمناورة وفق موازين القوة والمصلحة بل هو انحياز واضح لما يحفظ البلاد وكرامة أهلها ويصون مستقبلهم وحين يختار المرء الجهة التي يقف معها فإنه يضع اسمه أيضا في سجل مرحلة ستظل أسئلتها حاضرة أمام الجميع ولا تسقط المسؤولية بتغير المواقع والأعذار.

ثمن الاختيار:

ولكل موقف ثمنه وقد يكون الثمن أكبر مما يتوقع صاحبه حين تتبدل الظروف وتتضح النتائج لذلك فإن مراجعة الخيارات تظل شجاعة مطلوبة وليست تراجعا عن قناعة فالتاريخ لا يجامل أحدا والذاكرة الوطنية تحتفظ بما يقال ويفعل وتزن المواقف بما قدمته للناس والوطن والاعتراف بالخطأ قد يفتح بابا للتصحيح أمام الناس.
///////////////////////
كلام فى الفن

نادر خضر:

أهم ما يميز تجربة نادر خضر لم يكن صوته الجميل ولا عذوبة أدائه وحدهما بل ذلك الالتزام الأخلاقي الذي صاحب مسيرته وجعله قريبا من مجتمعه ومعبرا عن همومه فقد تعامل مع الفن باعتباره مسؤولية ورسالة ولم يفصل حضوره الإبداعي عن واجبه الإنساني تجاه الناس والحياة في مختلف مراحل حياته الفنية.

سامية عبدالله:

تظل سامية عبدالله واحدة من أفضل النماذج الدرامية التي امتلكت حضورا واسعا وقدرة على الوصول إلى وجدان الجمهور فهي لا تعتمد على الأداء وحده بل تمنح الشخصيات روحا وملامح مقنعة وتترك تأثيرا واضحا في المشهد الدرامي بما تملكه من خبرة وموهبة وحس إنساني عبر أدوار متنوعة ومراحل فنية متلاحقة ومختلفة.

جلال حامد:

ليست القضية في قدرات الدكتور جلال حامد التمثيلية وحدها فهذه مسألة يمكن أن يختلف حولها التقييم والنقد وإنما في موقفه القوي حين قرر إنتاج عمل درامي باهظ التكلفة من ماله الخاص وهي خطوة تستحق التقدير لأنها تعكس إيمانا بالفن واستعدادا لتحمل مسؤولية دعمه عمليا وسط حاجة الدراما إلى مبادرات جادة.

مصطفى سند:

لم يكتب مصطفى سند عددا كبيرا من الأغنيات فقد كان أقرب إلى الكتابة بالفصحى وأكثر ميلا إلى عوالمها الشعرية لكن قيمة تجربته لا تقاس بغزارة الإنتاج وحدها فبعض النصوص القليلة تملك قدرة على البقاء والتجدد وتؤكد أن الجودة قد تختصر مسافات طويلة من الكثرة في ذاكرة الأغنية السودانية ووجدان مستمعيها.

ندى القلعة:

إذا قللت ندى القلعة من تصريحاتها المتسرعة ووجهت اهتمامها إلى تجربتها الفنية وما يمكن أن تضيفه إليها فسيكون ذلك أفضل لها وللجمهور أيضا فالفنانة تملك حضورا وتجربة تستحقان النقاش والتقييم والعمل على تطويرهما بعيدا عن الضجيج الذي قد يحجب قيمة ما تقدمه وتمنح أعمالها مساحة أوسع للحديث عنها بإنصاف وهدوء.
////////////

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى