الطاهر يونس يكتب: الخرطوم.. خربشات على جدار العودة

لا أدري وأنا في قلب الخرطوم كيف تستغرقني لحظات ينفتح فيها اللا شعور على ماضٍ قريب فتستيقظ الذاكرة وتفوح الذكريات من كل شيء حولك ،من الطرقات التي كنت تسلكها بكامل طمأنينتك والمحال التي كانت تزخر بالوفرة، وأماكن الترفيه التي ربما لا ترضي كل الأذواق لكنها كانت نافذة مفتوحة للترويح ومتنفساً للحياة.

وفي ذروة تجوالي تطوف بالخاطر بلا استئذان كلمات اللواء عوض مالك طيب الله ثراه وهي تتسلل ندية عبر حنجرة مصطفى سيد أحمد:

إذا عادت بنا الأيام للماضي

كتبت على ثواني العمر شعراً لا يدانيه

غناء الطير وهمس الماء

ووشوشة الضياء فيه.

وهل تعود بنا الأيام إلا على رقة وعذوبة هذه الكلمات المجنحة؟

ربما أجمل ما في تجوال الخرطوم أنه يمنحك هذه المساحة من بقايا العمر لتتنفس خرطوم الأمس، تلك التي أودعناها سلال الجحود والنكران دون أن ندرك كم كانت تستحق منا الامتنان.

حاولت ترتيب الأشياء في ذهني وأنا أهيم في شوارعها، غير مصدق أننا أخيراً استقر بنا المقام بعد طول غياب. غيّبت الحرب بعض الملامح وبدّلت وجوه الأماكن لكنها لم تستطع محوها لتنهض من جديد.

عاد محمد بذات الابتسامة التي اعتاد ان يفتتح بها يومه (قبل ان يسطو عليه أوباش العصر ) ليستقبل زبائنه في متجره (البقالة) لتعود للمكان بعض من ألقه وتستعيد الحياة بعض أنفاسها القديمة معه.

غير بعيد عاد يوسف ( ذاكرة الحي التي لا تترك شاردة ولا واردة ) لصالون الحلاقة الذي ما ان تجلس على كرسيه حتى تنفتح أمامك خزائن معلوماته، وشبكة أخباره التي تمتد إلى كل الزبائن الذين يعرف أماكن وجودهم وما لحق بهم من أضرار سنوات الحرب وأحوالهم وأخباره فهو بالنسبة لي أرشيف حيّ للمنطقة ونافذة تطل منها على أحوال الناس بعد الغياب.

هكذا عادت الحياة وبرغم الأزمات فقد استعادت معظم الأحياء ( باستثناء بعض الأحياء الميسورة ) إيقاعها المعتاد ، عادت الأسواق الصغيرة، والبقالات، ومحال الخدمات وتدريجياً عادت تفاصيل الحياة اليومية. أما الأحياء ( الميسورة ) فقد اكتفت واجهاتها وشوارعها الرئيسية ببعض الأنشطة التجارية والمطاعم والكافيهات وكأنها لا تزال تنتظر اكتمال عودة الحياة إلى ما وراء الواجهات.

لكن التغييرات التي فرضتها الحرب لم تقف عند حدود المكان وتفاصيل الحياة اليومية بل امتدت عميقاً إلى قلب المجتمع وأعادت تشكيل كثير من مفاهيمه وأولوياته.

ففي جلسة «جبنة» على شارع النيل كنت أسترق السمع إلى أحاديث مجموعة من الشباب في مقتبل العمر تجمعوا على موعد. ظننت في بادئ الأمر أن ما يجمعهم قاعة درس أو كلية في إحدى الجامعات، لكنني سرعان ما اكتشفت أنهم من المستنفرين الذين أدوا واجب الدفاع عن الوطن حتى طرد المتمردين من الخرطوم فتوثقت بينهم عري الاخوة .

انفردت بعلاء بعد أن تفرق الجمع….يافعاً…نحيل البنية.. وسيماً، فاستوقفني حضوره ودفعني الفضول إلى سؤاله: كيف لشاب في مثل سنك يدرس بالسنة الثانية بكلية الطب ووالده يشغل وظيفة مرموقة في إحدى دول الخليج بما يتيح له فرصة مواصلة دراسته في أي مكان أن يختار الانضمام إلى ركب المستنفرين؟

جاءت إجابته على نحو لم أتوقعه بل ألقمتني حجراً. قال إن من يتوشح بقلادة الدفاع عن الأرض والعرض ويدخل في درب التضحية، تستعصي عليه المطالب الشخصية في هذه الدنيا، ويصبح ما دون الوطن أمراً يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه.

ثم مضى يسرد حكايات رفاقه ومواقفهم وبطولاتهم، وقد اغرورقت عيناه بالدموع كلما ذكر أولئك الذين يمموا شطر المعالي وارتقوا إلى عوالم الشهادة.

تركتني تلك الجلسة أمام صورة أخرى للخرطوم؛ صورة لا ترسمها الشوارع والمحال والوجوه التي ألفناها فحسب بل ترسمها أيضاً تحولات الناس وما أخرجته المحنة من مواقف وقناعات وتضحيات.

إنها الخرطوم، تغرقك في تفاصيلها ويومها وألقها وعشقها القديم. مدينة تختبئ حكاياتها في وجوه العائدين وفي أحاديث العابرين وفي ذاكرة من بقوا، وفي حكايات الذين دفعوا أثماناً باهظة كي تعود إليها الحياة.

وكلما ظننت أنك بدأت تكتشف المدينة من جديد باغتتك بحكاية أخرى أو وجه قديم أو ذكرى كانت تنتظر لحظة العودة لتطل برأسها من بين ركام الغياب.

عودوا الي خرطومكم يرحمكم الله.

الطاهر الطيب يونس

الخرطوم ٥/١١/٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى