الحرب على شروط بقاء الشعب السوداني

ملح الأرض/ بقلم/ خالد ماسا

والقول بأن الحرب التي انطلقت رصاصتها الأولى في منتصف أبريل ٢٠٢٣م لا تزال تحتفظ بطبيعتها الأولى، وأنه من الممكن توصيفها في حدود أنها مجرد صراع على كرسي السلطة بين فصيلين يحملان السلاح، هو قول لا يمكن تكراره الآن والحرب تدخل عامها الرابع، حيث صار هذا التوصيف أضيق بكثير من أن يحتمل ويستوعب التحولات التي شهدتها طبيعة الحرب حتى الآن.

تحولت الحرب في السودان من صراع وأطماع على السلطة والسيطرة على الأرض إلى حرب تستهدف قدرة الشعب السوداني نفسه على البقاء؛ إذ ليس من المفهوم أن تكون هنالك رغبة في حكم شعب هو بالأساس غير موجود، باستهداف كل شروط البقاء بهذا الشكل الممنهج. فالحرب الآن لا تستهدف الإنسان السوداني بالرصاص والقذائف وحدها، وتحصر الأهداف العسكرية وفقًا للاشتراطات التي تحدثت عنها العهود والمواثيق الدولية، والتي تحرص على حماية المدنيين، وإنما امتدت لتطال المياه التي يشربها المواطنون، والكهرباء التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية، وتشغّل المستشفيات ومحطات المياه، وتوفر الدواء الذي يحتاجونه، والغذاء الذي يقتاتون عليه، والأمن الذي يحمي وجودهم، ثم إلى مستقبلهم الذي أصبح رهينة لحرب لا يبدو أنها تضع حياة السودانيين في حساباتها. والخطورة أن هذه المسارات والاتجاهات لتصاعد الحرب والتحولات التي شهدتها، رغم اختلاف أدواتها وفاعليها، تلتقي عند نتيجة واحدة، وهي تجريد الإنسان السوداني من شروط الحياة وتحويل البقاء على قيد الحياة إلى معركة يومية ظل الشعب السوداني يخوضها منذ اندلاع الحرب في جغرافيا المواجهات العسكرية، وفي مدن النزوح ودول اللجوء.

وهنا لا يمكننا القول بأن الخلاصة التي نستنتجها مما حدث في الحرب، بوصفها حالة «إعدام الشعب السوداني»، هي حكم جنائي أكثر من كونها توصيفًا لنتائج سياسات وممارسات تدفع المجتمع السوداني نحو الموت البطيء والانهيار الشامل، وتحولت إلى حرب على مقومات الحياة، وأصبحت نتائجها تهدد بإعدام المجتمع السوداني حتى وإن بقيت الدولة قائمة على الورق.

(*) حلقات في مشهد الإعدام..

تتبع مشهد الحرب الحالية يجعل الربط بين حلقاتها منطقيًا وموضوعيًا، ويفضي، كما قلنا، إلى نتيجة واحدة، وهي الإضرار بالشعب السوداني والوصول به إلى نهايات يعتبر وصفها بحكم الإعدام حقيقيًا، ويجب التعامل معه من هذه الزاوية والمنطلق.

النظر إلى حرب السودان من زاوية التحولات الأخيرة واستهداف المسيّرات لمحطات الكهرباء في جغرافيا تتوزع على كافة مدن وولايات السودان، يقودنا إلى فهم بأن الهدف ليس عسكريًا بالمعنى المفهوم، بل هو تدمير للبنية التحتية التي تتيح للناس الحصول على الماء والغذاء والعلاج.

وصحيح أن الشكوى التي تقدمت بها الحكومة السودانية الأسبوع المنصرم ضد الحكومة الإثيوبية لا تنفصل عن موضوع المسيّرات أعلاه واستهداف البنية التحتية، ولكن انطلاق هذه المسيّرات من الأراضي الإثيوبية يعطي بُعدًا آخر لطبيعة الحرب وتوصيفاتها، بحيث يصبح ذلك تدويلًا للحرب في السودان وتوسيعًا لنطاق «التدخلات الدولية والإقليمية»، وتحويلًا للسودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وحلبة تستضيف صراع المصالح على الأرض السودانية، مما يزيد من فرص تهديد شروط بقاء السودانيين.

النظر إلى «الانشقاقات» المتتالية في صفوف مليشيا الدعم السريع وفقدانها عددًا من قادتها الميدانيين باعتبار أنها خير مطلق، يفقر التحليل الموضوعي للتحولات على مستوى طبيعة الحرب؛ فالانشقاقات كشفت أيضًا طبيعة البنية العسكرية والسياسية للقوة التي تخوض الحرب في الميدان، ومدى ارتباط قرارها بمراكز نفوذ داخلية وخارجية، وعدم وجود مركز قيادة وقرار واحد، ما ينتج عنه تعقيدات كبيرة، نتيجتها واحدة، وهي التضييق على السودانيين في شروط بقائهم على قيد الحياة والأمان، في مقابل عجز المؤسسات الإقليمية والدولية عن وقف الاعتداءات أو توفير الحد الأدنى لحماية المدنيين، ولتتحول طبيعة السؤال المركزي في الحرب من: من ينتصر في الحرب؟ إلى: من يبقى من السودان والسودانيين بعد هذه الحرب؟

ما جدوى أن ينجو المواطن من القصف إذا كان سيموت بسبب انعدام الماء النظيف؟ وما قيمة السيطرة على مدينة إذا كان سكانها لا يجدون ما يشربونه أو ما يعالجون به مرضاهم؟ حينها تتحول المسيّرة من سلاح يضرب هدفًا محددًا إلى أداة يمكن أن تمتد آثارها إلى حياة مئات الآلاف من المدنيين، وقد لا تسقط قذيفة واحدة على منزل المواطن، لكنه بالمقابل يفقد الماء والكهرباء والدواء، ويصبح عاجزًا عن توفير أبسط متطلبات الحياة بسبب الاستهداف الممنهج لمحطات الكهرباء والبنية التحتية، وكأنما الجهة التي تقوم بذلك تستهدف إعدام مجتمع بأكمله، بتدمير الشروط التي تجعله قادرًا على الحياة.

الاتهام الذي وجهته الحكومة السودانية في ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م، وأعلنت فيه تقديم شكاوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي، متهمة إياها بالسماح باستخدام أراضيها في إطلاق مسيّرات تستهدف منشآت داخل السودان، وقدم مجلس السيادة تقريرًا وثّقت فيه ٧٠ هجومًا باستخدام ١٨٧ مسيّرة قال إنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية خلال العام الجاري، وأسفرت عن مقتل وإصابة نحو ٥٠٠ مدني، يلفت الانتباه إلى الانتقال الكبير في طبيعة الحرب السودانية، بدخول أطراف أخرى في الحرب، وبشكل مباشر أصبح يمثل تهديدًا خطيرًا لشروط بقاء وأمن المدنيين السودانيين، ما يستلزم تصعيدًا لآليات الحماية للسودانيين الذين أصبحوا يدفعون ثمن الصراع الإقليمي. وعلى الرغم من أن هذا التصعيد من الدولة السودانية لا يكفي إذا لم تستطع حماية مواطنيها ومنشآتها الحيوية، ولا يكفي أن تضع الأدلة أمام المؤسسات الدولية إذا لم تتحول تلك الأدلة إلى تحرك يوقف الاعتداءات.

لا ينبغي أن يأخذ الانشغال بالاحتفاء بانشقاق قائد أو مجموعة مقاتلين من صفوف المليشيا وانضمامهم للقوات المسلحة وعودتهم بلغة العودة إلى حضن الوطن، بينما تظل البنية التي تنتج الحرب قائمة وحاكمة. فالانشقاق قد يضعف قيادة معينة ويصيب صلابة القدرة المعنوية للعدو، لكنه لا ينهي اقتصاد الحرب ولا شبكات الإمداد ولا المصالح التي تغذي استمرارها، بل يوزعها إلى مراكز متعددة. والأشخاص يتغيرون، والولاءات قد تنتقل من مركز إلى مركز، بينما يظل المواطن في مواجهة آلة حرب لا تتوقف أبدًا.

عندما نكتب عن استهداف ممنهج للبنية التحتية بمثل ما يحدث لقطاع الكهرباء، فإن هذا لا ينتج فقط اتهامًا للمليشيا بتهديد شروط الحياة بالنسبة للمواطنين السودانيين، ففي المقابل تصبح هنالك مجموعة أسئلة للسلطات تتعلق بأين الدولة حين يصبح الحصول على الماء والكهرباء والغذاء تحديًا يوميًا للمواطنين؟

وأين خطط الطوارئ لحماية محطات الكهرباء ومرافق المياه؟ ولماذا لا توجد بدائل استراتيجية كافية لتشغيل محطات المياه والمستشفيات، وتفعيل منظومة الإنذار المبكر والحماية المدنية؟ وما الذي فعلته الحكومة لتأمين الوقود وقطع الغيار ومستلزمات تشغيل المرافق الحيوية؟ فالعدو نواياه معلومة، والتدخل الخارجي من إثيوبيا متكرر، وليس هناك فعل مفاجئ. وبالتالي تصبح الأسئلة أعلاه ضرورية إذا كانت شروط بقاء المواطنين السودانيين في مقدمة أولويات الدولة السودانية.

في هذا التوقيت الحرج من الأزمة السودانية، لم يعد تقديم البيانات السياسية والعسكرية كافيًا وبديلًا لخطاب حكومي واضح يشرح للمواطن كيف ستضمن الدولة استمرار حياته. والدولة في مفهومها الحديث ليست مجرد جيش يقاتل، ولا حكومة تصدر البيانات، ولا وزارة خارجية تقدم الشكاوى في المحافل الإقليمية والدولية.. الدولة قبل كل شيء هي قدرتها على حماية حياة مواطنيها وضمان الحد الأدنى من شروط بقائهم.

مطلوبات المعركة «الدبلوماسية» في التوقيت الحالي تتساوى تمامًا مع مطلوبات المعركة العسكرية، طالما أن السودان طرف في البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني لاتفاقيات جنيف منذ وقت طويل، كما أن حظر استهداف الأعيان الضرورية لبقاء المدنيين قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وتسري على النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وعلى وجه التحديد المادة ٥٤ من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، وتحظر استهداف أو تدمير أو تعطيل الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، وفي مقدمتها منشآت مياه الشرب والمستشفيات ومصادر الطاقة. وطالما أننا كسودانيين موقعون على هذه البروتوكولات والاتفاقيات، والتي وضعت لحماية الإنسان حتى في أشد لحظات الحرب قسوة، فلماذا أصبح المدني السوداني مكشوفًا أمام الموت من الجوع والعطش؟

لا يوجد شك في أن هنالك استهدافًا استراتيجيًا لمستقبل المجتمع السوداني، باستمرار الحرب وتدويلها وتفكيك المؤسسات وتدمير مصادر الإنتاج وتهجير الملايين من المدنيين، وإضعاف قطاعات التعليم والصحة وتفريغ البلاد من مواردها البشرية بنزيف العقول وهجرة الخبرات، بما يجعل التعافي وإعادة بناء الدولة أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وبالضرورة قد تنتهي المعارك في يوم من الأيام، لكن السودان الذي سيخرج منها قد لا يجد مجتمعًا متماسكًا، ولا مؤسسات قادرة، ولا اقتصادًا منتجًا، ولا أجيالًا تمتلك الحد الأدنى من مقومات البقاء في المستقبل. وهذا هو المعنى الأعمق لإعدام الشعب السوداني؛ ليس فقط على مستوى إزهاق الأرواح، بل بتدمير الشروط المادية والاجتماعية والاقتصادية التي تتيح له الاستمرار كشعب ومجتمع ودولة. ولا قيمة لأي انتصار عسكري على أرض مدمرة، ولا معنى لاستعادة مدينة إذا كان سكانها قد فقدوا شروط الحياة فيها، ولا يمكن الحديث عن حماية سيادة السودان بينما المواطن نفسه يفقد حقه في الأمن والماء والغذاء والعلاج، ولا يوجد تبرير مقنع لاستهداف البنية التحتية المدنية باعتباره جزءًا من ضرورات الحرب، ولا يجوز أن تكون الانشقاقات العسكرية بديلًا عن تفكيك منظومة العنف من جذورها، كما لا يمكن أن تكون إعادة الإعمار مشروعًا قابلًا للتحقق إذا استمر تدمير الإنسان الذي يُفترض أن يعيد بناء البلاد من جديد بعد الحرب.

تتلاقى نتائج أفعال كثيرة في الحرب، تشمل تعدد مراكز القوة بالانشقاقات، إضافة إلى تدخلات القوى الخارجية وعجز المؤسسات عن الحماية وغياب المحاسبة، لتنتج واقعًا يصبح فيه الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر، بل الضحية التي تتعرض لشكل من أشكال الإعدام الجماعي لشروط حياتها ومستقبلها. فحرب أبريل ليست حربًا على السلطة وحدها، ولا حربًا على الأرض وحدها؛ إنها حرب تتآكل فيها شروط بقاء الشعب السوداني، وهي حرب قد ينجو فيها الإنسان من الرصاص، لكنه بالتأكيد لا ينجو من العطش والمرض والجوع والنزوح واللجوء، وقد تبقى الأرض بعد أن يفقد أهلها القدرة على الحياة فوقها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى