زيارة البرهان لروسيا..!!
مجرد رأي/ بقلم/ محمد الأمين الكباشي

زيارة الفريق أول ركن البرهان، رئيس مجلس السيادة لروسيا الإتحادية ،تعتبر حدث سياسي لا يمكن تجاوزه، حيث شغل الساحة السياسية كثيراً وما زالت ظلال ذلك الحدث ممتدة لهذه اللحظة.
الزيارة كما تناولها الإعلام المحلي والخارجي كانت بهدف المشاركة في القمة ( الروسية – الإفريقية ) رقم ( 3 ) ، بمشاركة عدة دول إفريقية في موسكو، وظاهر القمة والملامح العامة لها يعد طابع إقتصادي، إلا أنها لا تخلو من أجندة سياسية ( خفية ) ..حيث قدم البرهان لموسكو عرض إقتصادي وتجاري مغرٍ يسيل له اللعاب، وذلك بقيام منطقة تجارية حرة على سواحل البحر الأحمر، ويتمثل العرض المقدم في إنشاء مستودعات للقمح والوقود يستفيد منها السودان والدول الإفريقية كما جاء في العرض.
العرض الذي قدمه البرهان لنظيره بوتين على سواحل البحر الأحمر هذا ما كانت تبحث عنه روسيا منذ سنوات ؛ فروسيا كانت تبحث عن موطأ قدم على منطقة البحر الأحمر ذات الأهمية الجيوسياسية والتي تعد بوابة الدخول لأفريقيا، وروسيا تريد الإنفتاح على هذه القارة التي تعتبر بوابة الدخول لها عبر السودان ، نظراً للأهمية الكبيرة لمنطقة البحر الأحمر شهدت تدخل صراع نفوذ كبير حولها ، آثار هذا الصراع فيما تشهده دول هذه المنطقة من حروب ونزاعات.
بالرغم من مشاركة العديد من الدول الإفريقية في القمة (الروسية – الإفريقية ) إلا أن مشاركة البرهان ووفده بإسم السودان، لها دلالات خاصة، والشاهد على ذلك بتكريم البرهان من قبل جامعة روسيا الحكومية للعلوم الإنسانية ، بمنحه درجة الدكتوراه الفخرية، فهي تكريم أكثر من كونه درجة علمية، كما أن هنالك عوامل ومتغيرات عديدة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لا يمكن فصلها بمعزل عن زيارة البرهان لروسيا ؛ فالقمة المنعقدة وإن كانت الخطوط العريضة لها هي أجندة إقتصادية، إلا أنه في باطنها لا تخلو من أجندة سياسية ؛ فالبرهان بعد عملية التباعد السياسي الكبير بينه وأمريكا ، وذلك بعد رفض المقترحات المقدمة أكثر من مرة من المستشار السياسي للرئيس ترامب مسعد بولس، والمتعلقة بشأن الهدنة والدخول في تسوية سياسية، حاول البرهان الإتجاه نحو روسيا، فهي في تقديري خطوة تكتيكية أكثر من كونها تعاون إقتصادي.
زيارة البرهان هذي تعيد إلى الأذهان زيارة الرئيس المخلوع البشير في أواخر سنين حكمه ،وفي نهاية عام 2017 إتجه إلى روسيا، ومقابلته الشهيرة لبوتين، بعدما إشتدت الأزمة الإقتصادية في السودان، التي كانت لقرار وجود إسم السودان في قائمة الإرهاب نصيب كبير ؛ فأتجه البشير إلى روسيا يشكو ظلم ( الأمريكان ) ،بتقسيم السودان إلى نصفين وجاري السعي إلى المزيد من التقسيم – كما جاء في خطاب البشير وقتها من موسكو – مطالباً روسيا بصريح العبارة بالحماية من أمريكا خوفاً مما جري في سوريا .
هنالك حالة تشابه كبيرة بين زيارتي البشير والبرهان الآن، لروسيا، فكلاهما قدم عرض مغر لروسيا، والعرض المقدم في الزيارتين كان في سواحل البحر الأحمر ، ونظراً لأهميتها السياسية ،كلاهما ظل يناور بها أمريكا ، ورغم أن البشير وحزبه في أواخر فترة حكمهم حاولا فيها من خفض حدة الشعارات السياسية المناوئة لأمريكا من شاكلة ( الطاغية الأمريكان ليكم تدربنا ، وأمريكا لقد دنا عذابها، وتحت جزمتي إلخ، رغم إختفاء هذه الأشياء لم يحدث تقارب مع أمريكا، وذهاب البشير لموسكو لم يكن إلا بدوافع المناورة والتكتيك السياسي ، والسياسة التي كان ينتهجها البشير هي نفسها التي يسير على خطاها اليوم البرهان، وما أشبه الأمس باليوم.
من حق السودان كدولة ذات سيادة أن يبحث عن مصالحه الإقتصادية والتجارية والإستثمارية مع أي دولة حول العالم، ولا غضاضة في ذلك، إلا أنه ينبغي أن تكون السياسة المتبعة مبنية على أسس إقتصادية واضحة ومتوازنة، لا تحتمل الوقوف والتخندق في محور معين على حساب الآخر، حتى لا تتضرر الدولة مجدداً من حكاية الوقوف في أحد المحاور، لأن السودان تضرر كثيراً جراء هذه السياسة ، والحرب الحالية تعد أحد أوجه الإنحياز الممقوت.
نريد للسودان علاقات خارجية تجارية وإقتصادية وإستثمارية مع الدول ، تكون مبنية على تحقيق المصلحة والمنفعة الإقتصادية في المقام الأول، ولنا في الصين أسوة حسنة، ويجب أن تكون العلاقة مع كل الدول على نسق العلاقة مع الصين.



