السودان بين عقلية الغنيمة وعقلية الدولة
لماذا صنعت رواندا الثروة وأضاع السودان الفرص

من صراع السلطة إلى صناعة المستقبل
قراءة في أزمة الإدارة والحكم ومقارنة بتجربتي سنغافورة ورواندا
بقلم/ محمد فؤاد عيد
كثيرًا ما نربط أزمة الأوطان بنقص الموارد لكن الحقيقة أن الموارد وحدها لا تصنع النهضة فالسودان غني بالثروات الطبيعية ومع ذلك لا يزال يعاني من التعثر أما سنغافورة التي افتقرت إلى الموارد ورواندا التي خرجت من كارثة إنسانية فأثبتتا أن الفارق يكمن في الإدارة والرؤية وطريقة التفكير.
*أزمة إدارة لا أزمة موارد :*
يمتلك السودان موارد تكفي لبناء دولة قوية واقتصاد منتج لكنه عجز طويلاً عن تحويلها إلى حياة كريمة لمواطنيه فالمشكلة لم تكن في فقر الموارد بل في إضعاف المؤسسات وإهدار الفرص واستنزاف القدرات في صراعات سياسية وعسكرية متواصلة.
منذ الاستقلال ظل السودان يغيّر الحكومات بينما تتكرر الأزمات لذلك لا يكفي أن نسأل من يحكم بل ينبغي أن نسأل كيف تُدار الدولة وهل نملك مؤسسات تضمن الاستمرارية وتضع الكفاءة فوق الولاء وتحول الموارد إلى إنتاج.
الأمم لا تنهض بتغيير الأشخاص وحده بل بتغيير طريقة التفكير وبناء مؤسسات قادرة على العمل مهما تغير الحكام.
*حكومات تتغير وأزمات تتوارث :*
منذ رفع السودان علم استقلاله في الأول من يناير 1956 تنقل بين الحكم المدني والعسكري والديمقراطية والانقلاب والسلام والحرب من دون تأسيس مشروع وطني مستقر تتوارثه الحكومات
جاء الفريق إبراهيم عبود ثم ثورة أكتوبر فالديمقراطية الثانية ثم حكم جعفر نميري وانتفاضة أبريل والديمقراطية الثالثة ثم انقلاب عمر البشير الذي استمر ثلاثين عاماً قبل أن تسقطه ثورة ديسمبر وبعد مرحلة انتقالية مضطربة وقع انقلاب أكتوبر 2021 ثم اندلعت الحرب في أبريل 2023
لم يكن جميع الحكام سواء في سياساتهم أو مسؤولياتهم لكن النتيجة تفرض أسئلة واضحة
لماذا يبدأ السودان من جديد كلما تغيرت السلطة ولماذا لم تتحول الخدمة المدنية إلى مؤسسة مستقلة تحمي استمرارية الدولة ولماذا أصبح الولاء السياسي طريقاً إلى المنصب بينما تراجعت الكفاءة أمام المحاصصة والتمكين
تعاملت قطاعات من النخب مع الدولة باعتبارها مجالاً لتوزيع النفوذ والمكاسب لا مشروعاً وطنياً يحتاج إلى التخطيط والانضباط والمحاسبة وحين تصبح السلطة غاية يتحول الاقتصاد إلى ملف ثانوي وتصبح التنمية فقرة في خطاب رسمي بينما ينشغل الجميع بنصيبهم من الحكم لا بنصيب المواطن من ثروات وطنه.
*التغيير لا يأتي بتبديل الأشخاص فقط:*
الخطأ الشائع هو الاعتقاد أن استبدال قادة بآخرين يكفي لإنقاذ الوطن فإذا بقي نهج التفكير نفسه أي التفكير قصير المدى والاهتمام بالمناصب قبل المصلحة العامة واستخدام الملفات السياسية كأداة للصراع فلن يحدث تحول حقيقي
التحول يبدأ عندما تُستدعى الخبراء والمختصون بعيدًا عن حسابات المنافسة وتُوضع خطط مكتوبة للأجيال القادمة لا مجرد خطابات تكرر الماضي.
*سنغافورة صناعة الثروة :*
عندما استقلت سنغافورة عام 1965 كانت دولة محدودة المساحة والموارد تفتقر إلى الأراضي الزراعية الواسعة والاحتياطيات النفطية والثروات المعدنية الكبيرة لكنها أدركت أن الثروة لا تكمن دائماً في باطن الأرض بل في الإنسان والمؤسسات القادرة على تحويل المعرفة والعمل إلى إنتاج
لذلك أعطت الأولوية للتعليم والتأهيل المهني واستقطاب الاستثمار وتطوير الموانئ والصناعة والخدمات وبناء جهاز إداري قادر على تنفيذ السياسات ولم يكن نجاحها نتيجة قرار منفرد بل حصيلة استثمار طويل الأمد في الإنسان والبنية التحتية وكفاءة الإدارة وربط الاقتصاد بالأسواق العالمية
وبحسب البنك الدولي انتقلت سنغافورة خلال العقود التالية للاستقلال من اقتصاد منخفض الدخل إلى دولة مرتفعة الدخل وحقق اقتصادها متوسط نمو سنوياً بلغ نحو 7% منذ الاستقلال
لكن الدرس الأهم ليس في الأرقام بل في العلاقة بين الدولة والاقتصاد فالمسؤول يُقاس بقدرته على التنفيذ والمؤسسة بكفاءتها والسياسة الاقتصادية بوضوح أهدافها
أما في السودان فكثيراً ما نحتفي بإعلان المشروعات قبل دراسة جدواها ونحتفل بتوقيع الاتفاقيات قبل متابعة تنفيذها ونصفق لتعيين المسؤول قبل معرفة مؤهلاته
ولا يعني ذلك أن التجربة السنغافورية نموذج سياسي كامل فقد واجهت انتقادات تتعلق بالمعارضة والحريات العامة لكن درسها الإداري واضح الدولة التي تستثمر في الإنسان والمؤسسات تستطيع تعويض نقص الموارد بينما قد تفشل الدولة التي تهدرهما رغم وفرة ثرواتها.
*رواندا إعادة بناء الدولة :*
تحمل رواندا درساً أكثر ارتباطاً بواقع السودان ففي عام 1994 شهدت إبادة جماعية مروعة قُتل خلالها مئات الآلاف وتمزق نسيج المجتمع وانهارت قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة
ومع ذلك بذلت رواندا خلال العقود التالية جهوداً لإعادة بناء المؤسسات وتحسين البنية التحتية والخدمات وتشجيع الاستثمار وحقق اقتصادها نمواً بلغ 9.4% خلال عام 2025 وفق بيانات البنك الدولي
ويتمثل أبرز دروسها في اعتماد خطط معلنة وأهداف طويلة الأجل وربط أداء المؤسسات الحكومية بتنفيذ تلك الأهداف
لكن لا ينبغي تحويل التجربة إلى أسطورة سياسية فالنمو لا يعني اكتمال التنمية ولا يبرر التضييق على الحريات ولا يلغي استمرار الفقر وضعف الإنتاجية وتحديات خلق فرص العمل كما تواجه الحكومة الرواندية انتقادات بشأن المعارضة وحرية التعبير
لذلك لا يحتاج السودان إلى استنساخ النظام السياسي الرواندي بل إلى الاستفادة من خبرته في التخطيط والإدارة وإعادة بناء المؤسسات فالنجاح الحقيقي لا يضع الحرية والتنمية في مواجهة بل يبني دولة تحميهما معاً.
*الصراع على السلطة لا يبني مصنعًا ولا يطعم جائعًا :*
المناقشات السياسية ضرورية لكنها لا يجب أن تتحول إلى هدف بحد ذاته عندما يصبح كل الاهتمام توزيع المناصب والجدل السياسي تتأخر مشاريع الزراعة والصناعة والخدمات
تجربتا سنغافورة ورواندا تُظهران أن الاستقرار السياسي أصبح أداة لتنفيذ الخطط الاقتصادية وليس غاية للمنافسة فقط.
*السودان حين تتغلب عقلية الغنيمة :*
يمتلك السودان مقومات تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية والتجارة والخدمات لديه الأراضي والمياه والثروة الحيوانية والذهب وموقع يربط أفريقيا بالعالم العربي والبحر الأحمر
ويمتلك قبل ذلك الإنسان السوداني الذي أثبت نجاحه في الطب والهندسة والاقتصاد والتعليم والإدارة داخل السودان وخارجه
لكن لماذا تنجح الكفاءات السودانية في إدارة مؤسسات كبيرة خارج وطنها بينما تعجز الدولة عن توفير البيئة التي تسمح لها بالنجاح داخله ولماذا ينجح الطبيب والمهندس السوداني في الخارج ثم يجد نفسه عاجزاً عن توفير أبسط الخدمات عندما يعود
الإجابة لا تكمن في ضعف قدرات السودانيين بل في ضعف المؤسسات والبيئة التي يفترض أن تستثمر تلك القدرات فالمشكلة ليست نقص العقول وإنما غياب المنظومة القادرة على الاستفادة منها
في كثير من الأحيان أصبحت الوظيفة العامة مكسباً سياسياً والوزارة امتيازاً والمنصب مكافأة على الولاء وهذه العقلية تبدأ من سؤال التوزيع قبل سؤال الإنتاج
من يحصل على الوزارة ومن ينال المنصب ومن تكون له حصة في السلطة، بينما يغيب السؤال الأهم:
من يستطيع رفع كفاءة الوزارة ومن يملك برنامجاً لتشغيل المصانع ومن يطور الزراعة ويصلح التعليم ويربطه بسوق العمل
هنا يظهر الفرق بين عقلية الغنيمة وعقلية الدولة الأولى تسأل عما يمكن الحصول عليه من السلطة والثانية تسأل عما يمكن تقديمه للوطن.
*الجيش والسياسة كلفة الصراع :*
لا يمكن فهم أزمة التنمية في السودان من دون التوقف عند العلاقة المضطربة بين المؤسسة العسكرية والسياسة فقد شهد التاريخ السوداني انقلابات متعاقبة وتداخلاً بين الحكم العسكري والصراعات الحزبية حتى أصبحت إدارة الدولة مرتبطة بموازين القوة أكثر من ارتباطها بالمؤسسات الدستورية
لكن المسؤولية لا تقع على العسكريين وحدهم فقد لجأت قوى مدنية إلى التحالف مع المؤسسة العسكرية للوصول إلى السلطة أو مواجهة الخصوم وأسهمت بذلك في إضعاف المسار الديمقراطي كما أن إنشاء قوات مسلحة موازية وتسييس المؤسسات الأمنية واستخدام القوة في المنافسة على النفوذ كلها ممارسات دفعت الدولة ثمنها باهظاً
كشفت حرب أبريل 2023 خطورة غياب مشروع وطني تحتكر فيه المؤسسات الشرعية والقانون سلطة القرار والسلاح وبحسب البنك الدولي انكمش الاقتصاد السوداني بنحو 29.4% عام 2023 ثم بنحو 14% عام 2024
هذه الأرقام تعني مصانع متوقفة وأسواقاً منهارة وأراضي خرجت من الإنتاج ومواطنين فقدوا مصادر رزقهم وأطفالاً حُرموا من التعليم
فما قيمة الانتصار السياسي إذا خرج الوطن منهكاً واقتصاده مدمراً ومواطنوه بين النزوح واللجوء والجوع
لا يمكن استعادة الاقتصاد من دون إنهاء الحرب وحماية المدنيين وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية خاضعة للقانون وبعيدة عن الاستقطاب والمصالح الاقتصادية فالأمن شرط للتنمية لكنه لا يغني عن الحكم الرشيد والسلام لا يكتمل بمجرد توقف إطلاق النار إذا بقيت أسباب الصراع قائمة.
*مشروعات كبرى بلا استمرارية :*
لا يتعلق السؤال دائماً بغياب المشروعات بل بغياب الاستمرارية في تطويرها وإصلاحها
يُعد مشروع الجزيرة مثالاً واضحاً فهو ليس مجرد مساحات زراعية بل منظومة اقتصادية واجتماعية ترتبط بها حياة أعداد كبيرة من المواطنين لكنه واجه عقوداً من التحديات في التمويل والإدارة والري والصيانة والسياسات الزراعية والتسويق
المطلوب ليس الاكتفاء بتحديد المسؤول السياسي عن تراجعه بل وضع خطة لإعادة بنائه وفق أسس اقتصادية حديثة
وينطبق الأمر نفسه على الصناعات التحويلية والنقل والسكك الحديدية والطاقة والإنتاج الحيواني فقد امتلك السودان فرصاً لبناء اقتصاد تتكامل فيه الزراعة مع الصناعة والنقل والتصدير لكن عدم الاستقرار وتذبذب السياسات وضعف الاستثمار في البنية التحتية أضعف هذه الفرص ثم جاءت الحرب لتضيف دماراً جديداً
لذلك لا ينبغي أن تعني إعادة الإعمار إعادة ما كان قائماً فقط بل إعادة بناء الاقتصاد والسياسات التي تمنع تكرار الفشل.
*الخطط لا تكفي :*
من السهل إعلان خطة خمسية أو استراتيجية عشرية أو رؤية تمتد إلى عام 2050 لكن المشكلة ليست في جمال العناوين بل في القدرة على التنفيذ
كم من مؤتمر اقتصادي عُقد وكم من توصية صدرت وكم من لجنة تشكلت وكم من مشروع أُعلن عنه ثم اختفى
التنمية تحتاج إلى مؤسسات مستقرة وإدارة مهنية وميزانيات واضحة وأجهزة رقابية مستقلة ومؤشرات تقيس الأداء
بعد وقف الحرب يحتاج السودان إلى مشروع وطني لإعادة البناء يمتد لعشرين عاماً تشارك في وضعه الكفاءات السودانية داخل البلاد وخارجها ويُعرض للنقاش العام وتُحدد له أولويات قابلة للقياس
ينبغي أن يبدأ المشروع باستعادة الأمن والخدمات الأساسية ثم إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية وتأهيل التعليم والتدريب المهني وتطوير الزراعة والصناعة والطاقة والنقل وخلق بيئة قانونية مستقرة للاستثمار
كما يجب أن تكون لكل وزارة أهداف معلنة وتقارير دورية توضح ما أُنجز وما تعثر وأسباب التعثر فوزير الصناعة يُقاس بعدد المصانع التي ساعدت سياساته على تشغيلها وحجم الاستثمارات وفرص العمل التي أتاحها ووزير الزراعة يُقاس بزيادة الإنتاجية وتحسين الري والتخزين والتسويق ووزير المالية يُحاسب على كفاءة الإنفاق واستقرار السياسات وأثرها في الأسعار ومستوى المعيشة
أما رئيس الوزراء فينبغي أن يكون مسؤولاً أمام المواطنين عن تنفيذ برنامج واضح لا عن إدارة التوازنات بين مراكز القوى.
*الكفاءة قبل الولاء :*
من أكثر الأسئلة إلحاحاً هل نختار صاحب الكفاءة أم صاحب الولاء
قد يكون التوافق السياسي ضرورياً في المراحل الانتقالية لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلاً دائماً عن الخبرة فإدارة الاقتصاد والتعليم والصحة والزراعة والطاقة تحتاج إلى معرفة ومؤسسات لا إلى خطابات وطنية فقط
يمتلك السودان ثروة بشرية واسعة في الداخل والخارج اقتصاديون وأطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وخبراء في الإدارة والتكنولوجيا والتمويل يعملون في مؤسسات عالمية
لماذا لا تُنشأ آلية وطنية مستقلة لاستقطاب هذه الخبرات ولماذا لا تصبح الكفاءة معياراً حقيقياً للمناصب العامة ولماذا لا تُعلن مؤهلات المسؤول وخطته قبل تكليفه ثم يُحاسب على النتائج
الدولة الحديثة لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها بل بالمعرفة والاختصاص والمساءلة.
*المواطن شريك لا متهم :*
لا ينبغي حصر المسؤولية في الحكومات وحدها فالمجتمعات تنتج ثقافة سياسية تؤثر في الحكم
حين نقبل المحسوبية إذا استفدنا منها ونرفضها عندما يستفيد منها غيرنا فإننا نساهم في استمرار الخلل وحين ندافع عن المسؤول بسبب انتمائه القبلي أو الحزبي أو المناطقي من دون مساءلته عن أدائه ونزاهته فإننا نضعف المواطنة
لكن هذه المسؤولية لا تعني مساواة المواطن العادي بمن يملك السلطة والمال والسلاح فالمسؤولية تتناسب مع القدرة على التأثير ولا يجوز مطالبة المواطن بالإنتاج بينما يفتقد الأمن والكهرباء والتعليم والعلاج
بناء الدولة مسؤولية مشتركة لكنه يبدأ من السلطة التي تضع القواعد وتنفذ القانون وتوفر شروط الحياة والإنتاج
*لا نحتاج إلى حاكم خارق :*
يتكرر في الوعي السياسي انتظار الشخصية التي ستنقذ الوطن زعيم قوي أو خبير دولي أو قائد عسكري أو رئيس وزراء ذي شهادات رفيعة
لكن الأزمات التي تراكمت لعقود أكبر من قدرة الفرد على حلها فلا رئيس وزراء يستطيع إصلاح اقتصاد منهك من دون مؤسسات تنفيذية ولا وزير مالية يحقق الاستقرار إذا بقيت الموارد خارج منظومة شفافة ولا وزير زراعة يضاعف الإنتاج في غياب البنية التحتية والتمويل والأمن
السودان لا يحتاج إلى حاكم خارق بل إلى مؤسسات لا تنهار برحيل الحاكم
وهنا يكمن الفرق بين بناء السلطة وبناء الدولة السلطة ترتبط بالأشخاص أما الدولة فتستمد قوتها من الدستور والقانون والمؤسسات
كيف يُحكم السودان :
جعلت الصراعات السياسية السودانيين يركزون على سؤال السلطة أكثر من سؤال الدولة فعند كل تسوية ينشغل الجميع بمن سيحصل على المنصب ومن سيشارك ومن سيُستبعد
لكن الأسئلة الأهم تتعلق بالاقتصاد والإدارة
كيف نعيد تشغيل المصانع كيف نستعيد قيمة الجنيه كيف نؤهل مشروع الجزيرة كيف نوفر الكهرباء للمزارع والمصنع والمستشفى كيف نعيد ملايين الأطفال إلى المدارس وكيف نقنع المستثمر بأن الدولة قادرة على حماية رأس ماله وتطبيق القانون
هذه الأسئلة ليست أقل وطنية من أسئلة الحكم والسيادة بل إن السيادة تفقد معناها عندما تعجز الدولة عن توفير احتياجات مواطنيها وتصبح رهينة للأزمات والمساعدات
الدولة القوية ليست التي تمتلك جيشاً يحمي حدودها فقط بل التي تمتلك اقتصاداً يدعم استقلال قرارها ومؤسسات تحمي حقوق مواطنيها والسيادة الحقيقية تحتاج إلى الأمن والإنتاج والعدالة معاً
*الخاتمة لابد من مغادرة عقلية الغنيمة :*
أثبتت تجربة السودان أن تغيير الحكومات لا يكفي إذا بقيت العقلية السياسية نفسها وأثبتت تجارب سنغافورة ورواندا أن الموارد وحدها لا تصنع النهضة وأن الإدارة الرشيدة والاستثمار في الإنسان وبناء المؤسسات عوامل حاسمة
لا يحتاج السودان إلى أن يصبح نسخة من أي دولة بل إلى بناء نموذج يستفيد من تجارب الآخرين ويحافظ على خصوصيته وحقوق مواطنيه
نحتاج إلى الانتقال من دولة تتصارع نخبها على توزيع السلطة إلى دولة تتنافس نخبها على البرامج والنتائج ومن دولة يصبح فيها المنصب غاية إلى دولة يصبح فيها مسؤولية ومن دولة تستهلك مواردها في الصراع إلى دولة تستثمرها في الإنتاج
فالصراع لا يبني وطناً والبيانات لا تشغل مصنعاً والخطابات لا تحرث أرضاً والشعارات لا توفر الكهرباء ولا تعيد الأطفال إلى المدارس
المستقبل لا يُصنع بكثرة الحديث عنه بل بالعمل الذي يمهد له والسؤال الذي ينبغي أن يواجه السودان ليس ما الذي ينقصه من الثروات بل ما الذي ينقصه من الإرادة والمؤسسات وحسن الإدارة
علينا أن نتوقف عن البحث عن الرجل الذي سيحكم السودان وأن نبدأ ببناء نظام يجعل السودان قابلاً للحكم الرشيد مهما تغير الرجال
فالأوطان لا تُقاس بما تختزنه أراضيها من ذهب بل بما توفره لشعوبها من كرامة وعدالة وفرص ولا تُقاس الحكومات بطول بقائها بل بما تتركه من مؤسسات ومشروعات وأمل.
ستسألنا أجيال السودان القادمة ماذا فعلتم بأرض كانت قادرة على إطعام الملايين وماذا فعلتم بثروات كان يمكن أن تبني المدارس والمصانع والمستشفيات ولماذا تركتم وطناً مثقلاً بالحروب والانقسامات بينما كانت دول أقل موارد تصنع مستقبلها
لن تكون الشعارات إجابة مقنعة فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب أو المتنافسين على السلطة بل إلى متنافسين على البناء
ويبقى السؤال الحاسم هل نحن مستعدون لتغيير طريقة تفكيرنا في الدولة أم سنظل نغيّر الحكام وننتظر نتائج مختلفة.
////////////////////



