تجارة باسم الجوع

هوامش السيادة/ بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

□ خرج محمد الفكي سليمان، المعروف بمنقة، يوزع حديثه عن الجوع والعطش، ويرسم صورة للسودان لا تمت إلى الحقيقة التي يزعمها بصلة.
ومن أين استمد حق الحديث باسم السودانيين؟ حديثه عن الجوع والعطش لا يصبح حقيقة لمجرد ترديده، ولا تتحول الرواية السياسية إلى واقع بكثرة تكرارها. فالجوع بريء من تهمة منقة، وأوجاع الناس أكبر من أن تتحول إلى بضاعة في سوق السياسة، أو سلّم يصعد عليه الطامحون إلى العودة للمشهد.

□ يا سلام على اكتشافات السياسة!؟ بقت جركانة الموية منصة للمزايدة، وبقى اسم المواطن سلماً للعودة إلى المشهد.
هل هذه سياسة أم محاولة لاستعادة حضور فقد بريقه؟ كلما ضاقت مساحة الخطاب السياسي أخرجتم من الدرج حكاية جديدة عن معاناة المواطنين.
مرة تتحدثون باسم الانتقال، ومرة باسم المدنية، ومرة باسم الخبز والماء! باقي شنو؟ هل ستكتشفون غداً أن الشمس تشرق من الشرق وتصدرون بياناً باسم الشعب؟

□ والأكثر إثارة للسخرية أن يأتي هذا الحديث من رجل عميل لدويلة الامارات .. بينما تقف دويلة الإمارات وراء دعم مليشيا آل دقلو.
فهذه القضية لا يمكن تجاوزها بخطبة عن الجوع والعطش، ولا يجوز أن تصبح السيادة موضوعاً انتقائياً؛ تُستحضر عند الحاجة وتُغيب أمام الأسئلة الكبرى. من يرفع شعار الوطنية عليه أن يضع مواقفه من التدخلات الخارجية ودعم المليشيا أمام الناس، لا أن يختار جركانة موية ويترك الفيل في الغرفة.

□ أما أنتم، ومن معكم في صمود وتأسيس، فبأي صفة تريدون العودة إلى المشهد؟ وبأي مشروع؟ وبأي رصيد سياسي؟ هل تظنون أن ذاكرة الناس اتصفت، وأن الدماء والتضحيات يمكن تجاوزها بمجرد تغيير اللافتات وتبديل أسماء التحالفات؟ السودان ما بيتكم الخاص عشان تغيبوا منه وترجعوا متى ما حانت لكم الفرصة، ولا كراسي السلطة إرث محفوظ تنتظرون استرداده.

□ الدولار ما بصنع وطنية، والمنابر ما بتمنح صكوك الشرف، والحديث عن المواطن ما بمسح مواقف الأمس. لا تظنوا أن تغيير نبرة الخطاب سيجعل الناس تنسى الأسئلة القديمة.
من أراد أن يتحدث باسم السودانيين فعليه أن يواجه أسئلتهم، لا أن يهرب منها إلى عبارات محفوظة عن الخبز والماء. المواطن ما ساذج، وما كل ما يسمع زولاً يتحدث عن معاناته ينسى بقية الحكاية.

□ وقسماً برب السماوات والأرض، لو أكلنا صفق الأشجار فلن نوالي غير القوات المسلحة. هذه ليست عبارة للاستهلاك العاطفي، ولا موقفاً يتبدل بتبدل الظروف. القوات المسلحة رمز عزتنا وكرامتنا، ومؤسسة الدولة التي نقف معها في معركة الدفاع عن السودان. لن ترهبنا المسيّرات، ولن تهزنا الحملات الإعلامية، ولن نبيع موقفنا مقابل دولار أو منصب أو رضا عاصمة أجنبية.

□ نحن نريد دولة قوية مستقرة، ونريد أن يعيش المواطن آمناً كريماً، ونريد أن تعود الحياة إلى المدن والقرى، لكننا لا نقبل أن يكون ثمن ذلك التنازل عن القوات المسلحة أو فتح الباب مجدداً أمام مليشيا آل دقلو وواجهاتها السياسية. معركتنا ليست مع رغيف أو جركانة ماء، وإنما مع مشروع يستهدف الدولة، ويريد أن يجعل السودان ساحة لمصالح الآخرين.

□ وقبل أن تنصّب نفسك ناطقاً باسم السودانيين، تذكّر أن لهذا الشعب ذاكرة، وأن السيادة لا تُستعار من العواصم، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد التصريحات. ضعوا الوقائع على الطاولة، وأجيبوا عن الأسئلة الثقيلة، ودعوا السودانيين يميزون بأنفسهم بين من يخاطب عقولهم ومن يحاول استثمار اسمهم. السودان أكبر من منابر المزايدة، وأعظم من تحالفات تبحث عن العودة السياسية.

□ ولهوامش السيادة كلمة

نحن مع القوات المسلحة، ومع وحدة الدولة وسيادتها، وضد مشروع مليشيا آل دقلو وكل من يسعى إلى إعادة تدويره سياسياً. قد تختلف الحسابات، وتتغير التحالفات، وتتبدل اللافتات، لكن هناك حقائق لا تتغير: الوطن ليس للبيع، والقوات المسلحة ليست للمساومة، وكرامة السودانيين ليست سلعة في سوق السياسة. نأكل صفق الشجر ولا نبيع موقفنا، نعبر المحن ولا نفرّط في عزتنا، أما أبواب العودة السياسية لمن راهنوا على مشروع المليشيا، فلن تفتحها خطبة عن الخبز، ولن تشتريها دموع المنابر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى