علم الدين عمر يكتب: النور حمد وباقي العملاء.. حين تسقط آخر أوراق التوت!

حاجب الدهشة

سحابة نهار الأمس أنشغلت الوسائط بتسجيلين من مصدر واحد.. اتفق صاحبيهما علي الإحتفاء بضرب محطات الكهرباء والمياه ومحاولات إخضاع الشعب السوداني وتهجيره وتدمير منشآته المدنية وبنيته التحتية.. إنها مفارقات المشهد السوداني في أبشع صورها وأكثرها انكشافاً.. أن يبلغ ببعضهم العداء لبلادهم وشعبها درجة الإحتفاء بتدمير المنشآت التي تقوم عليها الحياة.. والتعامل مع ضرب الكهرباء والمياه وكأنه انتصار سياسي يستحق التهليل والتبشير.. والأغرب أن يصدر ذلك عمن يزعم أنه مفكر.. أو صاحب مشروع.. أو علي الأقل يحمل هم التغيير والتحرر!..
أي انحدار هذا الذي يجعل الإنسان يتعامل مع دماء أهله وأشلاء شعبه بهذه الإستخفاف؟ وأي عمالة سياسية تلك التي لا تجد حتى الحد الأدنى من الحرج في تبرير استهداف مقومات الحياة.. ما دام المستهدف هو السودان الذي يختلفون معه حوله؟!..
المدعو خالد محي الدين تحدث عن خروج محطتي الدبة وأبو حمد من الخدمة.. محتفياً.. متشياً يعلو وجهه البائس البشر واضعاً الأمر في سياق معركة التحرير التي تقودها مليشيا الدعم السريع وحلفائها وداعميها ومرتزقتها من كل جنس ولون.. من الذين حاولوا إبادة شعب المساليت في غرب دارفور وأرتكبوا المجاذر والتطهير العرقي في الخرطوم والجزيرة والفاشر وكردفان.. أما البائس الذليل.. النور حمد فقد ذهب للطرف الآخر من المشهد.. متهماً الدولة نفسها بتخريب شبكة الكهرباء..
يا للمفارقة! أحدهما يحتفي بالتخريب ويمنحه صفة التحرير.. والآخر ينكره ويلقي به على خصومه.. وكلاهما لا يبدو معنياً بالحقيقة بقدر اهتمامه بتوفير الغطاء السياسي لموقفه.. وأولياء نعمته الجدد.. وبينهما يقف المواطن السوداني في مواجهة الظلام والعطش وتعطل المستشفيات وانهيار الخدمات.. وكأن حياته مجرد تفصيل صغير في حساباتهم..
هل أصبح استهداف محطات الكهرباء والمياه مدعاة للاحتفاء؟ وهل صار حرمان ملايين السودانيين من أبسط مقومات الحياة بنداً في أجندة التحرير؟ وأي تحرير هذا الذي يستهدف الإنسان قبل أن يستهدف السلطة؟
إنها ليست مجرد مفارقات خطابية..إنها تجليات لوجه كالح من أوجه المؤامرة على السودان وشعبه وأرضه ودولته..حتى لو كان الثمن أن يدفع الشعب كله فاتورة هذا الجنون..وهذه العمالة..
والأخطر أنهم لم يعودوا يكلفون أنفسهم عناء إخفاء مواقفهم.. فقد أسقطت تصريحاتهم آخر أوراق التوت عن عورات خطابهم السياسي والأخلاقي.. لم تعد الشعارات كافية لإخفاء الحقيقة.. ولا الحديث عن الحرية والديمقراطية قادراً على ستر هذا التناقض الفاضح بين ما يقولونه وما يبررونه على أرض الواقع..
إن استدعاء مقولات هالكهم المرتد.. محمود محمد طه أو الاحتماء بمرجعيات فكرية وسياسية أخري..لن يغير من حقيقة أن استهداف المنشآت المدنية جريمة لا تسقط لا بالعفو ولا غيره..ولا يمكن التسامح معها عبر نفاجات السياسة وابوابها الصدئة.. وأن تبريرها لا يقل خطورة عن الصمت عليها..فالمفكر الحقيقي لا يتراقص على جراح شعبه.. ولا يحول مآسي أهله إلى مادة للمكايدة السياسية.. ولا يطلب من الناس أن يروا في الظلام نوراً لمجرد أن خصومه هم من يتولون إدارة البلاد..
الواضح أن استعجال هذه الأصوات وانكسارها في مواجهة تحولات المشهد قد كشفا حجم المأزق الذي تعيشه..فقد راهنوا على سقوط الدولة.. واستعجلوا نهايتها.. واعتقدوا أن الطريق إلى العودة يمر علي أنقاضها.. لكن حساباتهم اصطدمت بإرادة شعب يرفض أن يكون وطنه قرباناً لمشروعات الآخرين.. وبواقع لم يأتِ على مقاس أحلامهم ولا رهاناتهم..
أما السلطة والحكم، وحتى العودة إلى العيش في هذه البلاد..فقد أصبحت بعيدة المنال عن أحلامهم.. وكأنهم فارقوا السودان فراق (الطريفي لجمله)..بلا عودة..ولا أمل.. ولذلك لم يعودوا يرون في إضعاف الدولة خسارة وطنية.. إنها فقط محاولة أخيرة لإرباك المشهد والإنتقام من واقع لم يعودوا جزءاً منه ولا يملكون حتي مفاتيح الرجوع عنه..
السودان ليس ملكاً لمن يحكمونه اليوم.. ولا لمن يطمحون إلى حكمه غداً.. إنه ملك لشعبه.. ومن حق هذا الشعب أن يحمي مؤسساته ومرافقه ومقدراته.. وأن يرفض تحويل حياته إلى رهينة في صراع السلطة..
المطلوب ليس الاكتفاء بإدانة هذه المواقف.. المطلوب فعلاً التحقيق الجاد في عمليات استهداف المنشآت المدنية.. وكشف الجهات التي خططت ومولت ونفذت وحرضت.. ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام قضاء عادل.. وعدالة ناجزة وسريعة.. دون حصانة سياسية أو اجتماعية أو فكرية.. فلا سحب للجنسية بقرار انتقامي..ولا إفلات من العقاب بذريعة الانتماء أو الرأي..
إن معركة السودان اليوم تجاوزت فرضية استعادة الأرض وحدها.. إنها معركة استعادة الوعي والضمير الوطني أيضاً..
الذين يتراقصون على جراح الشعب.. ويحتفون بضرب مسيرات العمالة والإرتزاق لمنشآت الدولة وخدمات الشعب لا يحتاجون إلى من يكشفهم.. لقد تكفلوا بذلك بأنفسهم..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى