غوتيريش في “صالة المغادرة”.. فحص الأداء الأممي في حرب السودان..

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولولا “الاستفزاز” السافر الذي نطق به الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تصريحاته الأخيرة بخصوص السودان، لما كان من الضروري على الإطلاق أن نتناول أدوار المنظمة الدولية وأمينها العام في السودان.
هنا، وقبل أن نمضي إلى مسألة فحص الأداء الأممي في حرب السودان المستمرة طيلة سنوات الولاية الثانية لأمين عام المنظمة الدولية، لا بد لنا من إجراء فحص اللغة على تصريحاته الأخيرة في سبتمبر الحالي، مع ما جاء على لسانه عن الحرب نفسها في يونيو ٢٠٢٣م، أي بعد شهرين من اشتعالها، حيث قال وقتها: “إن السودان يغرق في الموت والدمار بسرعة غير مسبوقة، ودعا إلى وقف القتال وحماية المدنيين”، وعاد بعد ثلاثة أعوام في تصريحاته ليحمّل السودانيين أنفسهم المسؤولية عن ذلك.
يسقط بامتياز السيد/ أنطونيو غوتيريش لو أننا أجرينا الاختبار بين الإدانات الأممية الصادرة من مكتبه وتحمل توقيعه، وبين الأدوات المتاحة لمنظمته الدولية لتحريك ساكن الحلول فيها، كحال سقوطه وسقوط أدوات منظمته التي يغادر مقعد الأمين العام فيها في ٣١ ديسمبر القادم، ونهاية ولايته الثانية، وسجل الدورة المنتهية ملطخ بدم الضحايا المدنيين في السودان وغزة وغيرها من بؤر الصراع المشتعلة في العالم، ووقف ووقفت منظمته مكتفية بدور المتفرج الذي يشجب ويدين.
(*) غوتيريش.. من يحاسب من؟
التصريحات التي أطلقها السيد/ غوتيريش في ١٦ سبتمبر الجاري، وحمّل فيها السودانيين مسؤولية ما يحدث، نردها عليه لنسأل إن كان هو بذلك الاتهام يتنصل من مسؤولية “الدم” السوداني الذي يسيل طوال سنوات ولايته الأخيرة، أم أنه وبتلك اللغة يريد أن يقول بأن المشكلة كلها أن الأطراف السودانية بكل أشكالها لم ترعوِ لكمية التحذيرات الدولية التي أطلقها وأطلقتها المنظمة الدولية، أم أن المشكلة الآن في غياب القدرة السياسية والإرادة الدولية لتحويل هذه التحذيرات الدولية إلى إجراءات توقف الحرب وتحمي المدنيين؟
والإجابة بالضرورة لا تتناطح عليها عنزتان، بأن المنظمة الدولية على يده ويد من سبقوه لم يعد لها أي لزوم لأداء الأدوار المناطة بها، وتمت الإشارة إليها في ميثاق التأسيس ووقّعت عليه الأمم.
نعق “بوم” التصريحات الأممية الصادرة من منظمة الأمم المتحدة بتاريخ ٢٤ أبريل ٢٠٢٣م، محذرًا مجلس الأمن من أن القتال في السودان قد يقود إلى كارثة تتجاوز حدود البلاد، وطالب بوقف العمليات العسكرية في المناطق المكتظة بالسكان وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم في المناطق التي تشهد النزاع، وأردف بالقول في ٢٥ أبريل من ذات العام، واصفًا استمرار الحرب بأنه خطر يصعب تحمله، ودعا أطراف الصراع إلى إسكات البنادق في السودان، وكان ذلك بمثابة التحذير المبكر من خطر انفلات الأوضاع في السودان.
لم تُجدِ التحذيرات المبكرة التي أطلقها الأمين العام بخصوص الحرب في السودان، وصار من المؤكد في كل التجارب التي عاشتها شعوب العالم بأن التحذيرات والشجب والإدانة والتعبير عن الخوف هي أول وآخر أدوات المنظمة الدولية وآخر قدراتها، وما من أحد الآن لا يعرف بأن القرار الدولي والإجراءات “مختطفة” بالكامل لإرادة دول بعينها، وهي التي “تربط وتحل” في الأزمات الدولية، وهي التي تسبق المنظمة الأممية بركعات وضربات التدخل المباشر في الأحداث، دون أدنى اكتراث لوجود منظمة دولية معنية بالأمر والقرار.
بقيت التحذيرات التي أطلقها غوتيريش مبكرًا بخصوص الحرب في السودان في مكانها، ولم تتحرك إلى خارج صندوق العجز الدولي، ولم تتحول إلى إجراءات وقائية دولية تحول دون انتقال نار الحرب إلى الإقليم ودول الجوار.
أكثر غوتيريش من التصريحات والرسائل في بريد الأطراف المتحاربة، دون أن يلقي لها أحدهم بالًا، بسبب اليقين بأن وجود المنظمة الدولية وجود “ديكوري”، وجزء من “الوجاهة” التي يطمع المجتمع الدولي في أن يراها العالم الثالث.
جرى التعامل مع خطر تحول الحرب في السودان إلى حرب إقليمية بنوع من الكسل الأممي، إلى أن صارت تهديدًا يستوجب إجراءات ملموسة لا تمتلك المنظمة قرار تحريكها واستخدامها.
التحذيرات هي ذروة سنام مجهودات المنظمة الدولية في موضوع السودان، وهي بالضرورة لم تصنع وقفًا لإطلاق النار يسمح لأرواح المدنيين في السودان بأن تسلك طرق النجاة بأرواحها، ولم تفتح لهم أبواب المعابر الإنسانية لدخول المساعدات لتنجيهم من ويلات الجوع والمرض.
في تصريحاته الأخيرة غير المسؤولة حول استمرار الصراع والحرب في السودان، قدّم انقسام السودانيين كمبرر للتدخلات الخارجية في الصراع السوداني، والأسباب بالضرورة معلومة، فالأمين العام للمنظمة الدولية لا يريد التفريط في رضا الدول العظمى، ولا يريد أن يستعدي عليه الدول صاحبة القرار، كما أنه لا يريد الاعتراف صراحة بالسلوك المخالف لكل عهد دولي للعديد من دول الجوار والإقليم.
التعميم الذي استخدمه غوتيريش في تصريحاته الأخيرة، وقوله بأن “السودانيين” هم من يتحملون مسؤولية استمرار الحرب، هو تعميم لغوي يعاني من الاختلال، إذ لم يُعرف من هم السودانيون الذين يقصدهم تصريح الأمين العام، وكيف جاز لأمين عام المنظمة الدولية أن يقول ذلك ليساوي بين من يملك قرار الحرب ومن لا يملك القرار؟
غوتيريش نفسه يقر في تصريحه المتناقض الأخير بالأدوار الخارجية في استمرار النزاع والحرب، فكيف جاز للأمين العام في المنظمة الدولية توزيع المسؤولية بين الأطراف الداخلية والدول التي توفر السلاح والتمويل والدعم السياسي بالتساوي؟ وذلك لأن العقل السليم يقول بأنه ليس كل سوداني طرفًا في الحرب، وليس كل من يحمل الجنسية السودانية شريكًا في قرار إشعالها، فحين تتحدث الأمم المتحدة، ممثلة في أمينها العام، عن مسؤولية السودانيين، يصبح واجبها أن تميز بين صانع القرار العسكري والفاعل السياسي والضحية المدنية، بدلًا عن أن تضع الجميع في سلة واحدة.
نحن لن ننسى الحضور المتأخر لأمين عام المنظمة الدولية غوتيريش، وتوقيعه في دفتر حضور إدانة تدفقات السلاح من الخارج لتأجيج الصراع بين السودانيين، وأنه ليس كافيًا للاعتذار عن هذا التأخير بذكر التدخلات الخارجية في حرب السودان في التصريحات الأخيرة، وهو الذي صرّح في فبراير وأبريل من العام ٢٠٢٤م قائلًا بأن تدفق الأسلحة إلى السودان يزيد من معاناة المدنيين، وهم من يدفعون الثمن الأكبر في الحرب، وأن الحرب تسببت في أزمة نزوح واسعة وانتهاكات جسيمة يدفع تكلفتها الشعب السوداني.
ولا نعلم حتى الآن إن كان ما جاء في تصريحاته الأخيرة بخصوص التدخلات الخارجية هو اكتشاف متأخر للمنظمة الدولية، أم هي “فجعة الموت” مع اقتراب موعد مغادرة الأمين العام للمكاتب الفاخرة في نيويورك.
المنظمة الدولية لديها المعارف والإمكانيات التي تمكنها من اكتشاف أن حربًا كالتي تدور في السودان بوحشيتها تلك وتكاليفها الكبيرة لا يمكن أن تُدار بالقدرات المحلية وحدها، ولكنها كانت شريكًا يتستر على تهم الإمداد الخارجي بالسلاح لتأجيج الحرب في السودان.
قرأنا التصريح الذي أطلقه السيد الأمين العام بخصوص التدخلات الخارجية في حرب السودان، إلا أننا كذلك لم نرَ أسماء الأطراف المتورطة في جدول العقوبات الدولية التي يصدرها وينفذها مجلس الأمن، وبالتالي على الأمين العام أن يعرف بأن حبر بيانات الشجب والإدانة والتصريحات على ورق الحرب لا يساوي المثقال، وظل الحديث المكرر على لسانه عن المساءلة مرتبطًا بالتصريحات العامة أكثر من ارتباطه بآليات إنفاذ واضحة للقانون الدولي.
المنظمة الدولية في شهر سبتمبر ٢٠٢٦م الجاري قررت عبر مجلس الأمن تمديد قرار حظر الأسلحة الجزئي الخاص بدارفور لمدة شهر، بينما كانت مناقشات تجري بداخلها بشأن مقترح تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان، ومجرد المناقشة في هذا الموضوع يعني أن هنالك إدراكًا لخطورة الإمداد الخارجي بالسلاح لحرب السودان، وهذا بمثابة الاعتراف بخطورة تدفق الأسلحة، وإذا ما قارناه بقدرة مجلس الأمن في المنظمة على فرض قيود أوسع على هذه الأطراف، سنجد بأن النتيجة هي صفر كبير. وإذا ما كانت المنظمة الدولية وأمينها العام يعلمان بأن تدفق الأسلحة الخارجية عامل مؤثر في استمرار الحرب في السودان، فهل تكفي المطالبة بمساءلة الدول الموردة لإيقاف ذلك، أم أن حماية المدنيين تتطلب إجراءات تتجاوز لغة المناشدات والترجي الكسولة من أمين عام يقف على أعتاب بوابات المغادرة؟
جرد الحساب الدولي لولاية غوتيريش بخصوص ما يحدث في السودان يقول بأنه ظل يتفرج ويطلق التعليقات على مجهودات الوساطة الدولية في جدة وجنيف والاتحاد الإفريقي والرباعية والخماسية، كمبادرات تفرق فيها الدم السوداني، بينما المسؤولية الأصيلة في ذلك تبقى معلقة على رقبة المنظمة الدولية التي يتولى غوتيريش أمانتها العامة لولايتين متتاليتين، دون أن يصنع إنجازًا يكتبه له التاريخ في صفحة أيامه الأخيرة.
نعم، كانت أي مبادرة تنطلق بخصوص الحرب والأوضاع في السودان بمثابة رصاصة يتم إطلاقها على صدر المنظمة الدولية لتكشف تنصلها من مسؤولياتها المباشرة في حرب تدور في السودان، وأنها لم تقم حتى بالدور الصغير في التنسيق بين كل هذه المبادرات وصناعة طريق واحد يؤدي لسلام مستدام في السودان.
مع كل هذه المبادرات، فإن تصريحات غوتيريش فيها إقرار صريح بعدم إحرازها أي تقدم إيجابي، وهذا أمر لا نعتبره أمرًا خارقًا أو اكتشافًا لمجرة جديدة في هذا الكون، لأننا كنا نتوقع أن نسمع من السيد الأمين العام شيئًا جديدًا عن تغييرات في استراتيجية المنظمة الدولية حيال الأوضاع في السودان، وهذا ما لم ولن يحدث لضعف الأمين العام وضعف المنظمة نفسها.
غوتيريش، صاحب التصريح المستفز بتحميل السودانيين مسؤولية ما حدث، كان هو في ٢٠٢٤م من وصف الأحوال في السودان بالكارثة الإنسانية المتفاقمة، وهو الذي يعلم بأن موضوع “حماية المدنيين” هو من صميم المهام المطلوبة من المنظمة الدولية، والإيمان بضرورة الحماية من أهم شروط الترشح للمقعد الذي يجلس عليه الآن، ومع ذلك لم ينتقل غوتيريش من نقطة توجيه “الدعوات” بعيدًا عن التحقيق والمساءلة واستخدام الضغط الدولي، على الرغم من علمنا بأن القيود المؤسسية على صلاحيات منصبه لا تمنع تحليل وتقييم مدى استخدامه لأدواته السياسية والدبلوماسية والإنسانية، ومدى الضغط الذي كان من الممكن أن يمارسه لتعبئة وتحريك الأدوات الأكثر فعالية في حماية المدنيين.
في خانة العاجز توقف الأمين العام للمنظمة الدولية/ أنطونيو غوتيريش حيال التعهدات الدولية في مؤتمر جنيف ٢٠٢٣م، والذي أُعلن فيه عن الحاجة لمبلغ ٣ مليارات دولار، ارتفعت إلى ٦ مليارات دولار في بدايات العام ٢٠٢٥م، لتحقيق الاستجابة الإنسانية للأوضاع في السودان. والمأساة ليست في أن الأمم المتحدة تعقد مؤتمرات عديدة لجمع الأموال لسد الفجوات في الإطار الإنساني، بل في أن استمرار الحرب يجعل المؤتمرات تتكرر كما هو في الحالة السودانية، بينما يتراجع الأمل في قدرة المجتمع الدولي على تحويل التعهدات إلى حماية وإغاثة مستدامة.
تنتهي ولاية غوتيريش كأمين عام للمنظمة الدولية في ٣١ ديسمبر القادم، لتبدأ ولاية أمين عام جديد للمنظمة في الأول من يناير ٢٠٢٧م، دون أن يترك غوتيريش لخلفه أي ورثة تستند إليها سياساته تجاه الأوضاع في السودان، إذ لا سياسات واضحة للحلول ولا أدوار حقيقية للمنظمة يمكن استكمالها، فالموجود كله عبارة عن “رزمة” أوراق عليها بيانات إدانة وشجب وتحذيرات، بينما لا نتائج في المهام المطلوبة على مستوى وقف إطلاق النار أو الاستجابة الإنسانية وإدارة العملية السياسية، إذ إن الفكرة المركزية في قياس وتقييم ولاية الأمين العام أنطونيو غوتيريش ليست بعدد بيانات الشجب والإدانة والتحذير التي أصدرها، وإنما تُقاس بمدى قدرته على تحريك منظومة دولية تملك وسائل التأثير، وبما إذا كان السودانيون قد وجدوا في تلك المنظومة حماية ملموسة وعدالة ومسارًا قابلًا لتحقيق السلام المستدام.



