“خناق اقتصادي يهدد عروس الرمال” 

“شهادات حية: التسوق معركة خاسرة” 

سوق أبوجهل… صرخة التجار”

قفزة قياسية في أسعار “قفة الملاح”

​حي كريمة شمال.. معاناة ربات البيوت مع الغلاء

——

​لا تحتاج إلى ميزان دقيق لتشعر بوطأة الحال في أسواق مدينة الأبيض؛ ففي ملامح المارة ونظراتهم الحائرة أمام “طبالي” التجار، تُقرأ تفاصيل قصة مدينةٍ كانت حتى الأمس القريب تتباهى بلقب “عروس الرمال” بفضل ريادتها وتجارتها، لكنها اليوم تجد نفسها في مواجهة مفتوحة ومؤلمة مع موجة غلاءٍ قياسية تنهش ما تبقى من قدرة المواطن على الصمود. لم يعد الأمر مجرد ارتفاعٍ في أسعار السلع، بل تحول إلى “إعصار” يضرب استقرار الأسر، ويُعيد صياغة يوميات المدينة تحت ضغط الحاجة المستمرة وارتفاع تكاليف المعيشة. إنها حالة من الترقب والحيرة تسيطر على الشارع، حيث أصبحت “قفة الملاح” التي كانت تمثل رمزاً للكفاية والاستقرار الأسري، هماً يؤرق الليالي ومطلباً يصعب بلوغه، في ظل تقلبات اقتصادية عنيفة، تزامنت مع سياسات ضريبية أثقلت كاهل التاجر والمستهلك على حد سواء، مما جعل من رحلة الذهاب إلى السوق عبئاً نفسياً ومادياً يهدد النسيج الاجتماعي والقدرة على البقاء في ظل ظروف بالغة الحرج.

 

تقرير – هيام المغربي 

لغة الأرقام

 

جولة “العودة” الميدانية في الأسواق لم تكن مجرد رصدٍ للأرقام، بل كانت توثيقاً لرحلة معاناة يومية يعيشها سكان المدينة. فمع مطلع يونيو الجاري، ومع كل فجرٍ جديد، تُفاجئ الأسعارُ المواطنين بقفزاتٍ تبتلع أحلامهم البسيطة؛ فكيلو السكر قفز إلى 5,000 جنيه، وكيلو الدقيق 3,000 جنيه، والعدس 6,000 جنيه. أما “قفة الملاح” التي كانت تمثل رمز الكفاية والاستقرار الأسري، فقد صارت اليوم عبئاً لا يُحتمل في ظل لحومٍ يغلي سعر الكيلو منها ليلامس 46,000 جنيه للضأن، و44,000 للماعز، و40,000 جنيه للعجالي الصافي.

 

معركة خاسرة

هذا الواقع المرير يلمسه المواطن سلمان صالح، الذي قال لـ”العودة” بمرارة: “لقد أصبحت عملية التسوق اليوم أشبه بالمعركة الخاسرة. نخرج إلى السوق بجيوبٍ لا تقوى على توفير أبسط المتطلبات، والأسعار في تبدل مستمر لا يمنحنا فرصة لالتقاط الأنفاس. نحن لا نطالب بالرفاهية، بل بلقمة عيش تحفظ كرامتنا في ظل هذا السباق الجنوني نحو الفاقة”.

خيارات مستحيلة

وفي ذات السياق، تجسد سهام محمد، ربة منزل تقطن حي “كريمة” شمال، معاناة الأسر في إدارة دفة البيت، حيث قالت لـ”العودة”: “أقف يومياً أمام خيارات مستحيلة، فأنا مضطرة للاختيار بين توفير وجبة أساسية لأطفالي أو تغطية احتياجات أخرى كالدواء أو التعليم. لقد أصبحت (قفة الملاح) هاجساً يؤرق ليالينا، فكل شيء ارتفع ثمنه بشكل لا يصدق، وباتت ميزانيتنا عاجزة تماماً عن ملاحقة هذا الغلاء الفاحش الذي جعل أبسط الوجبات حلماً بعيد المنال”.

 

وجع المواطن

داخل سوق “عبد الله بن مسعود”، (أبو جهل) حيث تزدحم الحكايات بالهموم، وقف أحد التجار يقلب بيديه بضائعه بأسى، وقال لـ”العودة”: “نحن لا نبيع سلعاً فقط، نحن نبيع وجع المواطن”. وأضاف بصوتٍ مخنوق: “التاجر اليوم حلقة وصلٍ بين نار الضرائب الباهظة وبين جيب المواطن الخاوي. الرسوم التي يفرضها ديوان الضرائب بالولاية لا ترحم، وتُرحّل إلينا ثم إلى المستهلك، حتى باتت السلعة تتضاعف قيمتها قبل أن تصل إلى المائدة”. وأشار التجار إلى أن التدهور المتسارع في سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية فاقم من حجم الفجوة.

قسوة الحصار والنزوح

​ولا يمكن قراءة أزمة الأسواق بمعزل عن ظلال الحرب الثقيلة التي أرخت سدولها على “عروس الرمال”؛ حيث أدى توقف سلاسل الإمداد الرئيسية وتدمير البنى التحتية للطرق إلى مضاعفة تكاليف الترحيل والنقل بشكل جنوني. لقد تحولت الحرب إلى “ضريبة إضافية” يدفعها المواطن من قوته اليومي، في وقت تزايدت فيه أعداد النازحين الذين ضغطوا على الموارد المحدودة بالمدينة، مما أدى إلى اختلال حاد في التوازن بين العرض والطلب، وجعل “معاش الناس” في مواجهة مباشرة مع خطر الانهيار الشامل في ظل غياب بدائل الإنتاج المحلي.

 

هذه الحيرة التي تعيشها مدينة الأبيض ليست مجرد أزمة غلاء عابرة، بل هي تآكلٌ حقيقيٌ للكرامة الإنسانية، وسط ضغوطٍ اقتصادية وسياسات ضريبية يراها التجار والمواطنون “خناقاً” على أنفاس المدينة، مما يهدد بهجرة رؤوس الأموال من “مدينة العروس”. وبين أرقام الأسواق ودموع المواطنين، تظل الأبيض تنبض بنبضاتٍ متسارعة وقلقة، بانتظار فجرٍ جديد يعيد للأسواق توازنها، وللإنسان هنا حقه في عيشٍ كريم. إنها قصة مدينة تكافح من أجل البقاء في ظروف اقتصادية بالغة الحرج، حيث يبقى الأمل معلقاً على اتخاذ قرارات تخفف من هذا الحمل الثقيل.

 

مخرج من الأزمة

​وفي قراءة للمشهد، يرى مراقبون اقتصاديون أن ما تشهده الأبيض نتيجة طبيعية لانهيار حلقات الإنتاج؛ حيث أدى الاعتماد المفرط على الجبايات إلى “حلقة مفرغة” دفعت الموردين لتقليص نشاطهم، مما خلق ندرة في السلع وتصاعداً في الأسعار، وهو ما يضع المدينة أمام خطر حقيقي يتمثل في عزوف التجار وهجرة رؤوس الأموال، مما سيفضي إلى ركود طويل الأمد يمس أمن المدينة الغذائي.

​ويرى خبراء أن الحل يكمن في مراجعة السياسات الضريبية الولائية، بالتوازي مع تفعيل الرقابة على الأسواق. فبدون إجراءات عاجلة لدعم استقرار سعر الصرف وتسهيل انسياب السلع دون رسوم إضافية مجحفة، ستظل “عروس الرمال” أسيرةً لموجات الغلاء، ما يستنزف ما تبقى من طاقة المواطنين على التحمل.

فصول معاناة

 

في ختام هذه الجولة الميدانية، تظل مدينة الأبيض عالقة بين مطرقة التضخم المتسارع وسندان السياسات الضريبية التي أرهقت أركان “عروس الرمال”. إن المشهد في الأسواق لا يعكس مجرد أرقام صعودية، بل يحكي فصول معاناة إنسانية عميقة بدأت تلمس بساطة الحياة اليومية وتهدد استقرار الأسر التي باتت تقاتل للبقاء. إن تآكل القدرة الشرائية وهجرة رؤوس الأموال ليست إلا نذير خطر يستوجب تدخلاً عاجلاً لإعادة التوازن المفقود. ومع ذلك، تبقى الأبيض كعادتها مدينة تنبض بالصبر والأمل، متطلعةً إلى غدٍ أكثر رحمة، حيث يستعيد المواطن حقه في العيش الكريم، وتعود لـ “قفة الملاح” توازنها، ولحياة أهلها طمأنينتها التي تستحقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى