غرب كردفان… “حرب المياه”

العطش يغتال الحياة في النهود: 150 قرية تواجه الموت بصمت

سعر البرميل يتجاوز 50 ألفاً والأهالي يشربون من “الآبار الآسنة”

شبح الكوليرا: المياه الملوثة “خيار المضطر

الجبايات مفروضة بقوة السلاح

 “طوارئ النهود” تحذر من كارثة إنسانية وارتفاع جنوني في أسعار المياه

صرخة من غرب كردفان: نداء لإنقاذ ما تبقى من إنسانية

 تقرير: هيام المغربي 

لم يعد العطش في محلية النهود ومناطق الخوي مجرد أزمة خدمات عابرة، بل تحول إلى كابوس وجودي يعيشه المواطنون تحت وطأة التدمير الممنهج لمصادر المياه وابتزاز الإدارات التابعة للدعم السريع، وفي تطور خطير للأزمة، كشفت غرفة طوارئ النهود عن خروج مساحات شاسعة من الخدمة المائية، مما يضع حياة الآلاف من المدنيين في مهب الريح.

 

150 قرية تواجه “العطش القاتل”

 

في تصريحات خاصة لـ”العودة”، أكد الناطق الرسمي باسم غرفة طوارئ النهود بولاية غرب كردفان، سليمان أبو حميد، أن مناطق شمال الخوي، بما في ذلك الريف الشمالي والشمال الشرقي والشمال الغربي، تشهد أزمة مياه حادة تهدد حياة المدنيين وتفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة. وأوضح أبو حميد أن الأزمة تعود إلى غياب مصادر المياه الجوفية والآبار المحلية في تلك المناطق، حيث كان السكان يعتمدون بشكل شبه كامل على آبار مدينة الخوي. ومع خروج آبار الخوي عن الخدمة ونضوب مصادر مياه الخريف الموسمية، وجد الريف الشمالي – الذي يضم نحو 150 قرية – نفسه في عزلة تامة عن أي مصدر آمن للمياه، مما أدى إلى كارثة إنسانية صامتة تتفاقم مع كل يوم يمر.

 

التدمير الممنهج: تفكيك “شرايين الحياة”

 

تتجاوز الأزمة مجرد انقطاع طبيعي للمياه؛ إذ تؤكد التقارير الميدانية أن عناصر من الدعم السريع قامت بعمليات تخريبية منظمة شملت نهب منظومات الطاقة الشمسية المشغلة للمحطات، وسرقة المولدات الكهربائية والوابورات الضخمة. وبحسب إفادة شهود عيان، لم تكن تلك السرقات عفوية، بل كانت عملية تفكيك كاملة للمحطات، في رسالة واضحة تهدف لتركيع السكان. وفي النهود، أدى خروج المحطات الرئيسية عن الخدمة إلى انتشار واسع لاستخدام المياه الملوثة، وهو ما يمثل وقوداً لعودة أوبئة فتاكة كالكوليرا، التي لم تتعافَ منها المنطقة بالكامل بعد.

اقتصاديات الأزمة: البرميل بـ 50 ألف جنيه

 

على صعيد المعاناة الاقتصادية، أشار سليمان أبو حميد إلى أن تكلفة الحصول على المياه بلغت مستويات “جنونية” تفوق القدرة الشرائية لأفقر الأسر، حيث وصل سعر برميل المياه في بعض القرى النائية مثل مناطق “المقيسمات” شمال الخوي، إلى نحو 50 ألف جنيه سوداني، وذلك بسبب كلفة النقل من مسافات بعيدة. وتتزامن هذه الأزمة مع ممارسات ابتزازية تقوم بها الإدارات المدنية التابعة للدعم السريع التي تفرض جبايات إجبارية باهظة على المواطنين بقوة السلاح، دون أن تخصص درهماً واحداً لصيانة الآبار أو توفير الوقود اللازم لتشغيلها.

 

شهادات حية: “الرحلة بين الموت والمرض”

 

يروي المواطنون تفاصيل مريرة لهذه المعاناة؛ حيث يقول (ع. م)، أحد سكان أحياء النهود: “لقد أصبحت رحلة البحث عن المياه رحلة بحث عن الحياة والموت في آن واحد. أطفالنا يمرضون بسبب تلوث المياه، والأسعار التي تفرضها المليشا هي ضريبة إضافية فوق ضريبة الحرب. إننا نعيش في حالة حصار دائم”

من جهتها، تشير (س. ح)، ربة منزل، إلى أن الأعباء المعيشية أصبحت لا تطاق: “كيف لأسرة فقدت كل مصادر دخلها أن تدفع 50 ألف جنيه للبرميل؟ المياه تحولت إلى سلعة لمن يملك المال، أما الفقراء فمصيرهم مياه الآبار الملوثة التي تهدد حياتهم بالخطر.”

 

نداء استغاثة: أوقفوا “سلاح العطش”

 

تختتم غرفة طوارئ النهود تحذيراتها بمناشدة عاجلة للمنظمات الإنسانية الدولية بضرورة التدخل الفوري لفتح ممرات آمنة، وتوفير الوقود، وقطع الغيار اللازمة لتشغيل محطات المياه المعطلة.

 

الصمت الدولي

 

ويشدد المتحدث باسم الغرفة على أن الصمت الدولي تجاه ما يحدث في غرب كردفان يمنح المليشيا ضوءاً أخضر للاستمرار في سياسة “التجويع والتعطيش” كوسيلة لتركيع السكان. إن الوضع الحالي يتطلب تدخلاً عاجلاً قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة صحية شاملة، حيث يمثل استخدام المياه كسلاح جريمة حرب مكتملة الأركان تستوجب المحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى