منى ابوزيد تكتب : دياليكتيك الدخل والإنتاج..!

هناك فرق..

“الكرامة لا تُصرف مع الراتب، لكنها قد تُجرح بسببه”.. الكاتبة..!

هناك من يعتقد أن الإنتاج قرار شخصي، وأن الموظف المجتهد سيظل مجتهداً مهما كان راتبه، وأن الكسول سيظل كسولاً ولو أغدقت عليه الأموال. وقد يبدو هذا صحيحاً حين ننظر إلى الأفراد، لكنه يصبح مضللاً حين ننظر إلى المجتمعات..!

 

فالأمم لا تُقاس بالاستثناءات، بل بما يحدث في المتوسط. وما يحدث في المتوسط أن الإنسان إذا شعر بأن مجهوده مُقدَّر، أعطى أكثر. وإذا شعر بأن ما يبذله لا ينعكس على حياته، بدأ يقتصد في عطائه كما يقتصد في نفقاته..!

 

الغريب أن كثيراً من المؤسسات تطالب موظفيها بالإخلاص، لكنها تنسى أن الإخلاص نفسه يحتاج إلى بيئة تحميه. فالضمير المهني قيمة عظيمة، لكنه ليس آلة لا تتأثر بالإحباط، ولا يعيش في فراغ بعيداً عن ضغوط الحياة. فالإنسان الذي يقضي يومه كله يفكر في إيجار المنزل، أو مصروفات المدرسة، أو ثمن الدواء، لن يستطيع أن يمنح عمله صفاء الذهن نفسه الذي يمنحه من يشعر بالأمان..!

 

ولذلك فإن الراتب ليس مجرد مبلغ مالي، بل هو لغة صامتة، كل مؤسسة تتحدث بها إلى موظفيها كل شهر. وحين يكون الراتب عادلاً فإن الرسالة التي تصل هي “نحن نراك، ونقدر ما تقدمه”. أما حين يكون هزيلاً إلى حد الإهانة، فإن الرسالة تصبح مختلفة تماماً “يمكن الاستغناء عنك، وعن تعبك، وعن حلمك”..!

 

ومن هنا تبدأ الخسارة الحقيقية. لا يترك الموظف مكتبه، لكنه يترك شيئاً من روحه فوقه. يحضر في الموعد، لكنه يغيب عن الفكرة. يؤدي الواجب، لكنه يتوقف عن المبادرة. لا يسرق المؤسسة، لكنه يحرمها من أفضل نسخة كانت يمكن أن يقدمها..!

 

المعلم الذي نحمّله مسؤولية صناعة المستقبل، ثم نطالبه بأن يبتسم وهو يحمل همَّ معيشته. والطبيب الذي يمضي ساعات طويلة في إنقاذ الأرواح، ثم يخرج باحثاً عن عمل آخر ليغطي نفقات أسرته. والموظف الذي يتقاضى أجراً لا يتغير منذ سنوات، بينما تتغير أسعار كل شيء حوله. هؤلاء لا تنقصهم المهنية، وإنما يستنزفهم الصراع اليومي بين الواجب والحاجة..!

 

وفي المقابل، لا يجوز أن نغفل الوجه الآخر للحقيقة. فهناك من يتقاضى راتباً كريماً، ومع ذلك يبخل بجهده، ويعتبر الوظيفة مجرد حضور وانصراف. وهذا لا يقل ضرراً عن ظلم المؤسسة لموظفيها. فالراتب حق، لكن الإتقان أمانة. ولا يمكن أن نبني مجتمعاً يطالب بالحقوق ويستخف بالواجبات..!

 

لهذا، فإن العلاقة بين الدخل والإنتاج ليست علاقة ميكانيكية، وإنما علاقة ثقة. حين تثق المؤسسة بالموظف، وتكافئه بعدل، فإنها تزرع داخله رغبة في رد الجميل. وحين يرد الموظف هذا العدل بإخلاص وإتقان، تتحول الوظيفة من عقد بين طرفين إلى شراكة في بناء المجتمع..!

 

لقد أثبتت التجارب أن الدول التي احترمت الإنسان قبل أن تطالبه بالإنتاج، لم تربح موظفين أفضل فحسب، بل ربحت اقتصادات أقوى. لأن الإنتاج لا يخرج من المصانع وحدها، بل يخرج أولاً من النفوس. والنفس لا تزدهر تحت شعور دائم بالغبن..!

 

إن العدالة في مقدار الأجور وفي موعد استلامها ليست ترفاً إدارياً، ولا بنداً في لائحة الموارد البشرية، بل هي فلسفة حضارية. فهي تقول لكل إنسان “إن ما تبذله له قيمة”. وما إن يصدق الإنسان هذه الرسالة، حتى يبدأ في تقديم ما لا تستطيع اللوائح أن تفرضه، ولا الكاميرات أن تراقبه، ولا العقوبات أن تنتزعه منه “الشغف”..!

 

ولعل أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي مؤسسة ليس شراء أحدث الأجهزة، ولا بناء أفخم المقرات، بل بناء إنسان يشعر كل صباح أن جهده ليس رخيصاً، وأن كرامته ليست بنداً قابلاَ للتخفيض..!

 

فالأوطان لا تنهض حين تطلب من الناس أن يعملوا أكثر، وإنما تنهض حين تجعلهم يؤمنون أن كل قطرة عرق تسقط منهم، ستعود إليهم عدلاً، وكرامة، وأملًا!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

/////////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى