توجه جديد حول المشتقات البترولية

خبير اقتصادي لـ “العودة”: القرار يحول الذهب من سلعة إلى أداة تمويل هيكلي

هيثم فتحي: القرار يقلص الطلب على العملة الصعبة ويخفف الضغط 

البنك المركزي يستطيع من خلال هذه الآلية تكوين محفظة واحتياطي من الذهب

——

الخرطوم- عماد النظيف 

في خطوة استراتيجية حاسمة تهدف إلى إحكام السيطرة على حركة النقد الأجنبي وتنظيم عمليات استيراد السلع الاستراتيجية، أصدر بنك السودان المركزي توجيهاً نوعياً يضع ضوابط صارمة للشركات العاملة في قطاع المشتقات البترولية، حيث أصبح لزاماً على الشركات الراغبة في الحصول على “شهادة عدم الممانعة” تقديم ضمان عيني يتمثل في إيداع 200 كيلوجرام من الذهب عيار 21. هذا القرار الذي أصدرته السيدة آمنة ميرغني حسن التوم، محافظ البنك المركزي، أحدث حالة من الجدل الواسع في الأوساط الاقتصادية والمهنية؛ ففي حين تراه السلطات النقدية خطوة جوهرية لضبط الميزان التجاري، وحماية العملة الوطنية من التلاعب في السوق الموازي، وتجاوز حقبة الضمانات الورقية غير الموثوقة، تقابله الشركات المستوردة بمزيج من الترقب والقلق، إذ بينما يرى فريق منهم أن الإجراء يعزز الموثوقية ويفرز الشركات الجادة، يحذر فريق آخر وعدد من المنتقدين من تبعات سلبية قد تفضي إلى تجميد السيولة، ورفع التكاليف التشغيلية، وخلق حواجز تعجيزية قد تؤدي لاحتكار السوق، مما يضع المشهد الاقتصادي أمام تحدٍ جديد يوازن بين الرغبة في الرقابة المالية الصارمة والحاجة إلى استدامة تدفق الإمدادات البترولية دون إثقال كاهل السوق.

أبرز نقاط القرار

 

حدد البنك المركزي في قراره الجديد معايير فنية دقيقة لضمان تنفيذ الإجراءات، حيث يتوجب على الشركات إيداع 200 كيلوجرام من الذهب عيار 21 لدى مصفاة السودان للذهب، كما لن تُصدر شهادة عدم الممانعة إلا بعد وصول إفادة رسمية من مصفاة السودان للذهب تؤكد إتمام عملية الإيداع. ويسري القرار بأثر فوري على كافة طلبات الاستيراد المقدمة عبر منصة “بلدنا” التابعة لوزارة التجارة، في حين أقر البنك المركزي تفعيل آلية ربط إلكتروني وتنسيق مباشر بين وزارة الطاقة والنفط ومصفاة السودان للذهب لضمان سرعة التحقق من استيفاء الاشتراطات قبل الموافقة على طلبات الاستيراد. ويأتي هذا الإجراء لضمان التزام الشركات العاملة بضوابط الاستيراد المتبعة، وتعزيز الرقابة على التدفقات التجارية المرتبطة بقطاع الطاقة في السودان.

تحول جوهري

 

قراءة في الأبعاد الاقتصادية للقرار

وفي تعليقه على هذه الخطوة، يرى الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي أن القرار يمثل تحولاً جوهرياً في إدارة الموارد؛ إذ يقول إن القرار من الناحية الاقتصادية يُحول الذهب من مجرد سلعة تصديرية إلى أداة تمويل هيكلي، مما يقلص الطلب على العملة الصعبة في السوق الموازي ويخفف الضغط على سعر الصرف. وأضاف فتحي أن ربط الاستيراد بضمان الذهب يضمن التزام الشركات المستوردة للمشتقات البترولية بتنفيذ التزاماتها، ويُقلل من المخاطر الائتمانية على البنك المركزي مقارنة بالضمانات الورقية غير المغطاة، كما اعتبر الخبير أن هذا التوجه يمثل حافزاً لزيادة إنتاج الذهب لأن شركات الاستيراد سوف تسعى إلى تأمين الذهب عبر القنوات الرسمية، مما يُحسن إيرادات الضرائب.

 

الذهب كضمان وأداة للرقابة

 

وأشار فتحي إلى أن البنك المركزي يستطيع من خلال هذه الآلية تكوين محفظة واحتياطي من الذهب كضمانات، وهو مقياس حقيقي لمقدرات الشركات العشوائية التي تتلاعب بالعملة الوطنية في كل صفقة استيراد للمشتقات البترولية، مؤكداً أن استخدام الذهب كضمان يدل على جدية المستورد، فكون الذهب أصلاً معترفاً به عالمياً، فإن قبوله كضمان يعد خياراً آمناً لبنك السودان أيضاً.

 

استشراف الحلول الاستراتيجية

 

وفي ختام حديثه، شدد الخبير الاقتصادي على ضرورة أن تولي الحكومة صناعة تكرير البترول أهمية متزايدة في ظل التحولات الاقتصادية وضغوط الأسواق العالمية على أسعار الطاقة، داعياً إلى تعزيز كفاءة البلاد الإنتاجية من النفط وتقليل الاعتماد على واردات المنتجات البترولية، في إطار خطط استراتيجية تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، ودعم عائدات التصدير، ونقل بترول جنوب السودان لتخفيف الضغط على الميزان التجاري.

وأضاف فتحي أن من الحلول المتاحة إبرام عقود استيراد قصيرة ومتوسطة الأجل مع بعض البلدان العربية ذات الفائض في إنتاج النفط، والتي يمكن الاعتماد عليها لتوفير الزيت الخام اللازم لمصافي التكرير طوال العام بتسهيلات في السداد تصل لأكثر من ستة أشهر، بالإضافة إلى استغلال تراجعات أسعار خام “برنت” لاستيراد شحنات فورية كـ”مخزون استراتيجي” في مصافي التكرير بكل من بورتسودان، والجيلي، والأبيض. وأكد فتحي أن هذه القرارات الأخيرة تعتبر مؤشراً واضحاً للبدء في تنفيذ خطة لزيادة مشاركة القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات، وتحسين كفاءة إدارة الأصول العامة، بما ينسجم مع أهداف الإصلاح الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.

 

رؤية للمستقبل وتحديات المرحلة

 

يضع قرار بنك السودان المركزي قطاع استيراد المشتقات البترولية أمام مرحلة مفصلية تتطلب توازناً دقيقاً بين صرامة السياسات النقدية الرامية لحماية الاقتصاد الوطني، ومرونة الإجراءات التي تضمن تدفق الوقود دون انقطاع. وبينما تراهن السلطات على الذهب كضمانة سيادية تعيد ترتيب البيت الداخلي لهذا القطاع الحيوي، تظل الأعين شاخصة نحو مدى قدرة الشركات على التكيف مع هذه الاشتراطات، ومدى مرونة الحكومة في مراجعة الأثر الاقتصادي لهذه السياسة على المستهلك النهائي. إن نجاح هذه التجربة لن يقاس فقط بمدى القدرة على ضبط التلاعب بالعملة، بل بمدى نجاحها في تحفيز إنتاجية الطاقة المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، لتتحول الأزمة الراهنة إلى فرصة استراتيجية لبناء اقتصاد وطني أكثر صلابة واستقراراً في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى