الخرطوم وأنجمينا.. الحرب “بوصلة” العلاقات

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ومنذ ما يقارب العقدين من الزمان في تاريخ العلاقات بين السودان والجارة من جهة الغرب، تشاد، بدأت قصة جديدة للحرب التي صارت من بعد ذلك هي “البوصلة” التي تحدد اتجاهات العلاقة بين الخرطوم وأنجمينا، والتي لم يمثل “الدفء” الدبلوماسي أوقاتاً كثيرة في العلاقة بين البلدين.
الامتداد الطويل للحدود بين البلدين من الناحية الغربية للسودان والشرقية لتشاد، إضافة إلى التداخل “الديموغرافي” الذي تشكله القبائل المشتركة بين البلدين، بما يحمله من علاقات اجتماعية وانصهار ثقافي وتاريخي وارتباط المصالح الاقتصادية، إلا أن كل هذا لم يصنع بوصلة ثابتة وإيجابية في العلاقة بين البلدين. فعلى سبيل المثال، شكّل دخول قوات حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم في العاشر من مايو ٢٠٠٨م مدينة أم درمان واحداً من أكبر تحولات المواجهة بين الخرطوم والحركات المسلحة، وانتقال الحرب تحت لافتة “الذراع الطويلة” من دارفور إلى العمق في الدولة السودانية شكّل نقطة تحول كبيرة في العلاقة بين البلدين.
وكانت ردة الفعل الأولى للنظام الحاكم وقتها، بعد ٢٤ ساعة فقط من الهجوم، في ١١ مايو، والرصاص لا يزال يعلعل في شوارع أم درمان، هي أن قطع رئيس النظام وقتها زيارته للمملكة العربية السعودية، وإعلانه مباشرة تورط أنجمينا في توفير نقطة انطلاق للقوات المتمردة وقتها نحو العاصمة السودانية، وبالتالي إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وقتها لم يكتفِ السودان بهذا الإعلان، بل قام بتصعيد دبلوماسي كبير، حيث قام مندوبه لدى الاتحاد الأفريقي آنذاك السفير محي الدين سالم بتقديم مذكرة احتجاج رسمية لمفوض مجلس الأمن والسلم الأفريقي رمطان لعمامرة، وصف فيها ما حدث بأنه سيتعدى مسألة العلاقات بين البلدين إلى تهديد الأمن والسلم في الإقليم، متهماً بشكل صريح تشاد بالتورط في ما حدث. وعلى ضوء ذلك تم الإغلاق الشامل للحدود بين البلدين، وتسببت الإجراءات بين البلدين في إلغاء مباراة منتخبي السودان وتشاد المعلنة في تصفيات كأس العالم ٢٠١٠م.
وعندما تصل “الإشارة” الدبلوماسية الرسمية من الخارجية التشادية، في ما يخص خبر المصادر الدبلوماسية بإعلان أنجمينا إغلاق القنصلية السودانية في أبشي وإعلان القنصل وبعض من موظفيه أشخاصاً غير مرغوب فيهم، ربما سيتذكر السيد محي الدين سالم، وزير الخارجية الحالي ومبعوث السودان لدى الاتحاد الأفريقي إبان الأزمة الأولى في ٢٠٠٨م، وكاتب مذكرة الاحتجاج، بأن أنجمينا لم تنسَ له تلك الاتهامات، وأنها ومنذ ذلك الوقت ظلت تتربص الفرصة لرد التحية الدبلوماسية، لتقول إن السلطات السودانية لم تراعِ العرف الدبلوماسي عندما أرسلت وفداً من السجل المدني لاستخراج الأوراق الثبوتية للاجئين سودانيين في الأراضي التشادية دون إخطار وتنسيق مسبق يشرح طبيعة المهمة، بينما لم تبدِ الخارجية السودانية حتى الآن أي ردة فعل رسمية حيال هذا الإجراء.
(*) الحرب تعيد ترتيب الأولويات..
بالنسبة للخرطوم، بعد حرب أبريل ٢٠٢٣م وانتشار مليشيا الدعم السريع الواسع في إقليم دارفور، لم تخفِ اتهامها الصريح لأنجمينا بتوفير خطوط الإمداد لهذه القوات، بل وتوفيرها للمطارات لتلقي الدعم العسكري ونقل الجنود، لتصبح هي البوابة “الخلفية” لتغذية الحرب. ولم تستخدم الخرطوم في ذلك أي لغة دبلوماسية، بل وجهت اتهامها بشكل صريح وقالت إنها تملك كل الدلائل بأن نظام أنجمينا متورط تماماً في دعم التمرد.
بالمقابل، فإن أنجمينا، وبحكم الجوار والحدود وتأثر الإقليم بالمواجهات المسلحة بين القوات المسلحة والمليشيا، الأمر الذي أدى إلى حركة لجوء كبيرة من سكان مدن الإقليم إلى تشاد، وتشير تقارير منظمات الأمم المتحدة إلى أن تشاد وحدها تحملت العبء الأكبر من اللاجئين السودانيين جراء الحرب، كما ذكرت السلطات التشادية أخباراً عن تجاوزات عسكرية في الحدود بين البلدين، كما كانت قد أجرت تحقيقاً عالي المستوى بشأن ضرب مواقع داخل حدودها بطائرات مسيرة.
صارت الأولوية لدى الخرطوم هي إغلاق الحدود بين البلدين وقطع الإمداد اللوجستي للتمرد من البوابة الغربية، والذي صار يمثل بالنسبة لها شريان الحياة لاستمرار القدرة على القتال، بينما صارت الأولوية لدى أنجمينا هي تخفيف الأضرار الأمنية جراء الحرب والصراع المسلح على الإقليم المجاور للحدود السودانية، خاصة في ظل الهشاشة الأمنية وتصاعد أعمال المعارضة التشادية، إضافة إلى العبء الذي قالت تشاد إنها تتحمله بسبب تدفق اللاجئين السودانيين على أراضيها.
التنازع وتبادل الاتهامات والتصريحات بين البلدين بخصوص فتح وإغلاق معبر “أدري” الحدودي بين البلدين لإدخال المساعدات الإنسانية بطلب من منظمات الأمم المتحدة، إلا أن دخول هذه المساعدات لم يكن ليتقدم على الأولويات التي ذكرناها آنفاً بوضع الحدود بين البلدين في حالة تأهب واستعداد عسكري، وأن الحرب السودانية لم تعد شأناً سودانياً داخلياً، بل صارت هاجساً إقليمياً.
من المفارقات في علاقة الخرطوم وأنجمينا أن الحركات المسلحة التي كانت في يوم من الأيام هي بوصلة لعلاقة البلدين، باتهام الأولى للثانية بدعمها عسكرياً ضد النظام القائم وقتها، أن ذات الحركات الآن تصطف إلى جانب القوات المسلحة ضد مليشيا الدعم السريع، يد النظام الباطشة وقتها في دارفور، وها هي الآن لم تجد أفضل من أنجمينا لتقديم الدعم والمساندة، لأن الأولويات أيضاً قد تغيرت منذ مايو ٢٠٠٨م وأبريل ٢٠٢٣م.
كان من المتوقع أن يصلح عطار “الدبلوماسية” ما أفسدته “الحرب” بين البلدين، وأن يعاد ترتيب الأولويات في أجندة البلدين وفقاً لآثار الحرب الأمنية والاقتصادية والإنسانية، والتي بلا شك تشكل عبئاً على البلدين، وأنهما بحاجة إلى بوصلة جديدة تقرأ الاتجاهات الجديدة لعلاقات البلدين بما يخدم المصالح المشتركة.
تبدو أنجمينا واقعة تحت تأثير “المسغبة” في حالها الاقتصادي، والتي لا تجعل لها فرصة في لعب دور التوازن المطلوب دبلوماسياً في الموقف من حرب السودان، وهي تعلم علم اليقين بأن الخرطوم لن تنسى بسهولة ما حدث في حرب أبريل، وسيأتي اليوم الذي ستتوقف فيه الحرب، وستعيد ترتيب أولوياتها وفقاً لذاكرتها التي بنتها الحرب، ووفقاً لبوصلة المصالح في الإقليم.



