المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب:جذورنا التاريخية القديمة -الجزء الاول-٢

التمدد العسكري الفرعوني وحصون الشلالات(3100 – 1069 ق.م)
في محاولة مني لسبر أغوار تاريخ السودان القديم و تمليك الأجيال القادمة نبذة مختصرة عنه شرعت في كتابة هذه السلسلة و التي بدأتها بنظرة عامة للامبراطورية العملاقة (كوش) في جزء اول ممتد ، إذ وجدت من الضروري ربط هذه الإمبراطورية بالاسرات الخمس و عشرين التي حكمت مصر فالارتباط عضوي لا ينفك. و مؤكد هذه السلسلة لا تغطي التفاصيل التاريخية بالكامل و لكنها تمنح القارئ ملامح عامة تكفي للفهم و تحرض من يريد الابحار أكثر على البحث .
تحددت ملامح السياسة الخارجية للأسر المصرية القديمة تجاه النوبة وشمال السودان بناءً على الاحتياجات الاقتصادية والتأمين الاستراتيجي. ارتبط هذا النفوذ طردياً بقوة السلطة المركزية في شمال الوادي؛ فكلما شهدت مصر استقراراً سياسياً، تحركت جيوش الأسر الحاكمة جنوباً للسيطرة على طرق التجارة وتأمين تدفق الموارد الحيوية، مما جعل السودان القديم ساحة أساسية لترسيخ النفوذ العسكري والاقتصادي الفرعوني عبر العصور.
بدأ الاهتمام المصري بالمنطقة الجنوبية، التي قُسمت في النصوص القديمة إلى نطاقي “واوات” (النوبة السفلى) و”كوش” (النوبة العليا)، منذ العصر العتيق والدولة القديمة (الأسرات 1-6). تمحورت أهداف هذه الأسر المبكرة حول تأمين الحدود الجنوبية وضمان الحصول على الذهب، والأبنوس، والأحجار الكريمة. وتُشير الوثائق الأثرية، مثل حجر باليرمو، إلى أن الملك “سنفرو” مؤسس الأسرة الرابعةشن حملات عسكرية لتفريق التكتلات القبلية وتأمين محاجر ديوريت وتوشكى، تلتها بعثات استكشافية وتجارية منظمة قادها حكام أسوان، مثل “حرخوف” في عهد الأسرة السادسة، للوصول إلى الممالك الداخلية في عمق السودان الحاضر وتأمين طرق القوافل.
تغيرت هذه الاستراتيجية القائمة على البعثات التجارية في عهد الدولة الوسطى (الأسرتين 11-12) نتيجة ظهور “مملكة كرمة” كأول قوة إقليمية موحدة ومنظمة في شمال السودان. دفع هذا الكيان الصاعد ملوك الأسرة الثانية عشرة إلى تبني سياسة الضم العسكري المباشر؛ فقام الملك “سنوسرت الثالث” بتوسيع الحدود الإدارية لمصر حتى الشلال الثاني، وأمر بحفر قناة في صخور جندل أسوان لتسهيل عبور السفن الحربية، وشيد شبكة حصون دفاعية متكاملة، أبرزها حصنا “بوهين” و”سمنة”، لفرض رقابة صارمة على حركة الكوشيين ومنع عبورهم شمالاً إلا لأغراض تجارية مقننة.
خلال عصر الانتقال الثاني، استغلت مملكة كرمة تدهور السلطة المركزية في مصر وتفكك الأسرات (14-17) لتتوسع شمالاً حتى حدود أسوان، مستغلة وقوع الفراعنة بين فكي كماشة إثر احتلال الهكسوس للدلتا. ومع تأسيس الدولة الحديثة (الأسرات 18-20)، قاد ملوك الأسرة الثامنة عشرة حملات مضادة نجحت في تدمير عاصمة كرمة. وتوغل الملك “تحتمس الأول” بجيوشه حتى الشلال الرابع في عمق الأراضي السودانية، واضعاً اللبنة الأولى لإمبراطورية واسعة خضعت فيها بلاد كوش بالكامل للإدارة العسكرية والسياسية الفرعونية.
تحول السودان القديم في عهد الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة إلى مقاطعة تابعة للتاج المصري يديرها نائب ملكي مباشر يُلقب بـ “ابن الملك في كوش”. شهدت هذه الحقبة حركة تمصير واسعة شملت النواحي الإدارية والثقافية، وتمثلت في بناء مراكز دينية ضخمة للإله آمون في “جبل البركل” الذي اعتبره الفراعنة مقراً مقدساً. كما شيد ملوك الأسرة التاسعة عشرة، وعلى رأسهم “رمسيس الثاني”، معابد كبرى منحوتة في الصخر مثل أبو سمبل، وعمارة غرب، لترسيخ السيادة السياسية والروحية الكاملة لمصر على شعوب الجنوب.



