علم الدين عمر يكتب : ذكري إستشهاد خميس أبكر..الدماء التي وثقت الجريمة..

حاجب الدهشة..

قبل أسابيع قليلة من تمرد مليشيا الدعم السريع واندلاع الحرب كنت في عاصمة ولاية غرب دارفور مدينة الجنينة دار أندوكا ضيفاً على واليها ورئيس التحالف السوداني الشهيد خميس عبدالله أبكر..رفقة الزميلة الدكتورة زينب السعيد لتنفيذ دورة تدريبية في الإعلام التنموي لموظفي الإعلام بالولاية وخريجي كلية الإعلام بجامعة الجنينة..وكنا نقيم بحي الجبل بالقرب من قصر السلطان بحر الدين..وهناك بدأت تتكشف أمامنا مشاهد لم تكن تبدو عادية أبداً لكل مراقب..

كان المشهد يوحي بأن شيئاً كبيراً يجري ترتيبه في الظلام.. مجموعات جديدة تستقر في المنطقة.. وجوه لا تنتمي إلى النسيج الإجتماعي المعروف..مظاهر تسليح واستعراض قوة..وأحاديث هامسة عن تغييرات سكانية تتم برعاية مباشرة من مليشيا الدعم السريع..و(خندقة) واضحة لحميدتي وقادة المليشيا من أقربائه وبعض منسوبي الإدارات الأهلية من غير المكون المعروف لولاية غرب دارفور..عجبت يومها لتصرف السائق المكلف بمرافقتنا وهو من أبناء المساليت لأنه يتجنب دخول الحي بعد المغرب مهما كانت الأسباب..كان يترجل من السيارة ويسلمني المفتاح في أبعد نقطة ممكنة عن الحي إن حدث ذلك..ويقول إنهم يستهدفونهم علي الهوية وأن الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية لهذا السبب..

نقلت تلك الملاحظات للشهيد خميس.. إستمع لي بهدوء شديد..وبدا كمن يعرف أكثر مما يقول.. لم ينفِ شيئاً مما ذكرت ولم يتعامل معه كمبالغات وهواجس إعلامية.. أو مخاوف عابرة.. قال فقط إنهم يحاولون تأجيل المواجهة إلى أن تتمكن الدولة من ترتيب أوضاعها وتتعامل مع الخطر المتنامي بحكمة.. كان يدرك أن هناك مشروعاً يتجاوز النزاع محلي التقليدي أو الإحتكاكات القبلية العادية..كان الرجل يعلم أن ما يجري مصنوع بدقة بين يدي أمر عظيم قادم..

هم كذلك للأسف كانوا يعلمون أنه يعرف..

لذلك لدي قناعة راسخة أن إغتياله في الأيام الأولى للحرب لم يكن عملاً عشوائياً أو نتيجة جانبية للصراع..لقد كان هدفاً مباشراً.. مقصوداً لذاته..استدرجته قيادات المليشيا التي طالما أستضافها في منزله وتعامل معها بحسن نية..مدعية الصداقة والشراكة.. وما إن سنحت الفرصة حتى قتلته غدراً..ثم أرتكبت جريمة أكثر بشاعة حين مثلت بجثمانه وسحلته أمام الكاميرات وعلى مدى أيام وبمشاركة مكونات قبلية تضم نساء وأطفال في مشهد لا يمت للإنسانية أو القيم السودانية بصلة..

لم يكن المقصود قتل الشهيد فحسب..بل قصدوا إرسال رسالة رعب جماعية لكامل الشعب تقول إن كل من يقف في طريق مشروع التهجير والتغيير الديموغرافي سيكون مصيره الإبادة أو الإذلال.. ولذلك إرتبط إغتيال خميس عبدالله أبكر بسلسلة طويلة من الإنتهاكات التي أستهدفت مجتمع المساليت في غرب دارفور..وما تبعها من قتل جماعي وتهجير واسع النطاق وتدمير للقرى والممتلكات..

في الذكري الثالثة لتلك الجريمة.. لم تعد الصورة بحاجة إلى كثير من الشرح..ما حدث في الجنينة تكرر بأشكال مختلفة في ود النورة والسريحة والجزيرة والخرطوم والفاشر ونيالا ومناطق دار حامد بكردفان.. المنهج واحد.. والأدوات واحدة.. والضحايا في النهاية هم المدنيون السودانيون الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مشروع يقوم على العنف والإرهاب وفرض الوقائع بالقوة..

إن ذكرى إستشهاد خميس عبدالله أبكر ليست مناسبة لعرض (بوسترات) التذكير التي أغرقت الأسافير اليوم ..بل هي فرصة لتذكير السودانيين والعالم بأن الرجل قُتل لأنه كان شاهداً على مشروع تدمير الدولة السودانية وإبادة أهل غرب دارفور وتهجير من تبقي منهم..ولأنه رفض الإستسلام.. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي له لا يكون بإحياء الذكرى فقط.. بل بتوثيق الجرائم.. وكشف الحقائق.. وملاحقة المسؤولين عنها في كل المنابر الإقليمية والدولية..

لقد أرادوا أن يجعلوا من جثمان خميس رسالة خوف.. لكن السنوات أثبتت أن الرجل تحول إلى رسالة مختلفة تماماً..فقد رسخت مقاطع السحل والتمثيل في الذاكرة الإنسانية كدليل لا يمكن محوه أو العبث بمحتواه..مهما حاولت المليشيا وأذرعها السياسية والإعلامية طمس الحقائق والإدعاء بانها حادثة معزولة تمت أو تتم محاكمة مرتكبيها..أو ربما تصفية الضالعين فيها من القادة بشكل أو آخر..كل هذا لن يجدي فجريمة إغتيال الشهيد خميس وسحله والتمثيل بجثته تمت للتمهيد لإبادة جماعية كاملة بغرب دارفور..وثقوها بأنفسهم وتقع مسؤوليتها بالكامل علي عاتق المتمرد حميدتي وشقيقه وكل قادة المليشيا..

رحم الله الشهيد خميس وتقبله قبولاً حسناً وأعز السودان وشعوب السودان وقومية السودان بدمه الطاهر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى