منى ابوزيد تكتب : أحكام بلا سيقان..!

هناك فرق..
“المجتمعات الجريحة كثيراً ما تستبدل ميزان العدالة بميزان الغضب، فلا يبحث معظم أفرادها عن الحقيقة، بل يبحثون عن ما يؤكد ما قرروا تصديقه مسبقاً”.. الكاتبة..!
هناك فرق بين أن تحاكم موقفاً، وأن تحاكم إنساناً، وهناك فرق أكبر بين أن تناقش ما قاله شخص، وأن تعاقبه على ما تتخيل أنه كان يفكر فيه. لكن الناس في أزمنك الحروب لا تحب هذه الفروقات الدقيقة..!
معظم الناس في مجتمعاتنا بطبيعتها تكره التعقيد، وتحب التصنيفات الجاهزة. أبيض أو أسود، معنا أو ضدنا، ملائكة أو شياطين. أما المناطق الرمادية التي يعيش فيها البشر الحقيقيون، فغالباً ما تُعتبر خيانة لطبيعة التطرف في التصنيف نفسها..!
حينما استضفت البروفيسور سليمان صالح فضيل في بودكاست الوطنية، كنت أظن أن الناس ستختلف حول ما قاله. لكنني اكتشفت أن كثيرين لم ينتظروا أصلاً ما يقوله. لأنهم كانوا قد أصدروا الحكم بالفعل قبل أن تبدأ الجلسة، واكتفوا بعد ذلك بالبحث عن أي شيء يدعم الحكم الذي صدر سلفاً..!
فالرجل، في نظرهم، ليس طبيباً وعالماً وأستاذاً جامعياً قضى عقوداً بين المرضى والطلاب، وليس إنساناً له رأيه وموقفه وتجربته الخاصة، بل هو مجرد اسم عائلة، أو قبيلة، أو صلة قرابة. وكأن الإنسان في بلادنا لم يعد مسؤولاً عن أفعاله، بل عن شجرة أنسابه كلها..!
والمفارقة أن الحلقة نفسها كانت توثيقاً لمسيرة علمية ومهنية امتدت لعقود، بينما لم يتجاوز الحديث عن الحرب جزءاً يسيراً من ساعات طويلة من الحوار. لكن الناس لا تفكر دائماً بما يقال، بل ما تريد أن تسمعه هي..!
بعضهم كان يريد اعتذاراً عن جرائم لم يرتكبها الرجل، وبعضهم كان يريد منه أن يحمل وزر خيارات لم يتخذها، وبعضهم كان يريد منه أن يثبت براءته من تهم لم يقدم أصحابها دليلاً واحداً عليها..!
وكلما استمعت إلى هذه الاتهامات، تذكرت كم أن العقل الجمعي السوداني ما زال أسيراً لروح القطيع، رغم الثورة، ورغم الحرب، ورغم كل الدروس القاسية التي دفعتها البلاد ثمناً لغياب التفكير النقدي..!
فالقطيع لا يحتاج إلى أدلة،القطيع يحتاج إلى إشارة فقط، يكفي أن يشير أحدهم إلى شخص ما، ثم تبدأ الجموع في الجري خلف الاتهام كما يجري الأطفال خلف طائرة ورقية في يوم عاصف. لا أحد يسأل كيف وأين، ولا أحد يسأل “ماذا لو كان الأمر أكثر تعقيداً مما نظن”، لأن السؤال نفسه أصبح فعلاً مشبوهاً..!
والمشكلة ليست في ما حدث للبروفيسور فضيل وحده، ولا في ما قيل عني بسبب استضافته. المشكلة الحقيقية هي ما يكشفه ذلك عن مستقبل السودان نفسه، فإذا كنا غير قادرين على التمييز بين الفرد وجماعته، وبين القرابة والمسؤولية، وبين الظن والحقيقة، فكيف سنبني سلاماً بعد الحرب..!
السلام ليس اتفاقاً سياسياً فقط، اسلام هو القدرة على رؤية الإنسان خارج قبيلته، وخارج أسرته، وخارج الشائعات التي تحيط به. السلام يبدأ حين نتوقف عن معاقبة الناس على ما لم يفعلوه، ويبدأ حين ندرك أن العدالة لا تعني أن نوسع دائرة الاتهام، بل أن نضيقها حتى تصل إلى من يستحقها وحده..!
لقد علمتنا الحرب أشياء كثيرة. لكن يبدو أنها لم تعلم بعضنا بعد أن الحقيقة لا تُقاس بعدد الذين يرددونها، وأن الإجماع ليس دليلاً، وأن الجموع قد تخطئ كما يخطئ الأفراد، بل أكثر. فأخطر ما تفعله الحروب ليس أنها تقتل وتدمر فحسب..!
أخطر ما تفعله الحروب أنها تجعلنا نعتقد أن الشك جريمة، وأن التفكير ترف، وأن الحكم الظالم يمكن أن يمشي بين الناس، بلا أدلة وبلا سيقان..!
munaabuzaid2@gmail.com
////////////////



