المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: ريجيكامب قيت: قراءة واقعية

حين كان الروماني “لورينتيو ريجيكامب” يقود الهلال من العاصمة الرواندية كيغالي، بدت له الأجواء وكأنها قد فصِّلت تماماً على مقاس تطلعاته؛ طقس معتدل، وظروف معيشية مثالية، وبيئة عمل هادئة ساعدته في التركيز على المستطيل الأخضر. كانت تلك الأيام تمثل امتداداً لبداية هادئة بدأت في مدينة بورتسودان الساحلية، حيث وقع عقده مع الأزرق وسط آمال عريضة. ولقد ابتسم الحظ للمدرب الروماني كثيراً، إذ تسلم اسكواد عالي الجاهزية بفضل مسيرة حافلة للمدرب الكونغولي الخلوق “فلورينت إيبينجي”، الذي غادر بعد أن وضع أساساً متيناً للفريق، وترك هيكلاً بشرياً عالي الجودة من لاعبين أصحاب خبرة ونوعية فنية ممتازة، يضاف إلى ذلك وجود قطاع رياضي صاحب مشروع مدروس ومجلس إدارة هميم بذل الغالي والنفيس لتأمين مسيرة الفريق.

 

​استثمر ريجيكامب هذا الإرث الفني والإداري بذكاء، ومضى بالفريق بخطى ثابتة نحو الأدوار المتقدمة في البطولة الأفريقية، قبل أن ينتهي المشوار بثقوب فنية وأخطاء تكتيكية في الأمتار الأخيرة ، يتحمل هو مسؤوليتها المباشرة. ومع تحول المشهد بعد انجاز بطولة الدوري الرواندي ، حيث قرر الاتحاد السوداني إقامة دوري النخبة في الخرطوم، و إعلانه أنطلاق منافسات الدوري الممتاز الموسم المقبل من داخل البلاد و بمشاركة واسعة و في ظروف غاية في الصعوبة ، لم يعد هناك بد من عودة الفريق إلى العاصمة، واقع جديد و ظروف لوجستيه مختلفة ، ورغم أن مجلس الإدارة لم يدخر جهداً في توفير معسكر نموذجي بفندق كنون وتذليل كافة العقبات، إلا أن تفاصيل الحياة اليومية في الخرطوم، ممثلة في حرارة الطقس والظروف العامة، شكلت صدمة واقعية للمدرب الروماني الذي يخوض تجربته الأولى في أفريقيا جنوب الصحراء، وهي أجواء تختلف كلياً عن نمط الحياة الذي ألفه وتعود عليه في ملاعب أوروبا والخليج.

 

​تأتي هذه التجربة الإفريقية في مسيرة ريجيكامب بعد محطة سابقة مع الترجي التونسي، وهي تجربة تتناغم إلى حد كبير مع نمط حياة المدرب، برغم قصر مدتها ونهايتها بالإقالة نتيجة لعدم التوفيق الفني و العجرفة الأوروبية الزائدة. ولم تكن تلك المحطة التونسية مجرد سطر عابر في سيرته الذاتية، إذ نجح قانونياً في الحصول على حكم من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بقيمة نصف مليون يورو كتعويض مالي ضخم، وهو الحُكم الذي استغله المدرب بذكاء حاد في المناورة الإعلامية، مستنداً إلى تسريبات عقده الجديد مع الهلال الذي فرض فيه شروطه و حصل على قيمة مجزية ، ليعود إلى تونس مرفوع الرأس، متأبطاً قيمته السوقية الجديدة التي صنعها له الهلال، سافر الى تونس و نصب عينيه استرداد كرامته المسفوحة و محو مرارة الإقالة السابقة ، و من ثم يعزز موقفه المالي والفني في بورصة المدربين. هذا كل ما أراده من تلك (اللقطة) التي جمعته برئيس القطاع الرياضي و امين المال ، أي كما يقولون (تم بيها شغل) حسب لغة السوق.

 

​يبقى الدرس الأهم والراسخ في مسيرة الكيان الأزرق أن الهلال يظل دائماً هو الثابت الأوحد في كل المعادلات الرياضية، بينما يذهب المدربون واللاعبون و الاداريون، كمتغيرات عابرة في تاريخ النادي. و مؤكد ايها (الظان ظن السوء)، أنك لا بديل لك ، تعلم جيدا قيمة “عملاق النيلين” و حريٌ بك أن تستقي الدروس من تلك سيرته الممتدة لقرابة القرن من الزمان ، و ليعلم ريجيكامب أن أسلوبه الرخيص و المستفز ، الذي لم تكن به ذرة احترام لمجلس إدارة الهلال ، إذ أظهر خلاف ما يبطن و هو ينوي الغدر ، أن الدوائر ستدور عليه في القريب العاجل و ان غدا لناظره لقريب.

 

ختاما و نحن نطوي هذه الصفحة و بتحليل مسيرة الفريق خلال المواسم المنصرمة من عمر هذا المجلس الهمام و من أجل الحفاظ على الاستقرار الفني وتجنب حدوث أي فجوة تدريبية بين عهد مضى وعهد آتٍ، خاصة و أن الاعداد للموسم القادم يجب أن يبدأ مطلع يوليو القادم ، تبرز الحاجة الملحة لإعادة تكليف الكابتن خالد بخيت في منصب المساعد الأول للمدرب القادم، ليكون بمثابة صمام الأمان الفني بما يملكه من خبرة ودراية كاملة بأسرار الفريق وقدرات اللاعبين، و وضع ذلك كشرط أساسي و صمام أمان لا يقبل النقاش ، كضمان لاستمرار المشروع الرياضي للهلال دون اهتزاز أو تراجع فالكل يعلم الخبرة التراكمية التي امتلكها المعلم الكبير و بلاءه الحسن خلال تجربة امتدت لاربع مواسم خبر فيها تفاصيل المشروع و أصبح أحد أدواته المهمة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى