العلاقات السودانية الأمريكية من بوابات الفنون والفكر المستنير

دهاليز..
بقلم / علي مهدي
الدبلوماسية الثقافية (3)
مركز كيندي للفنون ومكتبة الكونغرس الأمريكي يشهدان انفتاح أبواب العلاقات على المعارف والفنون.
ما كانت فتوحات التواصل ممكنة، في أكثر أوقات تعقيد العلاقات، من دون تفاهمات الأجهزة المختصة والدبلوماسية الرسمية.
جامعات مدينة نيويورك وجورج تاون بواشنطن تفتح فضاءاتها لفنون السودان دراسةً وعروضاً وتبادلاً وتعاوناً مثمراً.
الجاليات السودانية في أمريكا عززت ودعمت واستضافت عروض مسرح البقعة، وسهّلت إنتاج أول أفلام سودانية تُصوَّر في أمريكا.
عدتُ يا ساتي أراجع أيامي الماضيات.
ما وصلني من تعليقات وإشارات على عودة افتتاني بالكتابة مجدداً تعودني البهجة، ثم أغيب عنها لاعتبارات، منها السفر وأشياء أخرى تمنعني من استعادتها.
أعود أقف أمام رغباتي المولعة بالحرف، أكتب عنها أوقاتاً لم تنتهِ، وفي خاطري قبل برنامجي تفاصيل أخرى ترتبط بما قال عنه بعض الأحباب في فرح: فتوحات للفنون الوطنية.
وتعجبني الكلمة والمعاني خلفها.
فتوحات، وهي تتعدد.
نعم، تقف عند مشواري الأول إلى الغرب الأقصى.
وصلتُ مدينتي الأحب نيويورك في سنوات عمري الأولى أبحث عنها فرص الحضور.
جئتها وتركت شخصية «الزين» الأحب عندي، ولي عندها حكايات. كانت مفتاحي لفضاءات المعمورة، بها بنيت جسور تواصلي، مبتدأً إقليمياً، ثم انفتاحي على مدن وعصور الفنون في العالم، من باب السينما إلى فضاءات المسارح، وقاعات الحوار والورش، وعرض التجارب، ومحاضرة وأخرى وأخريات أوصلنني بعدها إلى مكاتب وقاعات منظمات عملت فيها ومعها بتفانٍ، قادتني ثم إلى منصات التكريم والجوائز.
وعمتي ما كانت خضراء، ثم جلست عليها فرحتي.
أعود أكتبها هنا استذكاراً لأوقات مجيدة من أجل الوطن، وتعزيزاً لبرامج تعاون في أصعب الأوقات، لا أكثرها تعقيداً فحسب، لكنها المستحيلات كانت.
يومها نظر إليَّ شرق الخرطوم، ووقفتي تلك، أحدث السفير الأمريكي بدعوة منه بعد انتقاله إلى مكاتب أبعد وأجمل، عنها دعوة من مجموعة مسرح الاتصال الأمريكي (TCG)، أكبر منظمة للمسرح الأمريكي، مقرها نيويورك، مفتاحي لتلك العوالم بسحرها وغير ذلك، ومنه السحر، سحر البشر، جمال وفهم، ثم غير ذلك.
حدثته عن مشواري الأول لهم، والصيف فيها، نيويورك، ينتظرني.
لم تكن زيارتي الأولى.
جئتها أول مرة لسنوات، وغاب بعض أصحابي في الغرب الأقصى، وبقيت بعدها أمني النفس، وأنا بين باريس ومدن أخرى، أعرض فيها تجاربي التمثيلية.
وكنت قد خرجت من عباءة المسرح صاحب الجماهير الكبرى، والوصف دقيق.
جماهير كبرى تصطف منذ الظهيرة تنتظر تذكرة لمشاهدة كيف يحاكي محمود ود الداية الغناء المجيد، وتعود نعومة تجلس في خيالات الجميع.
كلنا لها نعومة.
هي «رقوها ونحن فطونا».
ضحكت.
تذكرت الازدحام على مسرح قاعة الصداقة.
كنت حريصاً على توسيع دعوات المشاركة، لذلك نجحت بعدها العلاقات الفنية الدبلوماسية في تسهيل مهمة المسرح الوطني، مسرح البقعة، في أسفاره خارج الوطن، وتلك من آيات الفنون.
ويومها دخلت المدينة الأحب، نيويورك، وفرقة المسرح الوطني، مسرح البقعة، نقدم واحدة من أجمل عروضي، عملاً تمثيلياً بلا جملة منطوقة، حركة ورايات وأصوات غناء وبعض همهمات تضيء عتمة المدينة، ولم يكن لها غير النور إشارة.
وتلا العرض في تلك الزيارة محاضرتي ثم ورشتي مع صناع المسرح الأمريكي، وكل ذلك نظمته السيدة إلين ستيوارت، الصديقة الراحلة، وخلفتها قبل الرحيل في رئاسة أهم لجان الهيئة الدولية للمسرح (ITI)، لجنة الهوية والاتصال الدولية، لثمانية أعوام.
لها الرحمة، الصديقة المبدعة.
أسست مسرحاً غير بعيد عنه الشارع الأهم في تواريخ الفنون، شارع برودواي.
وقالت: «مسرح خارج برودواي».
ثم بعد عرضي ذاك، «بوتقة سنار»، قال الصديق المسرحي الكبير بيتر بروك، يحدثني بعد قهوة عميقة في المقهى الأحب عندي، الأقرب لي:
«يا علي، ذاك كان عرضاً خارج خارج برودواي».
نعم، أسعدني، وفرحت بها حواراتي معه منذ البرازيل.
التقينا أول مرة فيها، أمريكا الأقدم.
جئتها ألبي دعوة مؤسسة فورد، وهي يسرت مشاركتي مرتين إلى البرازيل من مكتبها في نيويورك، ثم شهدوا عرضي الأول في مسرح «لاماما».
وذاك كان مفتاحي لعروض ومشاركات أخريات في الغرب الأقصى، ومشاركة منهم بعدها في فعاليات مهرجان البقعة الدولي للمسرح في أكثر من دورة، عروضاً وورش تدريب ومحاضرات وحوارات، في الأوقات التي أثق أنها كانت لا تغفر لكل هذه الحركة.
في واحدة من الدورات دعونا سبعة من علماء وفناني الغرب الأمريكي من مدن أبعد.
تبادلنا بعدها الزيارات وعرض التجارب.
ذاك كان من الفتوحات، والتعبير الأفضل منها: الاختراقات.
نعم، وفي صالون بيت مهدي جلسنا للغداء التقليدي الشعبي من الأبيض والكابيتو المتنوع.
وجلس الوفد الأمريكي، وسعادة السفير سعيد بحضور وفد أمريكي فني وعلمي كبير.
والسؤال في خاطره كما قال لي بعدها:
كيف حصلتم على تأشيرات الدخول لهذا الوفد الكبير والعلاقات فيها ما فيها؟
صمتوا، ثم أشاروا إليّ.
قالت السيدة الفاضلة والعالمة الجليلة:
«رتب كل شيء هنا في البقعة، ثم في واشنطن ونيويورك، سعادة السفير علي».
وتبادلنا النظرات، والابتسامات تتسع، تطير، تقطع المحيطات.
وأظنها جلست في واحدة من مكاتب وزارة الخارجية الأمريكية.
وأدركت حينها كيف مُنحت فرقة مسرح البقعة، وأكثر من خمسة عشر مبدعاً ومبدعة، تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية ثلاث مرات.
عرضنا فنون المسرح، وصورنا أول فيلمين في الغرب الأقصى، بعد تصويرنا لأفلام في الغرب الأدنى، ما بين هولندا وسويسرا وفرنسا.
هي الدبلوماسية الثقافية.
مشت بدفع الدبلوماسية الرسمية في وعيها بقيم الفنون، وحضور الفنان السوداني في فضاءات المعمورة باتساعها، تعبر عنها أشواق أهلنا، كما هو الآن في البناء وإعادة التعمير.
يومها وقفت في القاعة الكبرى لمركز كيندي للفنون في واشنطن، غير بعيد عنها نهر البوتوماك الأخضر، إلى جوار المبنى الأشهر.
وورقتي عنها تجربة ومبادرة «المسرح في مناطق الصراع».
تُعرض التصاوير على الشاشة الكبرى، والصور من معسكرات النازحين من الحرب الأولى، قلنا عنها النزاعات.
وأهمها صورتي وطفلي على حجري.
أعيدها هنا.
ووقفت بعد التقديم.
علماء يهتمون بالفنون، وأسعدوني بالتقديم.
حكوا عن تجربتي منذ مدينة ملكال يوم كان السودان واحداً، وتلك حكاية أخرى.
وأسعدوني بالإشارات الذكية لتجوال عروض مسرح البقعة في الوطن.
تصاوير أطفالي تزين شاشات مركز كيندي للفنون، تخرج وتعبر النهر الأخضر وتذهب نحو فرجينيا التي أحب وأعشق.
رافقني وآزرني وساعدني كثيراً في نجاح يومي ذاك في واشنطن الأحباب في سفارة السودان.
ثم حضور طيب وابتسامات تمتد لتسرق ضحكة منها الدبلوماسية المتحفظة الرزينة.
والحال في حالة لا تسر، لكنهم السادة، قبلوا بها الأوضاع.
والحروف المتعبة تفسر بالإنجليزية أشواقنا، أهل الفنون، للاستقرار.
وما كنا نعلم أنها ستعود حرباً لا معنى لها، ولا قيمة بعدها لمعاني السلام الممكن.
وتلك حكايات أخرى.
ووقفت بعدها، حكيت قليلاً.
وأظن أن في العرض الجيد تقنياً للتصاوير، والإنتاج الذي أسهم أحبابي في صناعته، وإضافتهم للتقنيات التي تأخرنا فيها، ما يوضح أن العلم نور، وتلك من محاسن الذرية الطيبة.
العلوم والآداب تيسر طريق الفلاح.
محاضرتي، وبعدها لقاءاتي في المدينة الأجمل، واشنطن، قدمت للكثيرين هناك فرص التطلع لغد أفضل لوطن تحيط به العداوات، فتصنع فكرة الاحتراب وتعزز النزاعات.
فقلت، بلا فرصة عندي ساعتها للابتسامة، كنت حاضراً للمشاهد التي يطلع عليها جمهور كبير عرفني من قبل، أو وسع المنظمون فرص الاطلاع لهم.
اقتربوا أكثر من المشهد.
وأضحت صورتي وطفلي الجالس على حجري في ثقة، وأعطاني الأمان.
وأدركت معه أن المسافة الأبعد من نيالا إلى معسكر السريف خارجها تستحق أن تكون جالسة في قلب واشنطن، عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية.
حفظوها وأدركوا أن كنزاً معهم، وأسهموا بعدها في الحديث بها للناس، كل الناس.
لا في العاصمة فحسب، بل في مدن أخرى استقبلتني.
ويوم رتبوا لي زيارة وزارة الخارجية الأمريكية دخلتها بعربة دبلوماسية تحمل أرقام سفارة السودان في أمريكا.
وتلك من المرات القليلة.
لم تكن العلاقات كما هي العادة بين الدول.
وجلست إليهم، وأول ما أكملوا ترتيبات الضيافة قالوا:
«نرجوك حدثنا عن الصورة».
قلت: أي صورة؟
فتحوا الشاشات، وكنت جالساً على الأرض وطفلي على حجري، «محكراً»، يجلس ملكاً.
ولم نقل بعدها كثيراً.
وقعت على أكثر من نسخة قالوا إنها تذكارية.
وصلت إلى مكاتب أعرف أنهم اطلعوا عليها.
وبعضهم حدثني عنها يوم جئت واشنطن مرة أخرى أحاضر في مكتبة الكونغرس الأمريكي.
وذاك عندي ما كان له أن يكون ممكناً من غير جهود الدبلوماسية الرسمية، ثم عون رئيس مؤثر ومتفهّم من الأجهزة المختصة.
نعم.
دهليز يسعد بالحوارات.
بعدها القراءة الأولى، وما بينهما.
نعم.
برحمته الودود، وبدعواتكم الطيبات، تعافينا.
له الحمد.
آمين.
وأكتبها الحروف ومشواري نحو مكتبة الكونغرس الأمريكي.
فيك يا واشنطن.
محاضرتي يومها تلك الظهيرة:
«أثر التصوف في المسرح المعاصر»
وهي المرة الأولى في تواريخ العلاقات السودانية الأمريكية.
وإشارات التعاون فيها واضحة المعالم.
الدبلوماسية الرسمية أدوار وإسهام.
ووعي وإدراك الأجهزة المختصة.
تحليل وتقييم.
نعم.




