برلين والسيادة السودانية بين ذاكرة 1884 وطموحات 2026

المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب:

وهم السيادة الافتراضية لا تصنع شرعية الدول

لا بد من إرادة وطنية صلبة ترفض أن تكون بلادنا مجرد “فقرة” في أجندة مؤتمرات تُعقد وراء البحار

​لا يمكن قراءة “برلين 2026” بمعزل عن الذاكرة التاريخية المثقلة بالوصاية؛ فالعاصمة الألمانية التي احتضنت قبل أيام نقاشات حول السودان، هي ذاتها التي شهدت في عام 1878 محاولة القوى الكبرى لإعادة ترتيب “الرجل المريض” -اللقب الذي كان يطلق على الإمبراطورية العثمانية في آخر عهدها – وتوزيع الدول التي كانت تخضع له، ثم أعقبتها بمؤتمر برلين الشهير (1884-1885). ذلك المؤتمر الذي لم يُدعَ إليه أفريقي واحد، واجتمع فيه 14 بلداً أوروبياً لتقطيع أوصال القارة الافريقية ورسم حدودها بمسطرة المصالح الاستعمارية، تحت شعارات براقة مثل “نشر الحضارة”، بينما كانت النتيجة الفعلية هي تكريس التبعية التي ما زلنا ندفع ثمنها صراعات حدودية وهشاشة سياسية حتى يومنا هذا.

​لقد كان مؤتمر 1884 في جوهره “غرفة عمليات” لإدارة سيناريوهات مصالح متصادمة؛ حيث برز طموح الملك “ليوبولد الثاني” الذي نجح بخبث سياسي في إقناع القوى الكبرى بترك حوض الكونغو له كـ “منطقة تجارة حرة” لمنع الصدام بين العمالقة. وفي تلك الغرف، وُضعت “الفرامل” للصراع البريطاني-الفرنسي عبر تقسيم القارة إلى مناطق نفوذ تمنع تداخل الأحلام الإمبراطورية، بينما لعب “بسمارك” دور الوسيط النزيه ليضمن لألمانيا الناشئة حصة من الكعكة الإفريقية، مما حول القارة إلى ساحة لتصفية الحسابات الأوروبية دون صدام مباشر فوق ترابهم.

​إن أخطر مخرجات ذلك المؤتمر كانت مادة “الاحتلال الفعلي”، التي نصت على أن السيادة لا تُمنح برفع الأعلام بل بفرض سيطرة عسكرية وإدارية على الأرض. هذا الصك القانوني أطلق شرارة “التكالب على إفريقيا”، حيث اندفعت الجيوش لتمزيق الممالك التقليدية ورسم حدود اصطناعية هندسية لم تراعِ ديناً أو لغة أو قبيلة. فكانت النتيجة خلق وحدات سياسية مشوهة، تجمع المتنافرين وتفرق الأشقاء، وتحول القارة إلى مجرد مخزن للمواد الخام يغذي المصانع الأوروبية بالمطاط والذهب عبر ممرات مائية أُقرت “حريتها” لخدمة التاجر المستعمر لا المواطن صاحب الأرض.

​والتاريخ يعيد نفسه اليوم بوجوه حداثية؛ فذات المنهج الذي غيّب الإرادة الإفريقية قديماً، نراه يتكرر في تغييب الإرادة الوطنية السودانية الرسمية. إن عقد المؤتمرات لتقرير مصير بلد شاسع في غياب حكومته، يعيد للأذهان مشهد تقسيم القارة كـ “فراغ سياسي” يُملأ بتفاهمات دولية. واليوم، نرى محاولات “إعادة هندسة” المشهد السوداني عبر مسارات دولية تسعى لفرض واقع سياسي جديد، تماماً كما فُرضت الحدود الهندسية قديماً، دون اعتبار لسيادة الدولة أو مؤسساتها الوطنية.

​وفي سياق هذا التغيب الرسمي، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى لقاءات الدكتور عبد الله حمدوك -الذي لا يملك صفة حكومية حالياً- بشركات ألمانية عملاقة مثل “سيمنس” و”لوفتهانزا”. إن لغة “البزنس” لغة صارمة لا تعترف بقصص البؤس الإنساني؛ فالشركات الكبرى تبحث عن “صاحب قرار” يملك الحق القانوني في التوقيع، والدراسات الفنية الجاهزة، والسيادة على الأرض لتنفيذ المشروعات. وبدون هذه المقومات، تظل هذه اللقاءات مجرد محاولة لالتقاط صور تمنح شرعية افتراضية لمن لا يملك أدوات التنفيذ، في مشهد يقلب الهرم الإداري الصحيح رأساً على عقب.

​إن الخطر يكمن في إعطاء انطباع زائف بأن الحلول يمكن “استيرادها” عبر تفاهمات مع القطاع الخاص الأجنبي بمعزل عن مؤسسات الدولة. فالدول لا تُبنى بوعود الشركات، بل بخطط وزارات الطاقة التي تحدد احتياجاتها الفنية وخيارات تمويلها بناءً على سيادتها. والرهان على أن هذه الشركات ستبدأ العمل بناءً على “دردشات” في ردهات المؤتمرات هو نوع من تزييف الوعي؛ فالقطاع الخاص الألماني لا يتحرك إلا في بيئة قانونية مستقرة ومع أطراف تملك سلطة القرار والالتزام المالي والسيادي، وليس مع جهات تمارس نشاطها من المهجر السياسي.

​بينما تطوي برلين أوراق نسختها الجديدة، يجد السودان نفسه أمام محاولات “غسيل سياسي” لمليشيا تمردت على الدولة، ومساواة مخلّة بالعدالة بين القوات المسلحة الوطنية والمتمردين. إن أي مؤتمر يدعي البحث عن السلام يجب أن يبدأ بالضغط لنزع سلاح المتمردين لا بفرض هدن هشة تمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس. والوعي الوطني يحتم علينا إدراك أن السلام الحقيقي لا يُصنع عبر صناعة بدائل سياسية تفتقر للتفويض الشعبي، بل عبر دعم استقرار الدولة السودانية الموحدة والقوية.

​وفي مقابل النقد الموجه لقوائم المشاركين، يجب تبني رؤية تقوم على فلسفة “عدم الإقصاء”؛ فالدولة ملك لجميع أبنائها طالما كان سجلهم الجنائي نظيفاً. إن التفريق بين “المحاسبة القانونية” و”العزل السياسي” هو صمام الأمان لمنع تكرار معضلة الحكم؛ فالمُبعد عن الطاولة سيبحث دوماً عن وسيلة لقلبها. المعيار الوحيد والفاصل يجب أن يكون “صحيفة الجرائم”، فمن لم تدنه المحاكم بأي جرم جنائي يظل مواطناً كامل الأهلية له الحق في المساهمة برأيه، بعيداً عن أحكام القيمة الشخصية.

​ختاماً، إن انقضاء مؤتمر برلين دون مخرجات ملموسة تنهي معاناة المواطن، يؤكد أن السيادة لا تُباع في المزادات الدبلوماسية. إن طريق الخلاص يبدأ بإنقاذ السودانيين من نير الظلم، وبالتوازي مع بناء جبهة وطنية ترفض الإقصاء وتعلي قيمة القانون. المستقبل يُكتب بيد الإرادة الوطنية التي تجمع بين الحسم في الميدان والذكاء في التفاوض، لضمان انتقال مدني حقيقي لا يستثني أحداً إلا من استثنى نفسه بالخروج عن القانون.

​لقد علّمنا تاريخ برلين 1884 أن اللوم لا يقع فقط على “السارقين” بل أيضاً على الضعف الذي يجعل الشعوب عاجزة عن الدفاع عن حقوقها. لذا، فإن تحصين السودان ضد أطماع الخارج يبدأ من الداخل، بوعي يفرق بين الدعم الدولي والارتهان السياسي، وبإرادة وطنية صلبة ترفض أن تكون بلادنا مجرد “فقرة” في أجندة مؤتمرات تُعقد وراء البحار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى