سوق الدواء.. (بورصة الموت) التي لا ترحم أنين الفقراء

"الشفاء المر".. حين يصبح ثمن الجرعة أغلى من قيمة الحياة

وزير الصحة: ترتيبات مع “المالية” لاستعادة نبض الصناعة الوطنية

 الصيادلة: نظام “الكاش داون” وتكاليف التشغيل يهددان بإغلاق الصيدليات

 الشركات: الدولار الجمركي والمحروقات وراء “الركود” واختفاء الأصناف

تحقيق: هيام المغربي

بين رفوف الصيدليات التي يكسوها الغبار وصمت العيادات الموحش، تدور رحى معركة من نوع آخر في الخرطوم وضواحيها. ليست معركة مدافع، بل هي “معركة بقاء” يخوضها المواطن السوداني أمام وحش الغلاء الذي لم يترك حتى “حبة الدواء” في حالها. هنا، حيث أصبح “الدولار الجمركي” هو الذي يحدد من يعيش ومن يتألم، تتحول الصيدليات من مراكز للاستشفاء إلى شاهد عيان على عجز إنساني فادح، وتعكس بوضوح انكسار الحالة الاقتصادية للمواطن؛ فلم يعد النقاش خلف زجاجها يدور حول “الجرعة”، بل حول “سعر اليوم” وقدرة المريض على شراء “شريط” واحد يقيض به وجع يومه، تاركاً بقية العلبة لغيب الأقدار.

انهيار الصناعة المحلية.. بداية التيه

كانت الأدوية المصنعة محلياً تمثل صمام أمان للمريض السوداني، حيث كانت تغطي نسبة مقدرة من الاحتياجات الأساسية بأسعار في متناول اليد. ومع خروج معظم هذه المصانع عن الخدمة بسبب ظروف الحرب وتدمير البنية التحتية، وجد المواطن نفسه وجهاً لوجه مع “الدواء المستورد” المرتبط كلياً بتقلبات العملة الصعبة. هذا التحول الجذري لم يرفع الأسعار فحسب، بل خلق ندرة في أصناف حيوية كانت تُنتج محلياً، مما جعل المريض السوداني رهينة لتقلبات “الدولار الجمركي” الذي لا يرحم.

ثقافة “بالشريط”.. وجع المزمنين وصراع البقاء

في صيدلية “البارون” بسوبا شرق، تقف الدكتورة رفيدة شاهدة على تحولات مؤلمة في السلوك الشرائي. لم يعد المريض يطلب “العلبة” كالسابق، بل بات يساوم على “الشريط” وربما “الحبة”. تقول رفيدة بأسى: “مرضى السكري والضغط والقلب، الذين يحتاجون لأدوية مدى الحياة، أصبحوا يواجهون خيارات مستحيلة؛ فالزيادات ليست طفيفة، بل هي قفزات تتبع سعر الصرف لحظة بلحظة”. وتضيف أن الصيدلي نفسه بات محاصراً بتكاليف تشغيل خرافية؛ من إيجارات متصاعدة وكهرباء تجارية لا ترحم، وصولاً إلى ضرورة الاستثمار في الطاقة الشمسية لضمان سلامة المخزون، وهي تكاليف تضاف في نهاية المطاف إلى سعر الدواء الذي يدفع ثمنه المواطن المنهك.

ألبان الأطفال.. “عملة نادرة” تطاردها جيوب الآباء (دنقلا نموذجاً)

ولا تتوقف أزمة الدواء عند حدود العقاقير المنقذة للحياة، بل تمتد لتطال “أرواحاً صغيرة” لم تبلغ الفطام بعد. في مدينة دنقلا (شمالي السودان)، يروي رب الأسرة المواطن “سليمان”وهو والد لتوأم، فصولاً من المعاناة اليومية في البحث عن لبن “ليبتوميل”، الذي بات الحصول عليه أشبه بمطاردة السراب نتيجة الشح وعدم التوفر في الصيدليات.

يقول سليمان لـ “العودة”: “إن توفر اللبن فهو غالي الثمن، وإن غاب دخلنا في رحلة بحث مضنية”. وتكشف المتابعة في صيدليات دنقلا عن فوضى في التسعير؛ حيث تتراوح علبة “ليبتوميل بلس” بين 40 و45 ألف جنيه في أغلب الصيدليات، بينما توفره صيدليتا “الشمالية” و”علياء” بسعر منخفض يتراوح بين 33 و36 ألف جنيه. وتتضاعف المأساة في الأصناف الخاصة؛ إذ يبلغ سعر لبن ليبتوميل “خالي اللاكتوز” ما بين 49 إلى 55 ألف جنيه ، مما يضع حق الطفل في الغذاء تحت مقصلة الغلاء.

الكاش” يسبق “الشفاء”.. حصار الشركات للصيدليات

تتفق الدكتورة هبة (صيدلية العلالي) والدكتورة رانيا (نار التقابة) على أن الأزمة لم تعد في “السعر” فقط، بل في “الوفرة” المحكومة بشروط دفع تعجيزية. لقد استغنت الشركات الموردة عن نظام “الآجل” الذي كان يمنح الصيدليات متنفساً، واستبدلته بنظام “الكاش داون” أو الدفع النقدي المسبق. هذا الإجراء جفف السيولة لدى الصيدليات الصغيرة والمتوسطة، وجعلها عاجزة عن توفير طلبيات الأدوية الأساسية، مما أدى لاختفاء أصناف منقذة للحياة وتذبذب مستمر في الإمداد.

مآسي إنسانية.. صرخة العم الصافي في وادٍ سحيق

في وسط هذا الصراع المحموم بين الأرقام والسياسات، يبرز صوت العم الصافي، المواطن الذي أتعبته السنون وأثقل كاهله المرض. بكلمات تخرج من أعماق الوجع، يقول: “الإنسان قد يصبر على الجوع، وقد يربط بطنه أمام العطش، لكن الوجع لا ينتظر.. المرض لا يرحم”. العم الصافي الذي وجد أن بطاقة تأمينه الصحي باتت مجرد ورقة لا تسمن ولا تغني من جوع أمام الأدوية الغالية، يمثل لسان حال الملايين الذين يشاهدون “حقهم في الحياة” وهو يتحول إلى سلعة لمن يملك المال فقط.

وزارة الصحة: ترتيبات لسد الفجوة وإحياء الصناعة الوطنية

في تصريح خاص لـ “العودة”، لم يغفل وزير الصحة الاتحادي، د. هيثم محمد إبراهيم، حجم التحدي. وأقر الوزير بأن الاعتماد المفرط على الاستيراد في ظل الأزمات العالمية هو جذر المشكلة. وكشف عن ترتيبات واسعة تجري حالياً مع الصندوق القومي للإمدادات الطبية ووزارة المالية لضمان انسياب التمويل وتوفير الأدوية على المدى الطويل. وأكد الوزير أن الرهان القادم هو “استعادة الصناعة الوطنية”، مبيناً أن الوزارة بدأت فعلياً في دعم مصانع محلية لتعود للإنتاج، مما يساهم في تقليل التكلفة وسد الفجوات التي خلفها الاعتماد الكلي على المستورد.

جغرافيا الندرة والوفرة.. سوقٌ مصابٌ بالركود

على الرغم من محاولات الإمداد القادمة من ولايات مثل عطبرة ومدني، إلا أن التكلفة العالية للنقل والمخاطر الأمنية ترفع السعر النهائي للضعف. الدكتور محمد إبراهيم (صيدلية المحمدة) يرى أن الوفرة الظاهرية (70-80%) تخفي وراءها أزمة ندرة حقيقية في الأدوية الحديثة والمسجلة حديثاً. ومن جانبه، يضع الدكتور أواب (وكيل شركة أدوية) يده على الجرح الاقتصادي؛ فارتفاع أسعار المحروقات والدولار الجمركي أصاب السوق بـ “ركود قسري”. فالمخازن قد تمتلئ بالأدوية، لكن المريض لا يملك ثمنها، والشركة لا تستطيع البيع بخسارة، في حلقة مفرغة تزيد من معاناة الجميع.

خاتمة التحقيق

إن أزمة الدواء في السودان ليست مجرد “نقص في الحبوب”، بل هي أزمة اقتصادية وإنسانية متداخلة. وبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن تحسن نسبي وتدابير حكومية، يظل الواقع في الصيدليات يحكي قصة أخرى؛ قصة مواطن يغادر بـ “شريط” واحد آملاً أن يكفيه حتى نهاية الأسبوع، وأب مثل “سليمان” يطارد “علبة لبن” لتوأمه بين غلاء وشح، وصيدلي يحاول الموازنة بين رسالته المهنية وتكاليف بقائه. يبقى المخرج الوحيد هو تضافر الجهود لاستعادة الصناعة الوطنية فوراً، وتوفير مظلة حماية اجتماعية حقيقية تجعل “الشفاء” حقاً، لا رفاهية..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى