منى ابو زيد تكتب : في تنميط الفساد..!

هناك فرق ..

“أخطر ما يفعله العرف الفاسد، أنه لا يبرر الخطأ فقط… بل يجعل الصواب يبدو قاسياً”.. الكاتبة..!

في المشهد الذي انتشر قبل أيام لطالبة الشهادة السودانية التي كانت تبكي وهي تشكو من تشدد المراقبين في أثناء الامتحان، بدا المشهد وكأنّه مرآة صغيرة لخلل كبير. خرجت الطالبة من قاعة الامتحان َقبل أن تلتقط أنفاسها وجدت ميكروفوناً أمامها، ومذيع يسألها” كيف كان الامتحان”..!

الذي أدهشني هو أنها لم تتحدث عن صعوبة الأسئلة، ولا عن ضيق الزمن، بل من تشدد المراقبة التي حالت بينها وبين استخدام “بخرات” كانت قد أعدتها سلفاً لأغراض الغش الذي يبدو – عند تلك الطالبة وغيرها كثر – يحمل معنى آخر في مثل هذه المواقف والأحوال..!

لم تكن المشكلة في الطبيعة العاطفية للموقف، بل في المعنى الذي حملته شكواها دون أن تدري. أن تبكي لأنك قد مُنعت من الغش في امتحان، فهذه ليست هشاشة طالب تحت ضغط، بل علامة على مجتمع أعاد ترتيب ثوابته وأولوياته الأخلاقية منذ زمن دون أن ينتبه..!

ثمة فرق خفي وخطير بين أن يحدث الغش، وأن يُستغرب من منعه. الأول خطأ فردي يمكن احتواؤه، أما الثاني فهو عرف فاسد ظل يتشكل ببطء، حتى أصبح الصواب نفسه موضع مساءلة. هكذا تفسد الأشياء في مجتمعاتنا. ليس بالانفجار، بل بالتدريج. حتى نصل إلى لحظة يصبح فيها الانضباط تصرفاً قاسياً، والمراقب المنضبط مهنياِ شخصاً بلا رحمة.

وهنا لا يعود الامتحان اختباراً للمعرفة، بل يصبح اختباراً لمرونة الضمير، َوإلى أي مدى تستطيع الالتفاف دون أن يمسك بك..!

قبل سنوات، كتبت مقالًا بعنوان “الشهادة مزورة والمرتبة حرام”، استندت فيه إلى فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز، التي لم تتعامل مع الغش كذنب عابر، بل كخلل ممتد “شهادة لا تستند إلى استحقاق، ورزق يتكئ على أساس مائل”. أكدت فيه بكل صدق أنني ومنذ سماعي لتلك الفتوى الغريبة – على لسان إحدى معلماتي، وأنا بعد طفلة في المرحلة الإبتدائية بإحدى المدارس السعودية – لم أتعامل معها كحكم ديني فحسب، بل كمنطق أخلاقي شديد الاتساق..!

فالغش في جوهره لا يزور ورقة إجابة فقط، بل يزور ترتيب العالم داخلنا “يجعلنا نؤمن أن ما لا نستحقه يمكن أن يصبح حقاً، إذا وجدنا الطريقة المناسبة”، وهذا خطير. لذا حين كنت أجلس في أي امتحان – من أيام تلك المراحل الدراسية مروراً بقاعة الامتحانات في جامعة الخرطوم، وانتهاء بامتحان معادلة شهادة القانون، ثم امتحانات القيد الصحفي – لم يكن السؤال في تقديري هو “هل أستطيع أن أغش”، بل” هل أستطيع أن أعيش بما سوف يترتب على ذلك”..!

لذلك لا أستطيع ولن أستطيع أن أفهم أن لا نختلف حول الغش، بل حول قسوة منعه، فهذا الواقع في حقيقته، أخطر من الغش ذاته. لأن الغش حين يصبح قابلاً للتفهم، فالتبرير، ثم التطبيع، فإنه لا يتوقف عند الامتحانات، بل يتسرب بهدوء إلى كل شيء “معاملات تُدار بالتحايل وليس الاستحقاق، وواقع يصبح فيه التفوق عملية احتيال تعتمد على براعة المحتال”..!

يمكننا بالطبع أن نتعاطف مع الطلاب، مع ضغط ظروف الحرب، وضباب المستقبل، وثقل الخوف الذي يسبق كل اختبار. لكن التعاطف الحقيقي لا يكون بتخفيف المعايير، بل حمايتها. لأن الجيل الذي نمنحه أعذاراً ليغش، هو نفسه ذات الجيل الذي سندفع ثمن أخطائه حين يصبح فيهم الطبيب والمهندس والمسئول الحكومي..!

بكاء تلك الطالبة لم يكن مشهدًا عابراً، كان سؤالاً مفتوحاً، بصيغة عاطفية “هل نريد مجتمعاً يُكافئ الجهد أم مجتمعاً يتواطأ مع الغش”. وفي مواقف كهذه لا نكون أمام أزمة تعليم فحسب، بل زمة معنى في المقام الأول..!

إما أن نعيد للنزاهة مكانتها كقيمة لا تُفاوض

أو نواصل بصمتٍ مريح إعادة تعريف الغش، بحيث لا يبدو خطأً، بل مهارة اجتماعية، فلا تغدو المأساة أن يغش البعض، بل أن يشعروا بالظلم حين لا يُسمح لهم بذلك!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى