عميد م. دكتور عبدالعظيم نورالدين الحسن يكتب: التماسك الوطني آليات تكوينه واستراتيجيات تعزيزه

يُعد التماسك الوطني (NationalCohesion) هدفاً استراتيجياً يتجاوز كونه مجرد سمة وصفية، ليصبح حالة تسعى المجتمعات إلى الوصول إليها. وهو حالة ديناميكية ومعقدة تنتج عن التفاعل الناجح والانسجام الاجتماعي والسياسي والثقافي بين مكونات المجتمع تتجسد في الشعور بالانتماء للوطن والعمل من أجل مصلحته العليا.
أهمية التماسك الوطني
تبرز أهمية التماسك الوطني في تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي. والحد من النزاعات الداخلية والانقسامات الجهوية. و دعم التنمية الشاملة والمشاركة المجتمعية. وتقوية الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وكذلك تحقيق هوية وطنية جامعة تضم جميع المكونات الاجتماعية نتاج تجانس وانصهار يكمن في إدارة التنوع والاندماج الشامل. باعتبار أن التنوع ليس تهديداً، بل هو الشرط المسبق الذي يجب إدارته لتحقيق التماسك الفعال.
ويتجاوز التماسك الوطني كونه مجرد هدف اجتماعي ليصبح عنصراً محورياً في الأمن القومي. حيث يعرف الأمن القومي بأنه ذلك الجزء من سياسة الحكومة الذي يستهدف خلق الظروف المواتية لحماية “القيم الحيوية” للدولة.
آليات تقاسم السلطة التوافقية
تُعد الهوية الوطنية والشمول استراتيجيتين مركزيتين لتعزيز التماسك والاستقرار في المجتمعات المتنوعة. ويكمن الهدف في بناء سردية وطنية قادرة على الاعتراف وتمثيل جميع المجموعات العرقية واللغوية والثقافية. وهذا يوضح أن الهوية الجامعة يجب أن تكون “المرجعية التي تتأسس عليها القاعدة الدستورية”، وأن تعكس المؤسسات والهياكل القانونية هذه الشمولية.
في الدول التي تعاني من انقسامات عرقية أو طائفية عميقة، يصبح تقاسم السلطة آلية ضرورية لإدارة النزاع وضمان استيعاب المجموعات المختلفة، سعياً لتحقيق شكل من أشكال المساواة السياسية، ومع ذلك، يجب التعامل مع تقاسم السلطة بحذر؛ فالتحليل السياسي يظهر أنه على الرغم من ضرورته، إلا أنه قد يثبت الانقسامات الطائفية بدلاً من تجاوزها إذا لم يترافق بجهود حقيقية لبناء الهوية المدنية المشتركة.
آليات تشكيل التماسك الوطني
تُعد المناهج التعليمية من أبرز العوامل في تشكيل شخصية المتعلم وترسيخ الهوية الوطنية ومقوماتها. إن مناهج التربية والتعليم على المواطنة تكتسب أهمية خاصة في العصر الحديث للتصدي لموجات الاحتواء والإغراق الثقافي الناتج عن العولمة، التي ساهمت في تراجع مبادئ وقيم الشعور بالولاء والانتماء للوطن.
تحديات ومهددات التماسك الوطني
1.يواجه التماسك الوطني تهديدات هيكلية عميقة، تتراوح بين الإخفاقات الاقتصادية والأزمات السياسية والهوياتية، وتتطلب معالجة شاملة للأسباب الجذرية لعدم الاستقرار.
2.يشكل الفقر والبطالة عوامل سلبية رئيسة تشعل فتيل التجزؤ والصراع. إذ أن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية تخلق فجوات عميقة في المجتمع، ويؤدي التهميش الاجتماعي والتمييز والفجوات في الحقوق المتعلقة بالعمل إلى تآكل الثقة الاجتماعية.
3.تمثل الصراعات الإثنية والطائفية محددات الانقسام، في حين أن الهويات الفرعية (مثل الطائفة أو العرق) قد تؤثر على العلاقة بين المواطنين والدولة، مما يفتح الباب أمام المكونات الاجتماعية لتتبنى سياسات الهوية كوسيلة لتحقيق المطالب، وما يغذي التطرف والصراع المسلح على طول خطوط الصدع.
نماذج تطبيقية واستراتيجيات بناء السلام والتماسك
يمكن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في إدارة التنوع والتعافي من النزاعات لتعزيز التماسك الوطني. ومن ذلك:
1.تعتبر تجربة جنوب أفريقيا في المصالحة الوطنية عقب نظام الفصل العنصري نموذجاً عالمياً يمكن الاحتذاء به. تأسست لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) لمعالجة جرائم الماضي وتمكين البلاد من الانتقال إلى مستقبل جديد. حيث تم منح مرتكبي الانتهاكات فرصة للاعتراف بجرائمهم وطلب العفو في مقابل الحصول على العفو المشروط.
2.اعتمدت كندا التعدد اللغوي والاعتراف بثقافات الشعوب الأصلية من خلال التعليم ووسائل الإعلام، مما قلل من شعور الأقليات بالاستبعاد.
3. في ماليزيا ساعدت السياسات التي تشجع المشاركة متعددة الأعراق في الاحتفالات الوطنية والتمثيل الإعلامي على الحد من الاستقطاب الاجتماعي وتعزيز شعور بالمواطنة المشتركة.
استراتيجيات تعزيز التماسك الوطني
تتطلب استراتيجيات تعزيز التماسك الوطني العمل على بناء قدرات مؤسسية تضمن الإنصاف والشمولية لجميع المكونات الاجتماعية. مع تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة. ويجب أن يكون الإعلام الحكومي وسيلة لتعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الحكومة والمواطنين. وتوسيع نطاق انتشار المعلومات وزيادة التأثير الإيجابي للرسائل الإعلامية. وتحويل المواطن من مستهلك سلبي إلى شريك فعال في العملية الوطنية. وعليه فإن استراتيجيات وسياسات تعزيز التماسك الوطني تبنى على الآتي:
1.تنفيذ استراتيجيات شاملة وموسعة لسد الفجوات في الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر والبطالة، مما يخفف من حدة الانقسام الطبقي ويضمن أن التنمية الشاملة هي الركيزة الأساسية للأمن.
2.إطلاق استراتيجية إعلامية حكومية ووطنية مركزة لتعزيز الشفافية والمساءلة، وتكثيف حملات مكافحة الشائعات، مع ضرورة ضمان حيادية المؤسسات الإعلامية في تناول القضايا الوطنية، لتفادي الانقسام الإعلامي الذي يضر بالمصالحة.
3.اعتماد آليات مؤسسية تضمن التمثيل العادل لجميع المكونات الاجتماعية في المناصب القيادية وصناعة القرار، لتعزيز المواطنة الفاعلة وسد فجوات المشاركة العامة.
4.مراجعة وتطوير المناهج التعليمية لضمان دمج شامل لقيم التسامح والتعايش والمواطنة الفاعلة.
5.تطوير آليات مؤسسية دائمة لتقاسم السلطة أو إدارة التنوع السياسي في المجتمعات ذات الانقسامات العميقة، مع الحرص على أن تكون هذه الآليات داعمة للهوية المشتركة وليست مجرد تثبيت للانقسامات.
دور الاعلام في تحقيق مقتضيات التماسك الاجتماعي
ولأن التماسك مرتبط بتوافر شروط وعناصر ومحددات محددة، لذا فإن التدخل الإعلامي يجب أن يكون موجهاً بدقة لمعالجة هذه الشروط، وفي هذا الإطار، فإن الاعلام هو الأداة الأقدر على تحديد هذه العناصر ومعالجتها مباشرة، مما يحد من احتمالية تضخم المشكلات الاجتماعية الناتجة عن نقص الوعي أو المعرفة.
ومن هنا يبرز دور الاعلام الفاعل في تعميق مفهوم الهوية الوطنية ومقوماتها، وحماية القيم المستقرة للمجتمع. فهناك علاقة مباشرة بين إدراك المواطن لهويته الوطنية ومستواه في الوعي بتحديات الوطن، وقدرته المجتمعية على مجابهتها، مما يؤثر بدوره على الأمن القومي وتعاطيه مع القضايا الأكثر خطورة.. لذا، يجب أن يعمل الإعلام على بناء خطاب إعلامي قادر على ترسيخ هذه المفاهيم.



