مرافئ الشوق وجسور العبقرية: رحلة مع “عبقري الرواية العربية” في عوالمه السحرية

بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون
الطيب صالح: سيرة الروح التي لم تنكسر
بين انحناءة النيل في “كرمكول” وضباب لندن، نسج الطيب صالح من خيوط الشمس والماء عباءة أدبية لم تكن مجرد سردٍ لحكاية، بل كانت رحلة وجودية لسبر أغوار النفس البشرية. هو الذي بدأ وعيه يتشكل بين المسجد والنهر والحقل، حيث كانت البدايات وضيئة كآيات سورة الرحمن التي كان يرتلها صغيراً، فغرس فيه ذلك المسيد شغف النبوغ وبذور العبقرية التي ستثمر لاحقاً أدباً عالمياً. يتذكر تلك الأيام بوفاءٍ باذخ في مجموعته “حفنة تمر”: “لابدّ إنني كنت صغيراً جداً حينذاك.. لست أذكر كم كان عمري تماماً، ولكنني أذكر أن الناس حين كانوا يرونني مع جدي كانوا يربتون على رأسي، ويقرصونني في خدي.. المسجد والنهر والحقل، هذه كانت معالم حياتنا.”
لم تكن هجرة الطيب صالح إلى الشمال مجرد انتقالٍ في الجغرافيا، بل كانت غوصاً في التناقضات بين الأنا والآخر، وبين الجنوب الدافئ والشمال البارد. ومن قلب ذلك الصراع، نطق بلسان بطل “موسم الهجرة إلى الشمال” برغبةٍ عارمة في الانتصار للحياة رغم كل انكساراتها: “سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن، ولأن عليّ واجبات يجب أن أؤديها، لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى.. وإن كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى.” لقد آمن “عبقري الرواية العربية” أن المعرفة والتعليم ليسا غاية في ذاتهما، بل هما وسيلتان لفك الأغلال عن الروح البشرية، فالحرية عنده هي مفتاح المستقبل الذي لا يملك أحدٌ التكهن بنتائجه، حيث يقول: “نعلم الناس لنفتح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة.. ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة. الحرية.. نحرر العقول من الخرافات، نعطى الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كيف يشاء.”
عاش الطيب صالح بسيطاً في مظهره، عميقاً في مخبره، محتفياً بالإنسان أينما وجد. وفي رحلته الطويلة عبر ثمانين عاماً، ظل السؤال عن “الحقيقة” يؤرقه، مدركاً أن الوصول إلى كنه الأشياء يتطلب ضريبة من الروح، وهو ما صوره في رواية “مريود” بقوله: “أي ثمن باهظ يدفعه الإنسان حتى تتضح له حقيقة نفسه وحقيقة الأشياء.” كان الموت في عالمه الروائي ليس نهاية، بل هو ميلاد جديد وجرأة في اختيار اللحظة الحاسمة لمواجهة المجهول. لقد أراد أن يكتب تاريخه الخاص بخطٍ جريء لا يتردد أمام آفاق الحياة الواسعة: “إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر.. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء.” رحل الطيب صالح في فبراير 2009، لكنه ظل “الراحل المقيم” الذي لا تغيب شمسه.
*الطيب صالح عبقرية عصية على الإنكار*
يبرز وصف الدكتور عبد الله إبراهيم كأدق مفتاح لفهم هذه الشخصية الاستثنائية حين قال: “الطيب صالح رجل بلا مزاعم”. وهي الجملة التي نقلها لنا الصحفي النابه ضياء الدين بلال، لتكون معياراً لتصنيف البشر في سيرورتهم نحو غاياتهم، إذ غالباً ما تكون هذه الصفة حكراً على العباقرة الذين أدركوا جوهر الأشياء فترفعوا عن صخب الادعاء. قبل عدة سنوات قرأت لأحد الكتاب الروائيين الصغار من المشاركين في مسابقة الطيب صالح للرواية العربية، التي تعقد سنويا بالخرطوم، قرأت تعليقا له كتبه مباشرة، بعد حضوره فعاليات حفل توزيع جوائز المسابقة، الذي كان مقاما في قاعة الشارقة بالخرطوم وعلى ما اذكر كان هو من ضمن المتقدمين لنيل هذه الجائزة، كتب معلقا ومحتجا على ما رآه من تقديس للطيب صالح قائلا (إلى متى نطوف حول هذه الاصنام)، وكان تحليلي يومها أن الموروث الفكري والثقافي المسيطر على أجيال الستينات حتى الثمانينات والتي يتربع عليها اسم عبقري الرواية العربية، يجعل الطريق أمام الروائيين المبتدئين الطامحين في تحقيق الصيت وتخطي حاجز هذا العملاق، شبه مسدود، فمن حق اي كاتب قطعا ان يطمح لأن يكون أيقونة، ولكن لا اعتقد أن الطريق يجب أن يبدأ بانكار عبقرية الطيب صالح، الذي عاش ظروفا مغايرة، تهيأت له الفرص والظروف في ذلك الوقت البعيد، مكنته من الانطلاق والتحليق بعيدا، ربما كان لهجرته الى بريطانيا وعمله في هيئة الاذاعة البريطانية وما تهيأت له من فرص مكنته من الالتقاء بمختلف القامات الفكرية والادبية العالمية والعربية على حد سواء، ربما كانت لها القدح المعلى في ابراز منتوجه العظيم هذا، هذه الظروف التي ربما لو ظل قابعا في الخرطوم ولم يخرج منها الى الدنيا، لما تهيأت له.. فالمنكرون (حسدا أو غيرة أو جهالة) مجابهون بحائط صد منيع يصعب اختراقه الا بانتاج فكري يستحق أن يخترق الحدود الفاصلة.. وبعد قراءتي لوصف د عبد الله ابراهيم وددت لو أن أمثال هذا الروائي الصغير قد أدرك معنى هذه الجملة لكفى نفسه وكفانا مؤونة الشرح.
كما انني قرأت قبل أشهر قليلة مقالا تم نشره بفيسبوك، لكاتب مغمور يدعى عبد الهادي داؤود، يعمل في مجلة الدستور، والذي في مقاله بذل جهدا كبيرا وبدون تبصر عميق وتروي أن يدخل في ذات النفق المظلم من الجهالة، كتب تحليلا استند فيه على معميات دون فهم ودون قراءة لتاريخ الإبداع عبر القرون، متكئا على قشور ركز فيها على عموميات، منها على سبيل المثال أن (طيبنا الصالح) قليل الإنتاج، وقلة المنتوج الأدبي حتما لا تصلح مقياسا للتفاضل، فالكل يعلم أن كتب الطيب صالح التسعة قد تخطت بما لا يقاس، المألوف من الكتابة، إذ أنه يكتب لنفسه كما ظل يردد على الدوام، ويقول (أنا أكتب لأبني جسرا بيني وبين بيئة افتقدها)، كان حافزه الأساسي ومحرضه الرئيسي الذي اخرج لنا كل هذا الإبداع هو احساس (الفقد)، إذ أنه كما قال لم يكن يشغل نفسه، حين بدأ الكتابة باي نوع من الجوائز البتة، أو كان ينتظر اي نوع من الشهرة والصيت، ومن بين كل من كتب عن صراع الحضارات مع الغرب، هناك من ظلوا يكتبون بمنهج الواقعية السحرية، متناولين صراع الأنا والآخر من منظور الصراع بين الشرق والغرب، غزارة في الإنتاج ملأت المكتبات عن هذا النوع من الصراعات، إلا أن الطيب صالح في روايته (موسم الهجرة الى الشمال)، تناول بحرفية ونهج بديع، صراع الجنوب والشمال، وكان الفقد الذي كابده وهو في لندن هو وقود هذا الصراع، فكتب عن المعاناة بابعادها المختلفة، رأسيا في رحلة البحث عن التوازن بين متطلبات العقل والجسد والوجدان وافقيا في الصراع بين شمال غني متحضر ابيض وجنوب فقير متخلف اسود.. هكذا تعمقت فيني هذه المعاني وانا اقرأ موسم الهجرة الى الشمال لأكثر من سبع مرات، وما زلت في كل مرة أقرأها، وانا الشخص العادي غير المتخصص في الأدب العربي، أجد دروبا أعمق، ومعاني جديدة. فلا ينبغي ان نجعل من قلة المنتوج منقصة، إذ أن هناك مبدعين عبر التاريخ خلدت اسماءهم وأصبحوا اعلاما بعمل واحد وإن كتبوا عدد من المؤلفات، أمثال، الشاعر الاغريقي هوميروس الذي عرف بملحمتي الاوديسا والالياذة، وليف تولستوي وهو من هو، لم يكتب غير تسع مؤلفات فقط ورغم ذلك فقد حمله التاريخ للدنيا بروايته( الحرب والسلام )، وديستوفيسكي على شهرته العظيمة وكتاباته العميقة انتج فقط ١١ رواية وبعض القصص القصيرة ولكن طفق عابرا التاريخ بروايته( الأخوة كرامازوف)، وغابريال غارسيا ماركيز رغم غزارة انتاجه (٢٩ كتاب) ولكن نجد أن اسمه ارتبط بروايتين (مائة عام من العزلة ، الحب في زمن الكوليرا )، وحين اطلق الوطن العربي لقب (عميد الأدب العربي) على طه حسين كان ذلك ناجما عن رد فعل لمحنته مع الأزهر حين كتب اطروحته المثيرة للجدل (في الشعر الجاهلي) وما تعرض له بعدها من محاكمات فكرية ثم إقالته من عمادة كلية الآداب، فاطلق العرب عليه لقب تعويضي عما أصابه(عميد الأدب العربي)، ولا احد أنكر عليه ذلك، فهو قاهر الظلام الذي انتج من الفكر ما يكفي ان يجعله علامة بارزة من علامات الأدب العربي الحديث.
الطيب صالح لم يخرج عن المألوف من سيرورة الإبداع وصيرورته، وليس هو من اطلق على نفسه مثل هذا اللقب، ومن ينكر عليه ذلك فهذا ليس جديدا، ولا حجر على احد أن يرى ما يراه، فرأيه مهما بلغ لن يغير الواقع، لأن أيقونة مثل الطيب صالح وضعت في صفحات التاريخ ضمن ايقونات الإبداع المائة عبر منهج علمي ودراسات احصائية وتحليل، قام به اتحاد الكتاب العرب، ضم بجانبه يحي حقي بروايته قنديل ام هاشم والتي تشابه كثيرا رواية موسم الهجرة الى الشمال، تتناول فكرة التغريب واثرها المرجو وانعكاساتها وكما دارت احداث رواية موسم الهجرة الى الشمال بين اوروبا وقرية كرمكول عند منحنى النيل، كذلك دارت رواية قنديل ام هاشم بين اوروبا وحي السيدة زينب بالقاهرة، تشابه جعل الكاتب العظيم (يحي حقي) بعد قراءته موسم الهجرة الى الشمال أن يكتب رسالة للطيب صالح تتكون من سطر واحد قائلا : (بعد أن قرأت “موسم الهجرة إلى الشمال” أحسست أنني وإياك من فصيلة واحدة). ولم يتهم اي منهما بأنه موالي للاستعمار كما اطلق عبد الهادي داؤود على رواية موسم الهجرة الى الشمال. وفي العام الذي فاز فيه نجيب محفوظ بجائزة نوبل (١٩٨٨م) التقت زوجة السفير السويدي بمترجم روايات نجيب محفوظ (ديفيد جونسون) في تونس، وأخبرته بأن لجنة جائزة نوبل تنوي منح جائزة نوبل للأدب هذا العام لكاتب عربي، فاقترح عليها بدوره ثلاث أسماء هي (نجيب محفوظ)، (يوسف إدريس) و (الطيب صالح)، وختم قائلا: “إلا أنني أرجح نجيب محفوظ”. نجيب محفوظ بثلاثيته الشهيرة والحائز على جائزة نوبل للاداب، رغم ان كل رواياته تناولت تقاطعات الحياة الاجتماعية والسياسية والنفسية بواقعية ممعنة في المحلية والذي بدوره حين سئل عن شعوره ولجنة الجائزة تعلنه فائزا بها فقال: (لم أكن في يوم من الايام طامحا فيها)، استغرب جدا وانا اقرأ لكاتب مغمور، يتناول بسطحية مفرطة تجربة الطيب صالح ويستنكر منحه الجوائز وإطلاق لقب عبقري الرواية العربية عليه.. ولكن لا بأس من حين لآخر أن يخرج لنا مثل هؤلاء فأحد أبواب الشهرة أن تخالف المألوف.. ويقيني أن هذا الكاتب تناول القشرة، ربما عمدا لغرض في نفسه، وربما عن جهالة.. ليظل عبقري الرواية العربية لقبا مفصلاً على الطيب صالح وان كره أمثال هؤلاء على قلتهم.
*ختاما : الطيب صالح بعيون رفاقه ونقاده*
يرى صديقه *الكاتب والصحفي طلحة جبريل* أن الطيب صالح لم يكن مجرد أديب، بل كان تجسيداً وطنياً حياً؛ إذ لخص شخصيته في عبارة بليغة قائلاً: “كان الطيب صالح هو السودان، وكان السودان هو الطيب صالح، لأنه جمع في كتاباته بين قدرات كاتب عملاق، ومبدع مرهف الإحساس، وإنسان قل أن يجود الزمان بمثيل له”.
أما *محمد بن عيسى (أمين عام منتدى أصيلة)* ، فيستذكر الجانب الإنساني والروحاني للراحل، واصفاً إياه بـ “سيدي الطيب” و”ذاكرة السودان المتنقلة”، ويضيف متعجباً من شدة تواضعه: “يا الله ما أبدع هذا الرجل بتواضعه وبساطته وقناعته.. كان يتهرب في عفوية الطفل من فكرة تكريمه قائلاً: لا يا رجل، والله لا أستحق التكريم، هناك غيري ممن يستحقونه”.
وفي سياق القيمة الأدبية، يؤكد *الناقد والمفكر رجاء النقاش* على عبقرية صالح الاستثنائية، وهو الذي أفرد له كتاباً كاملاً أسماه “الطيب صالح: عبقري الرواية العربية”، معتبراً أن ظهور مبدع بهذا الطراز يمثل حدثاً نادراً في حياة الأمم، فهو “أمة في كاتب”.
من جانبه، يشير *الروائي والمفكر السعودي تركي الحمد* إلى أن عظمة الطيب صالح لا تقاس بكثرة الإنتاج بل بنوعيته، حيث قال: “تكمن روعة الطيب صالح في الكيف وليس في الكم؛ فلو لم يقدم سوى روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) فقط لكفاه، فهي عمل خلد اسمه في تاريخ الثقافة العالمية”.
وتلفت *الشاعرة والدكتورة ثريا العريض* الانتباه إلى قدرة صالح على سبر أغوار المجتمعات، حيث قالت بعد لقائها به: “الطيب ترك آثاراً أدبية تشرف الثقافة العربية.. أدعو روائيينا أن يتعلموا منها كيف تكتب رواية تتعدى الفرد إلى التعمق في نفسية المجتمع دون فوقية مرفوضة”.
ويرى *الروائي السعودي يوسف المحيميد* أن الطيب صالح كان يملك شجاعة أدبية نادرة في التوقف عن الكتابة، موضحاً: “أعتبر موقف الطيب صالح بتوقفه عن كتابة الرواية موقفاً شجاعاً وجريئاً، حيث صرح أكثر من مرة بأنه ليس لديه شيء جديد لكي يكتبه، وهو موقف نادر لا نراه إلا لدى الكبار الذين يحترمون فنهم”.
ويصف *الناقد السوداني معاوية البلال* الأثر الذي تركه صالح في الوجدان السوداني بقوله: “لقد اختزل تاريخنا في خمس روايات سكب فيها ملامحنا وشهواتنا وأشواقنا وعذاباتنا.. واستطاع أن يوصل شخصية السودانيين بكل تاريخها وملامحها إلى العالم”.
ألا رحم الله الطيب صالح، ابن السودان البار، الذي علّمنا كيف نقرأ أنفسنا في مرآة الآخر، وكيف نصنع من الحزن والرحيل.. حياةً باقية.



