علم الدين عمر يكتب: ذكري تمرد أبريل.. إشارات النصر القادم..

حاجب الدهشة
..ثلاثة أعوام على حرب الخامس عشر من أبريل..حين حاولت الخيانة إبتلاع الدولة فأسقطها الشعب..
في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة أعوام.. إستيقظ السودانيون فجراً.. صائمين ..علي لعلعة الرصاص ودوي المدافع.. وتلمظوا طعم الخيانة المُر.. كان التاريخ يفتح صفحة دامية.. كُتبت بحبر المؤامرة.. وسُطرت بمحاولة غادرة لإغتيال الدولة من داخلها.. فجر الخامس عشر من أبريل لم يكن مجرد لحظة لتبادل الإشتباك العسكري.. كانت لحظة الكشف الأكبر لمشروع كامل ظل يتخفى خلف الشعارات..بينما كان يُعِد لإنقضاض شامل على الوطن من المسافة صفر..حيث أُتي من مكمنه الحذر كما يقولون..
تحركت مليشيا الدعم السريع في ذلك الصباح متجاوزة البحث عن شراكة أو إصلاح كتنظيم متمرد قرر أن يختصر الطريق إلى السلطة عبر فوهة البندقية.. لم تكن تلك الخطوة وليدة لحظة..بل ظهرت نتيجة لتراكم طويل من الفشل في الإندماج داخل العقيدة العسكرية الوطنية.. وفشل أعمق في فهم معنى الدولة وحدودها..ظل هذا الفصيل وهو في قلب المنظومة.. يُرتب لمغامرته الكبرى.. مستفيداً من موقعه الحساس وثقة الدولة التي ائتمنته على مفاصلها وأسرارها ومقارها وقادتها. وحلمها..
كانت الخطة واضحة.. ضربة خاطفة من الداخل.. شل قدرات الجيش.. إعتقال القادة أو إغتيالهم.. السيطرة على المرافق الحيوية.. ثم فرض أمر واقع يُعيد تشكيل السلطة وفق مشروعه الخاص.. لم يكن تحرك المليشيا نحو مطار مروي وقاعدته الجوية أمراً عابراً.. بل كان خطوة محسوبة لتحييد سلاح الطيران (كما أقر لاحقاً قائد التمرد نفسه).. كانت تلك لحظة كشف طبيعة التفكير.. ليس بناء الدولة.. بل تفكيكها أولاً..
الأخطر من ذلك.. أن هذا التحرك لم يكن معزولاً عن البيئة السياسية الملوثة التي وفرت له الغطاء أو على الأقل التواطؤ بالصمت أو التقدير الخاطئ..(شهادات لاحقة.. من بينها ما ورد على لسان حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي)..كشفت مشاهد صادمة عن وجود عناصر مدنية على صلة بالتحرك ظنت أن الأمر “مجىد نزهة قصيرة” تعيدها إلى السلطة التي فقدتها.. قدر ناشطو الحرية والنغيير أن إلتقاء السلاح المنفلت مع الوهم السياسي.. في أخطر معادلة يمكن أن تواجهها دولة.. يمكن أن يعيد لهم مجدهم المزعوم..
لكنهم لم يحسبوا حساب لإرادة الشعب السوداني الصلبة..
فقد إستدارت المعادلة بسرعة مذهلة.. الجيش الذي أُستُهدف من الداخل.. إستعاد تماسكه.. والشعب الذي كان يُراد له أن يكون ضحية.. تحول في لحظة إلى سند..مقاتل.. إلتفت الجماهير حول قواتها المسلحة بدافع الإدراك العميق لأبعاد المعركة الوجودية بين الدولة والتمرد والمؤامرة..
ثلاثة أعوام مرت.. والمشهد تغير جذرياً.. دُحرت المليشيا من العاصمة الخرطوم.. وأنكسرت في ولايات الجزيرة وسنار.. وتراجعت إلى أطراف بعيدة بعد أن فقدت مركز ثقلها.. لم يكن ذلك نصراً عسكرياً فحسب.. بل كان إستعادة لمعنى الدولة وهيبتهاوسيادتها..
غير أن الذكرى الثالثة لا ينبغي أن تكون محطة إحتفال لازلنا بعيدين عن تخومه..طالما المعركة مستمرة والتحدي قائم..
هذه الحرب كشفت بوضوح هشاشة بعض البنى السياسية والمجتمعية.. بل وهشاشة الشخصية السودانية في مواجهة الأخطار المتعلقة بالأمن الوطني والقومي.. وخطورة التراخي في بناء عقيدة وطنية جامعة.. وأهمية اليقظة تجاه كل أشكال الإختراق.. سواء جاءت في زي عسكري أو خطاب مدني..
وضح جلياً أن الإستهانة بطبيعة التهديدات يمكن أن تعيد إنتاج المأساة في أي وقت مالم يرتفع الحس الوطني لمستوي المسؤولية..
في ذكرى الخامس عشر من أبريل.. يقف السودان أمام مرآته.. بجراح لم تلتئم .. لكنه أيضاً ببلد وشعب أثبت أنه قادر على النهوض ولثم الجراح.. وبين الألم والإنتصار تظل الحقيقة الأوضح..أن هذه البلاد التي حاول البعض القضاء علي تماسكها في ذاك الفجر الغادر ما زالت عصية.. لأن شعبها قرر ذلك علي خطى الآباء المؤسسين وليس مشروع مرتزقة آل دقلو..



