الاقتصاد الأمني أم الاقتصاد الإنتاجي؟.. أي طريق لإنقاذ السودان؟

بقلم/ أمية يوسف حسن أبو فداية
منذ انفصال جنوب السودان وخروج معظم عائدات النفط من الموازنة العامة، دخل الاقتصاد السوداني في أزمة هيكلية عميقة ظلت تتفاقم عاماً بعد عام. وخلال هذه الفترة تعاقبت حكومات ووزراء مالية متعددون، إلا أن معظم السياسات الاقتصادية اتجهت نحو ما يمكن تسميته بـ”التفكير الأمني الاقتصادي”، وهو نهج يعتمد على الإجراءات الإدارية والرقابية والعقابية لمعالجة الأزمات الاقتصادية بدلاً من معالجة جذورها الإنتاجية والتنموية.*
ولا يُقصد بالاقتصاد الأمني هنا الإنفاق على المؤسسات الأمنية أو متطلبات الحرب، وإنما اعتماد أدوات الضبط والمنع والملاحقة باعتبارها الحل الأسهل للمشكلات الاقتصادية المعقدة. فقد تمثلت هذه السياسات:
١. في ملاحقة تجار السوق الموازية للعملات الأجنبية، رغم عجز الدولة نفسها عن توفير النقد الأجنبي لتغطية احتياجات الاستيراد والإنتاج.
٢. كما تم تشكيل لجان متكررة لمكافحة تهريب الذهب دون معالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع المنتجين والمصدرين إلى التهريب.
٣. تقليل السيولة النقدية.
٤. حظر بعض السلع الكمالية .
٥. زيادة الرسوم الحكومية المختلفة من جمارك وضرائب ورسوم محليات وعبور .
٦. إضافة إلى رفع أسعار السلع والخدمات التي تحتكرها الدولة مثل الوقود والكهرباء والمياه وخدمات الصرف الصحي والنفايات.
وقد أسفرت هذه الإجراءات عن نتائج عكسية في كثير من الأحيان. فبدلاً من استقرار سعر الصرف، استمر تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات كافة. كما اتسعت دائرة الفقر لتشمل شرائح واسعة من الموظفين وأصحاب الدخول الثابتة، وظهرت موجات من الاحتجاجات الاجتماعية كما حدث في عامي 2013 و2018. كذلك تضررت قطاعات الزراعة والصناعة والإنتاج بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف الحوافز الاستثمارية، بينما ازدادت معدلات الفساد والتهرب الضريبي والجمركي نتيجة تعقيد الإجراءات وتعدد الرسوم.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب الانتقال من الاقتصاد الأمني إلى الاقتصاد الإنتاجي.
١. ويبدأ ذلك بدعم القطاع الزراعي الذي يمثل الميزة النسبية الأكبر للسودان، من خلال إعادة تأهيل المشروعات الكبرى مثل مشروع الجزيرة، ودعم المشروعات المتوسطة والصغيرة مثل سوبا شرق والواحة وسندس وغيرها، بما يضمن استعادة دورها في الإنتاج والتشغيل.
٢. إعفاء المنتجات الزراعية والصناعات التحويلية والاستزراع السمكي ومشروعات الثروة الحيوانية من الأعباء والرسوم المرهقة .
٣. وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية وفق ضوابط تحقق المصالح الوطنية وتضمن نقل المعرفة والتكنولوجيا.
٤. دعم المنظمات الدولية والإسلامية التي تسهم في مكافحة الفقر وتأهيل الشباب لسوق العمل.
٥. لا يمكن تحقيق أي إصلاح اقتصادي حقيقي دون مكافحة الفساد .
٦. وتقليل الترهل الإداري .
٧. إحكام الرقابة على المال العام، وإيقاف الصرف خارج الموازنة.
الإصلاح الاقتصادي لا يتحقق بالملاحقات والقرارات الإدارية وحدها، بل بزيادة الإنتاج وتحفيز الاستثمار وتوسيع قاعدة الصادرات.
إن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله للخروج من أزماته الاقتصادية، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية ورؤية اقتصادية تضع الإنتاج والتنمية في مقدمة الأولويات، بدلاً من الاكتفاء بالحلول الأمنية المؤقتة التي أثبتت التجربة محدودية أثرها وعجزها عن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام.

أمية يوسف حسن أبو فداية
باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي



