علم الدين عمر يكتب : الشعب لا يأكل (الأمل) !!

حاجب الدهشة
حين تغيب الرقابة.. يتيه الإقتصاد.. منذ الإطاحة بنظام الرئيس البشير في العام 2019 ظلت الدولة تتخبط في حالة من التوهان الدستوري الذي أبتدره الفريق أول عوض بن عوف رئيس المجلس العسكري الإنتقالي ونائب البشير ووزير دفاعه الذي تنازل لتوتر دستوري آخر أتي بحكومة التيه برئاسة عبدالله حمدوك.. ثم دخلت البلاد في حالة فراغ دستوري إمتد منذ إجراءات إكتوبر 2021 حتي تمرد مليشيا الدعم السريع ونشوبةالحرب..وطوال هذه الحقب كان فراغ سلطة الرقابة والتشريع حاضراً.. وفي عالم الإقتصاد والسياسة لا توجد كارثة أخطر من غياب الرقابة.. فالعملة لا تنهار فجأة والأسواق لا تنفلت من عقالها بين ليلة وضحاها.. والتضخم لا يتحول إلى وحش يلتهم دخول المواطنين دون مقدمات..كل هذه الأزمات تبدأ من نقطة واحدة مرتبطة بتوقف الدولة عن مراقبة نفسها.. وتعطل المؤسسات التي تراجع وتحاسب وتسائل وتصحح المسار..
الدولة لا تفقد إستقرارها الإقتصادي والسياسي والمجتمعي بسبب نقص الموارد أو الحرب.. وإنما بسبب تآكل منظومة الحوكمة التي تضمن حسن إدارة الموارد وتوجه السياسات العامة نحو أهداف واضحة وقابلة للقياس والمراجعة.. بغياب المؤسسات التشريعية والرقابية.. وتراخي سلطة الصحافة والنيابة.. وحل البرلمان كعين للشعب على السلطة التنفيذية.. أصبح القرار الإقتصادي أقل خضوعاً للفحص والتدقيق.. وأكثر عرضة للأخطاء والتقديرات غير المحسوبة..
ما يحدث اليوم من تراجع مستمر في قيمة العملة الوطنية.. وارتفاع متسارع في الأسعار.. وتآكل القوة الشرائية للمواطنين.. واتساع الفجوة بين الصادرات والواردات لا يمكن تفسيره بالكامل بالحرب الدائرة في البلاد.. الحرب عامل ضاغط بلا شك.. لكنها لا تصلح لأن تكون تفسيراً شاملاً لكل مظاهر الإختلال.. ولا أن تتحول إلى مبرر دائم لتعطيل أدوات الرقابة والمساءلة..أما قصة الإجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء ليحل محل السلطة التشريعية فهذا هو الخطل بعينه..
إن أخطر ما تكشفه الأزمة الراهنة ليس فقط تراجع المؤشرات الإقتصادية..وإنما غياب الجهة التي تطرح الأسئلة الضرورية حول تلك المؤشرات.. من يراجع السياسات الإقتصادية؟ ومن يحاسب على نتائجها؟ ومن يقيم أداء المؤسسات التنفيذية؟ ومن يراقب الإنفاق العام؟ ومن يسأل عن أسباب الاختلال المتزايد في الميزان التجاري؟ ومن يراجع جدوى القرارات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة؟
لن يقبل الناس أن تُترك هذه الأسئلة معلقة في الهواء أكثر من ذلك..لابد من برلمانات ولجان متخصصة وأجهزة رقابية ومؤسسات مستقلة تتولى مراقبة الأداء العام ومراجعة السياسات وتقديم التوصيات وإخضاع المسؤولين للمساءلة..بغياب هذه المنظومة يتحول الخطأ لممارسة يومية..وتفقد الدولة قدرتها على اكتشاف مواطن الخلل (أو ربما رغبتها).. قبل أن تتحول إلى أزمات كبرى..فبسبب ضعف الإدارة وغياب الشفافية وانعدام الرقابة تهاوت الثقة في الدولة..والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي اقتصاد..والثقة لا تُبنى بالتصريحات المطمئنة أو الوعود العامة أو إطلاق إسم الأمل علي الحكومة..بل تُبنى عندما يشعر المواطن والمستثمر معاً أن هناك مؤسسات تراقب وتحاسب وتصحح الأخطاء وتمنع الانحرافات..
وما يزيد من خطورة المشهد الحالي أن حالة الفراغ الرقابي تتزامن مع غياب برنامج سياسي وإداري واضح المعالم يحدد أولويات الدولة خلال فترة الحرب وما بعدها..
إن الحرب قد تفسر جانباً من الصعوبات الاقتصادية..لكنها لا تفسر غياب الرؤية.. ولا تبرر ضعف الرقابة..ولا تعفي أحداً من مسؤولية إدارة الدولة بكفاءة وشفافية.. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة لا يبحث فقط عن هذه التفسيرات.. بل يبحث عن مؤسسات قادرة على التعامل معها وعن قيادة تمتلك خطة واضحة للخروج منها..
ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة العملة وحدها.. ولا معركة الميزان التجاري وحده.. وإنما معركة استعادة الدولة لمؤسساتها الرقابية والتشريعية وإعادة الإعتبار لمبدأ المساءلة العامة..



