“تفلّت” وزاري.. الإعلام نموذجاً

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

والأخبار، ومهما مضى عليها من زمن على تداولها، فإنه لم يعد هنالك سبب لذهابها إلى “سلة مهملات” الصحافة، ولم نعد محتاجين لعمليات تنقيب مضنية حتى نصل إليها، فتوفُّر “الذاكرة الرقمية” سهَّل من سبل الوصول لأي محتوى رقمي مبذول على هذا الفضاء المتفاعل، وهو بالضبط ما أعادنا لمثل هذا التوقيت من العام الماضي، وتحديداً في شهر مايو، حينما “طلع في راس” وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار أن تقيم ورشة لتعديل قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية للعام 2009م، و”هبوب” ضل الضحى الوزاري “يادوب ضارب”. وفي ظل عدم وجود مجلس تشريعي، لم تغلب وزارة الإعلام الحيلة في اختيار “شعار” يتناسب و”نفخة” البدايات الوزارية: “حرية إعلامية بمعايير مهنية”، و”قيافة” اسم الورشة لم تمنعنا حينها من التركيز والسؤال عن آليات تنفيذ ما جاء في الورشة والمداولات والأوراق التي قُدمت على مدار أيام انعقادها، وسوَّقت لها وكالة الأنباء الرسمية “سونا” بتغطية يومية صوتاً وصورة.

وبالخطب الحماسية و”الضجة في الرادي”، انفض سامر المجتمعين في الورشة التي أدت الغرض المطلوب منها، ليتذكر السيد الوزير خالد الإعيسر، وسط مشغولياته الكونية، في شهر سبتمبر من ذات العام، بأن للورشة توصيات ومخرجات، فأصدر قراراً بتشكيل “لجنة” برئاسة وكيلة الوزارة/ سمية الهادي، بمشاركة ممثلين من وزارة العدل وجهات ذات صلة، لمتابعة تنفيذ توصيات الورشة إياها.

كما أوصى القرار اللجنة بمراجعة القانون وإعداد مسودة قال بأنها يجب أن تراعي التطورات المهنية والتقنية.

والقصد من هذا الاستدعاء للمعلومات أعلاه هو الربط مع “التعميم” الصادر من وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، وبتوقيع السيد الوزير بتاريخ 31 مايو 2026م، والذي أعلن فيه عن انقضاء المهلة التي منحتها الوزارة للمؤسسات والمنصات الإعلامية لتوفيق أوضاعها القانونية، وتفضلت الوزارة بإعطاء مهلة أسبوعين إضافيين من كرمها على المشار إليهم في التعميم، وتوعدت بعد ذلك كل من لم يكمل إجراءات تعبئة الاستمارة المعدة من قبل الوزارة وإكمال إجراءات التسجيل، بأنها ستُعد مخالفة للقوانين واللوائح النافذة، وستتخذ حيالها الإجراءات القانونية.

(*) خارج إطار القانون…

بقدر ما أن التعميم قد احتشد بحمولات إنشائية من شاكلة “تنظيم قطاع الإعلام الإلكتروني”، و”بناء قاعدة بيانات حديثة”، و”تعزيز التواصل المؤسسي ودعم التطوير المهني وترسيخ مبادئ المسؤولية المهنية”، إلا أنه افتقر إلى أي سند قانوني يعزز مشروعية الإجراءات التي توعدت بها الوزارة في التعميم.

لم يفتح الله على الوزارة بذكر أي مادة في القانون أو في اللوائح تجعل ما قامت به، أو ما هددت به المذكورين في التعميم، في إطار قانوني يجعلنا نطمئن بأن الوزارة عندما فكرت في هذا الإجراء كانت قد استشارت مستشارها القانوني على الأقل.

قرارات “السمبلة” والارتجال الوزاري تجعلنا نتوقف لقراءة العقل الرسمي وكيف يُدار دولاب العمل في الدولة السودانية.

لن يستطيع كاتب التعميم الإجابة على سؤال: هل منح قانون الصحافة والمطبوعات القائم حتى الآن، ولم تُجرَ عليه أي تعديلات، وزارة الإعلام سلطة الترخيص والتصديق للمؤسسات الصحفية والإعلامية؟ أم تريد، وفقاً لهذا التعميم، أن تنشئ سلطة موازية لسلطة مجلس الصحافة والمطبوعات؟

بالضرورة أن الإجابة على السؤال الأول هي: لا، باعتبار أن ما جاء في مخرجات الورشة التي عقدتها الوزارة لم يجد طريقه إلى التنفيذ ليصبح إطاراً قانونياً يشرعن المكتوب في التعميم الوزاري.

أما إجابة السؤال الثاني فهي: نعم، الوزارة لديها الرغبة في أن تمارس صلاحيات ليست من اختصاصها، ولا تملك المسوغ القانوني لذلك.

تناقض قانوني كبير بين مخرجات الورشة التي عقدتها الوزارة قبل عام، وقالت فيها إنها ستعمل على تعزيز استقلال المؤسسات الإعلامية وإجراء مراجعات للقوانين المقيدة للحريات، مع ما هو مذكور في التعميم الأخير الصادر من الوزارة.

في العموم، تنظيم أي قطاع مطلوب، بما فيه الإعلام، إلا أن أسئلة الاستمارة التي أعدتها الوزارة، وتشمل ما يشبه أسئلة “التحري” عن مصادر التمويل، تكشف استبطان “التجريم” في واقع لم تجب فيه الوزارة على سؤال: ما الذي فعلته للمؤسسات الإعلامية والصحفية والصحفيين الذين دفعوا تكلفة الحرب وفقدوا مصادر دخلهم؟ وما هي تصوراتها لاستعادة هذا القطاع عافيته؟

كل الذي قامت به، من خلال فكرة هذا التعميم، هو أنها ارتدت قفطان “محاكم التفتيش” لتجري مراجعات على الذمم دون أي إطار قانوني.

التعميم الصادر من الوزارة، بغير أنه لا يستند إلى أي حق قانوني ينعقد للوزارة، فهو لا ينسجم تشريعياً مع المعايير الدولية الحاكمة لعمل المؤسسات الإعلامية والصحفية، وذهب باتجاه توسيع السلطات التنفيذية للوزارة، وتضمن التلويح بالعقوبات والتضييق.

وبالتعميم الصادر هذا، انتقلت الوزارة إلى ما يشبه “التفلّت” الرسمي من البحث عن إصلاح البيئة الإعلامية إلى توسيع الرقابة الإدارية عليها.

قراءة التعميم والإجراءات الواردة فيه تؤكد بأن هنالك خلطاً والتباساً واضحين في العقل الرسمي الذي صاغ التعميم بين مفهوم “التنظيم” و”الرقابة”، فالأولى في قطاع الإعلام تتم عبر “مواثيق الشرف” والمحاسبة القانونية والتنظيم الذاتي للمهنة، وليس عن طريق احتكار سلطة التصريح.

الوزارة نفسها لا تملك تعريفاً متماسكاً لماهية الصحافة الإلكترونية، ومن هو الصحفي، وما هي المطلوبات لتسمية أي جهة قانوناً بأنها “مؤسسة إعلامية”، وما هي الأدوات التي تمتلكها الوزارة لتنفيذ تهديداتها المذكورة في التعميم حال لم تُنفذ مطلوباتها؟ وهل هي في كامل الأهلية “الفنية” لذلك؟ بالضرورة الإجابة معلومة لأي متابع يعرف “البير وغطاها” في وزارات السودان وشاغلي المناصب فيها حالياً.

لا تعلم الوزارة بأن تقييد النشاط الإعلامي والصحفي يجب أن يتم عبر إجراءات قضائية وقانونية، وليس إجراءات إدارية.

ليست المشكلة في تنظيم الإعلام، فكل قطاع يحتاج إلى تنظيم، وإنما في أن يتحول التنظيم إلى أداة لتوسيع نفوذ السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات المهنية المستقلة التي أنشأها القانون أصلاً لتنظيم المهنة وحماية استقلالها.

أعطى السيد الوزير خالد الإعيسر نفسه الحق في الخروج في فاصل مسرح “سوق قندهار” ليوزع صكوك الوطنية بما تشاء رغباته، وطريقته التي لم يتركها منذ هيجان الاستقالة من قناة النيلين، وبالتالي لن تختلف طريقة تعاميم وزارته وأدواتها عند التعامل مع فضاء تفاعلي يعتبر هو التطور الحقيقي في الإعلام والصحافة، لأدواتهم النضالية في مقابل أدوات التعميم القمعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى