علم الدين عمر  يكتب : الحكومة الموازية.. الأوهام تتحول لتهديدات

حاجب الدهشة ..

ليست المشكلة الحقيقية في ما يُعرف بـ”حكومة التأسيس” التي أعلنتها مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها في نيالا..فالأفكار الخاطئة ليست جديدة على تاريخ الصراعات والحروب.. وكثير من المشاريع السياسية ولدت ميتة قبل أن تجد طريقها إلى الواقع..لكن الخطأ الكارثي يكمن في الإستخفاف بهذه الخطوات والتعامل معها باعتبارها مجرد إستعراض سياسي أو إعلامي عابر..

صحيح أن الحكومة الموازية تفتقر إلى الإعتراف الداخلي والخارجي..وصحيح أن ما أعلنته من مؤسسات وترتيبات لا يملك أي قيمة قانونية أو دستورية في إطار الدولة السودانية..لكن الصحيح أيضاً أن تجاهل هذه التحركات يمثل خطأً إستراتيجياً لا يقل خطورة عن الفكرة نفسها..

أحدث تجليات هذا المسار تمثل في إعلان تنظيم إمتحانات موازية للشهادة الثانوية..من الناحية العملية هذه الإمتحانات لا تترتب عليها أي آثار أكاديمية أو قانونية معترف بها..ولا تفتح أبواب الجامعات ولا تمنح شهادات ذات قيمة خارج حدود المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا.. غير أن القضية لا تتعلق بقيمة الشهادة بقدر ما تتعلق بالدلالة السياسية الكامنة خلفها..

فحين تبدأ المليشيا في التفكير في سرقة إستقرار الدولة وإرثها التاريخي لهذه الدرجة وتسعي لإنشاء هياكل تعليمية موازية..وإجراءات إدارية موازية.. وخطاب سياسي موازٍ..فإنها لا تسعى فقط إلى إدارة مناطق نفوذها..بل تعمل على تكريس واقع إنفصالي تدريجي..حتى وإن لم تعلن ذلك صراحة.. وهذه هي النقطة التي تستوجب الإنتباه والتركيز..

لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن مشاريع التقسيم لا تبدأ بإعلانات رسمية أو إستفتاءات كبرى.. بل تبدأ بخطوات صغيرة ومتراكمة.. مدرسة هنا..إلى أن يتحول الأمر بمرور الوقت إلى واقع سياسي وأمني يصعب إحتواؤه أو التعامل معه..

ومن هذه الزاوية فإن النظر إلى إمتحانات الشهادة الثانوية الموازية كمجرد حدث هامشي أو مادة للسخرية يمثل قراءة قاصرة للمشهد.. فالمسألة ليست إمتحاناً بقدر ما هي رسالة سياسية تقول إن هناك من يسعى إلى بناء مؤسسات بديلة للدولة السودانية.. مهما كانت هشاشتها وضعفها في الوقت الراهن..

الأخطر من ذلك أن هذه التحركات تأتي في سياق حرب مدمرة أنهكت البلاد ومزقت النسيج الإجتماعي وأضعفت مؤسسات الدولة علي أي حال.. وفي ظل هذا الواقع تصبح أي محاولة لتأسيس كيانات موازية أو خلق ولاءات منفصلة بمثابة مسمار جديد يُدق في نعش السودان الموحد..

ولا يتعلق الأمر بدارفور وحدها..فكل حديث عن ترتيبات سياسية أو إدارية منفصلة في الإقليم يحمل في طياته تهديداً مباشراً لإستقرار كردفان أيضاً.. بحكم التداخل الجغرافي والإجتماعي والأمني بين المنطقتين.. ولذلك فإن أي عبث بمستقبل دارفور لا يمكن عزله عن مستقبل السودان كله..

لهذا السبب فإن المطلوب ليس تضخيم هذه الخطوات ولا التهوين من شأنها..وإنما التعامل معها بجدية ومسؤولية..فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية أو دعوات متفرقة وهشة لتدافع مجتمعي..الحرب تحولت لمعركة على مفهوم وقوميتها.. وكل يوم يتأجل فيه الحسم يمنح دعاة التفكيك والإنقسام فرصة إضافية لترسيخ وقائع جديدة على الأرض..

إن خطل فكرة الحكومة الموازية لا يعني تجاهلها.. بل يفرض التعامل معها باعتبارها مؤشراً خطيراً على حجم التصدع الذي أصاب البلاد..فالأوطان لا تضيع دفعة واحدة.. وإنما تتآكل تدريجياً عندما يعتاد الناس على رؤية الخطوات الخطأ دون أن يدركوا أنها قد تصبح حقائق يصعب التراجع عنها لاحقاً..

وإذا كان السودانيون يبحثون اليوم عن قضية تستحق التعجيل بإنهاء الحرب واستعادة الدولة..فإن مجرد التفكير في مستقبل تُدار فيه أجزاء من البلاد بمؤسسات موازية وشهادات موازية وشرعيات متوازية.. يجب أن يكون جرس إنذار كافي للجميع للنظر بعين المسؤولية وتحديد خيار الدولة المباشر والقاسي للتعامل مع الدول والكيانات التي ترعي هذا الأمر أو تتعامل معه..

نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى