معركة “الشهادات الموازية”.. «امتحانات الخلا»

مليشيا الدعم السريع تبيع الوهم وتتاجر بمستقبل الطلاب تحت قصف المسيرات
بطلان قانوني كامل.. تحذيرات عاجلة للأسر من فخ «الشهادات الموازية المضروبة»
نيالا / بورتسودان — مصطفى احمد عبدالله
في مفارقة تراجيدية تعكس ذروة الانتهازية السياسية، أطلقت المليشيا المتمردة عبر واجهتها الكرتونية المسماة “حكومة تأسيس” مسرحية “الامتحانات البديلة” في مدينة نيالا ومناطق سيطرتها، في محاولة بائسة لشرعنة وجودها الإداري على حساب مستقبل آلاف الطلاب البسطاء.
وتأتي هذه الخطوة الهزلية وسط موجة عارمة من الرفض الرسمي والشعبي، حيث تهكم الشارع السوداني على هذه الخطوة بوصفها امتداداً طبيعياً لنهج المليشيا العشوائي، مردداً بمرارة: “على وزن لواء خلا.. الليلة بدعوا امتحانات خلا.. وعشان يتخرج الطالب وتلازمو شهادة خلا” .
وبينما تقصف طائرات المليشيا المسيرة المدارس والمستشفيات ورياض الأطفال في المناطق الآمنة، تحاول يدها الأخرى الملطخة بالدماء بيع “الأوهام الأكاديمية” عبر وثائق مضروبة ومعدومة القيمة القانونية محلياً ودولياً، لتكشف عن فصام أخلاقي يتاجر بالتعليم لتغطية جرائم الغزو والارتزاق التي يقودها وافدو إفريقيا ضد الدولة السودانية ومؤسساتها السيادية.
فيما يلي التقرير الكامل حول أبعاد هذا المخطط وتداعياته القانونية والتربوية:
أولاً: التناقض الصارخ والمفارقة الأكاديمية (استهداف التعليم والمنشآت)تتجلى المفارقة الصادمة لمليشيا الدعم السريع المتمردة وواجهتها المتمثلة في “حكومة تأسيس” في تبنيها خطاباً يدعي الحرص على مستقبل الطلاب والتعليم، بينما تؤكد الوقائع على الأرض استهدافها الممنهج والمستمر لكافة مقومات الحياة والتعليم في المناطق الآمنة عبر المقذوفات والطائرات المسيرة.
قصف المدارس ورياض الأطفال:
تشن المليشيا هجمات مستمرة بالمسيرات والمقذوفات الصاروخية على المدارس ومراكز الامتحانات في الولايات الآمنة، مما أسفر مراراً عن سقوط ضحايا من الطلاب والمعلمين أثناء اليوم الدراسي، ولم تسلم حتى رياض الأطفال من القصف العشوائي الموجه للمناطق السكنية.
تدمير البنية التحتية والمستشفيات:
تعتمد المليشيا استراتيجية العقاب الجماعي بقصف محطات توليد الكهرباء وتغذية المياه الرئيسية في المدن الآمنة لتعطيل الحياة العامة، بجانب القصف المتكرر للمستشفيات والمرافق الصحية، مما يؤدي إلى انهيار المنظومة الإنسانية التي تدعم حياة الطلاب وأسرهم.

الامتحانات الرسمية للدولة:
تأتي هذه الخطوة العشوائية من قِبل الفصيل المتمرد في وقت قطعت فيه الدولة السودانية خطوتها الأهم لإنقاذ العام الدراسي؛ حيث كانت حكومة السودان الشرعية قد أنهت بنجاح امتحانات الشهادة السودانية الرسمية والمصادق عليها بجلوس أكثر من نصف مليون طالب وطالبة (أبريل الماضي) تحت إشراف وزارة التربية والتعليم الاتحادية في جميع المراكز الآمنة داخل الولايات وخارج السودان، مع تقديم تسهيلات كاملة وترحيل مجاني لطلاب ولايات دارفور وكردفان لضمان مستقبلهم الأكاديمي ودخولهم في “السستم” المعتمد.
استطلاعات آراء المواطنين (بين الاضطرار والتهكم الشديد)
تأرجحت ردود أفعال الشارع السوداني، لا سيما في ولايات دارفور، بين “بارقة أمل زائلة” فرضتها الظروف المأساوية والحصار العسكري، وبين “سخرية مريرة” من ضياع سنوات التحصيل الدراسي في امتحانات وهمية تقودها مجموعات متمردة لا صلة لها بالدولة السودانية:
الحاجة الملحّة والاضطرار:
عبّر عدد من أولياء الأمور في مدينة نيالا عن قبولهم المرير بالخطوة، حيث أشار المواطن (م. أ. يعقوب) إلى أن أبناءهم ظلوا بلا تعليم لأكثر من ثلاثة أعوام متتالية جراء الحرب، معتبراً أن جلوسهم للامتحانات أفضل من بقائهم بلا أمل، حتى وإن كانت الإجراءات صادرة عن جهة متمردة وغير معترف بها.
التهكم على “شهادات الخلا”:
في المقابل، أبدى مواطنون ومعلمون رفضاً صارماً وتندراً واسعاً من الخطوة. وقالت (فاطمة إسماعيل)، وهي معلمة في المرحلة الثانوية بنيالا: “هذه امتحانات خلا يقيمها مرتزقة وفصائل غازية تقصف المدارس في المدن الأخرى وتدعي الحرص عليها هنا، ولن تمنح الطلاب سوى شهادة خلا؛ فما فائدة أن ينجح الطالب بنسبة 90% ثم يكتشف أن شهادته مجرد ورقة عشوائية لا تساوي ثمن حبرها، ولا تعترف بها أي جامعة داخل السودان أو خارجه؟”

مخاوف تكريس الانقسام والتبعية:
سادت حالة من القلق الشديد وسط ناشطين مدنيين اعتبروا أن محاولة فصل النظام التعليمي في دارفور وكردفان عن المركز وتمليك أزمته لعصابات متمردة ومجموعات وافدة يمثل محاولة صريحة لعزل أبناء الإقليم أكاديمياً ومؤسسياً وتوطين المليشيات تحت غطاء إداري وتعليمي زائف.
من جانب آخر أجمع الخبراء القانونيون والمحامون على البطلان المطلق لهذه الخطوة من منظور القانونين الدولي والمحلي، مؤكدين أن الآثار المترتبة عليها تقع بالكامل كأضرار على عاتق حامل الشهادة
وفي ذلك يوضح الاستاذ القانوني بجامعة سنار (عبدالرحمن عبدالله ) أن إصدار الشهادات الأكاديمية القومية وإدارتها هو حق سيادي حصري للدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم والقياس والتقويم القومي.
وبالتالي، فإن فصيلاً متمرداً يتألف من مجموعات مسلحة ومرتزقة لا يملك أدنى شرعية لإصدار وثائق رسمية تهم السيادة الوطنية السودانية.
فيما أكد قانونيون مختصون بالتوثيق الإداري أن هذه الشهادات لن تجد طريقاً لمنظومة البيانات الإلكترونية القومية للشهادة السودانية، وبالتالي يترتب قانوناً رفض قبولها تلقائياً في الإدارة العامة للقبول بوزارة التعليم العالي، على عكس الشهادات الرسمية لنصف مليون طالب الذين تم تسجيلهم إلكترونياً بالفعل.
عقبة التوثيق الدولي والمحلي:
من الناحية القانونية الدولية، تخضع الوثائق الرسمية لاتفاقيات دولية تنظم مصادقة الدول عبر وزارات خارجيتها وسفاراتها وملاحقها الثقافية. وبما أن مليشيا الدعم السريع أو ما يسمى “حكومة تأسيس” لا تحظى بأي اعتراف إقليمي أو دولي وتُصنف كقوة تمرد غاشمة، فإن كل وثيقة صادرة عنها تظل باطلة دولياً ولا تمنح صاحبها أي حق استحقاقي.
تكييف الخطوة كـ “جريمة تزوير واستغلال إنساني”:
يرى الخبير في القانون الإنساني (د. عبدالباقي عثمان) أن إقامة امتحانات تحت إشراف سلطة تمرد واستغلال رغبة الأطفال في التعليم لأهداف الدعاية السياسية يُصنف دولياً كـ “خداع وتضليل للمدنيين”، وتزوير لهوية المستندات السيادية للدولة السودانية، بالتزامن مع تدميرهم الفعلي للمدارس والمرافق على الأرض.
وطالبت ست النفر الخواص الباحثة النفسية حماية مستقبل الطلاب من التضليل الإداري والسياسي الذي تمارسه المليشيا المتمردة، وضمان عدم ضياع مجهوداتهم.
بينما تصدرت المنصات التربوية والقانونية التنبيهات التالية للأسر:
مقاطعة الامتحانات الموازية:
تجنب الدفع بالأبناء إلى مراكز الامتحانات غير المعتمدة في نيالا أو أي منطقة تسيطر عليها المليشيا لتفادي الحصول على وثائق باطلة قانونياً تُقصي الطلاب من المستقبل .
التسجيل في امتحانات الملاحق والطوارئ:
متابعة الإعلانات الرسمية لوزارة التربية والتعليم الاتحادية بخصوص “دفعة الطوارئ” والفرص الاستثنائية المخصصة للطلاب الذين لم يتمكنوا من الجلوس للامتحانات الرسمية الماضية بسبب الحصار أو العمليات العسكرية للمتمردين.
الانتقال للمراكز الآمنة:
الاستفادة من التسهيلات الحكومية التي تتيح للطلاب التقديم والجلوس للامتحانات في الولايات الآمنة المجاورة أو مراكز الولايات التي توفر ترحيلاً واستضافة مجانية للوافدين من دارفور وكردفان لإنقاذهم من قبضة المليشيا.

المنصات الإلكترونية المعتمدة:
الاعتماد حصرياً على المواقع الرسمية لوزارة التربية والتعليم السودانية للتأكد من أرقام الجلوس وصحة البيانات، وتجنب أي روابط إلكترونية صادرة عن “حكومة تأسيس” أو واجهات الدعم السريع المتمردة.
اخيرا تُجمع الأوساط التربوية والقانونية على أن امتحانات نيالا الموازية، وإن بدت لبعض الأسر المغلوبة كمخرج مؤقت، فإن تداعياتها المستقبلية كارثية؛ إذ تضع الطلاب في “مأزق أكاديمي مغلق” وتحرمهم من المنظومة التعليمية الرسمية المعتمدة من وزارة التربية والتعليم الاتحادية للدولة السودانية، والتي كان قد جلس لها بنجاح أكثر من نصف مليون طالب وطالبة في مراكز الطوارئ الآمنة والمراكز الخارجية بدعم وتسهيلات رسمية من الدولة لضمان مستقبلهم الأكاديمي والمهني بشكل شرعي وقانوني بعيداً عن أوهام المليشيات المتمردة التي تقصف المدارس بيد وتدعي بناءها باليد الأخرى.



