العودة الطوعية تحت نيران الجبايات..(افخاخ) الطريق تهدد المواطنين.. !

مدير كافتريا: نحن لا نتحامل على المواطن لكننا ضحايا لأزمة اقتصادية خانقة
رحلة العودة محاصرة بنيران الجباية و”تربيط” المصالح.. ومبادرات مضيئة تقاوم الجشع
تقرير: مصطفى احمد عبدالله
في الوقت الذي يتطلع فيه آلاف المواطنين السودانيين النازحين إلى تنفس الصعداء، وحزم أمتعتهم للعودة الطوعية إلى ديارهم في الخرطوم بعد فترات عصيبة من النزوح، تصطدم هذه الأشواق الإنسانية النبيلة بجدار سميك من التضخم الطاحن، والاستغلال التجاري البشع الذي تحولت بموجبه طرق السفر إلى ساحات للجباية القسرية وامتصاص ما تبقى في جيوب المواطنين المثقلة بالهموم.
الرحلة من ولاية سنار إلى العاصمة الخرطوم، والتي تمتد جغرافياً على مسافة تقارب الـ 280 كيلومتراً وتستغرق نحو خمس ساعات من القيادة، لم تعد مجرد مسافة تقطعها الباصات السفرية، بل تحولت إلى معادلة مالية مرعبة ومجحفة بحق العائلات العائدة، حيث تبلغ قيمة تذكرة العبور للفرد الواحد 110 آلاف جنيه سوداني، مما يعني أن المسافر يدفع قرابة 370 جنيهاً عن كل كيلومتر واحد يقطعه، وهي تكلفة تفوق القدرة المالية للغالبية العظمى من الأسر المنهكة ماديًا.
كواليس الصفقة السرية في استراحات الطريق
لا تتوقف المعاناة عند عتبة تذكرة السفر؛ بل تبدأ فصولها الحقيقية داخل استراحات الطريق الممتدة بين سنار والخرطوم. هناك، تُمارس عملية “استثمار الاحتياجات البيولوجية الأساسية” بشكل غير مسبوق، حيث يدخل المسافر في دوامة أسعار فلكية لا ترحم؛ إذ يبلغ سعر الوجبة البسيطة للغاية (بيضة واحدة ورغيفة) 4 آلاف جنيه، بينما يُجبر المواطن على دفع ألف جنيه (ما يعادل ربع دولار) لمجرد دخول الحمام، ولم تسلم حتى المشروبات والخدمات الهامشية من مقصلة الغلاء؛ إذ تُباع عبوة “موية الصحة” بـ 1500 جنيه، ويصل سعر فنجان القهوة إلى 2000 جنيه، وكوب الشاي إلى 1000 جنيه، بل حتى تلميع الحذاء من غبار السفر بـ “الورنيش” بات يكلف 1000 جنيه!
وتشير أصابع الاتهام في هذا الجشع المنظم إلى وجود اتفاقيات غير معلنة، أو ما يُعرف بـ “تربيط المصالح” بين بعض سائقي الباصات السفرية وأصحاب الاستراحات. وبموجب هذه التفاهمات، يحصل السائق ومرافقوه على خدمات طعام وشراب مجانية بالكامل، إلى جانب حوافز وعمولات نقدية تتقاضاها طواقم الباصات مقابل إجبار الركاب على التوقف في استراحات بعينها، ليدفع المواطن البسيط في نهاية المطاف فاتورة هذه الامتيازات المجانية مضاعفة من قوته اليومي.

ماذا قال السائقون والركاب ؟
الحاج عثمان التوم – سائق حافلة ركاب (سفريات الخرطوم سنار) قال إن الركاب يشتكون لنا يومياً من جشع المطاعم.. تدهور الأسفلت والحفر في قطاع (الخرطوم – مدني) يجعل الرحلة أطول، مما يضطرنا للتوقف أكثر من مرة. غلاء الطعام يدفع العائلات البسيطة لرفض النزول من الحافلة، والاعتماد على قليل من الماء والبلح لتوفير المصاريف، ناهيك عن رداءة الخدمات والنظافة المعدومة في الحمامات والمصليات مقارنة بالمبالغ التي يربحونها.”
مروة عبد المحمود – ربة منزل وأم لثلاثة أطفال”:”الكارثة ليست في الغلاء فقط، بل في انعدام قوائم الأسعار. تطلب الوجبة دون أن تعرف قيمتها، وعند الدفع تجد فاتورة فلكية. جودة الطعام متدنية جداً وهناك مخاوف حقيقية من التسمم الغذائي بسبب ضعف الرقابة الصحية على هذه الكافتيريات المعزولة.”
بارقة أمل وسط الظلام: غرف البصات تقاوم
رغم قتامة هذا المشهد الاستغلالي، إلا أن الموقف لا يخلو من الجوانب المضيئة والمبادرات الإنسانية التي تحاول جاهدة كبح جماح الفوضى وإرساء قيم التعامل الإنساني الراقي؛ وفي هذا السياق، يتجلى الدور المسؤول والوجه المشرق لغرفة البصات السفرية، والذي يمثله بامتياز الأخ أحمد إبراهيم أحمد.ويستحق هذا الرجل الودود كل عبارات الثناء والتقدير، إذ بات يُشكل نموذجاً يُحتذى به وعنواناً محترماً لغرفة البصات السفرية في حسن التعامل وتقديم الخدمة وتسهيل الإجراءات للمسافرين بمرونة وإنسانية عالية.
ولا يتوقف دور الأخ أحمد إبراهيم عند حدود الوظيفة الرسمية، بل يتعداه إلى تسخير علاقاته الواسعة وجهوده الشخصية لتسهيل سفر أصحاب الحاجة، والمقطوعين، وأصحاب الحالات الخاصة، ومن تقطعت بهم السبل ولا يملكون ثمن التذكرة. إن وجود أمثال أحمد إبراهيم في هذه المواقع الحساسة يبعث الأمل في النفوس، ويؤكد أن قطاع النقل يضم قامات وطنية تنظر إلى المواطن كصاحب حق ينبغي إعانته وليس كفرصة للتربح، وهي لفتة شكر واجبة لكل من يقدم يداً بيضاء في هذه الظروف الاستثنائية المعقدة.
التحامل على المواطن
عوض الكريم – مدير كافتريا”: قال: “نحن لا نتحامل على المواطن، لكننا ضحايا لأزمة اقتصادية خانقة.. نتحمل كلفة تشغيلية مضاعفة؛ الكهرباء تنقطع باستمرار فنعتمد على المولدات التي تستهلك جازولين بأسعار السوق السوداء، والمياه نجلبها عبر التناكر بأسعار باهظة، فضلاً عن الضرائب المتعددة والجبايات المحلية التي تُفرض على المنشآت الواقعة على الطرق القومية. كلفة نقل البضائع والمواد الغذائية من المدن الكبرى إلى هذه النقاط ترفع السعر تلقائياً.”
العودة الطوعية بين المطرقة والسندان
إن استمرار غياب الرقابة الحكومية والمحلية على أسعار السلع والخدمات في استراحات الطرق السفرية، يهدد بشكل مباشر مساعي العودة الطوعية للمواطنين، ويجبر العائلات على البقاء في مراكز النزوح تحت وطأة العجز المادي.
وبات من الضروري التدخل العاجل من قِبل سلطات تنظيم النقل البري والمحليات وإدارات السياحة لفرض ضوابط صارمة،
وإلزام الاستراحات بوضع ديباجات أسعار واضحة وعادلة، مع تفعيل غرف الطوارئ والمبادرات التكافلية لتقديم الخدمات الأساسية والمطابخ المجانية على طول طرق السفر، لحماية المواطن العائد من أن تتبدد مدخراته الشحيحة قبل أن تطأ قدماه عتبة منزله في الخرطوم.



