امتحانات الشهادة عند المليشيا.. رفض نقابي.. وتحذيرات من “الشهادات الزائفة”

لجنة المعلمين لـ (العودة): قيام الامتحانات في مناطق سيطرة “الدعم السريع” تعقّد المواقف
خبير تربوي: “خداع الكفيل” ومستقبل زائف بشهادات كاذبة
تقرير: العودة
في خطوة أثارت الكثير من الجدل والانقسام في الشارع السوداني والأوساط التعليمية والسياسية، انطلقت يوم أمس في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع في إقليم دارفور وولاية غرب كردفان، امتحانات الشهادة الثانوية السودانية والتي تميزت بانطلاقتها وسط حضور ضعيف ومحدود من الطلاب والطالبات الذين ينتظرهم واقع معقد وتحاصرهم أسئلة حول جدوى هذه الشهادات غير المعترف بها.
وذلك بعد أن شملت الظروف الأمنية تعذر وعدم تمكن هؤلاء الطلاب في مناطق سيطرة المليشيا من الجلوس للامتحانات الرسمية والقومية التي تنظمها وتديرها الحكومة السودانية، في وقت تؤكد فيه الحكومة التزامها الكامل بحفظ حقوق هؤلاء الطلاب وعقد امتحانات معالجات خاصة للذين لم يتمكنوا من الجلوس للامتحانات الحكومية فور توفر الظروف الملائمة.
شهادات كاذبة وزائفة
وتأتي هذه الخطوة وسط تناقض صارخ يسلط الضوء على سجل المليشيا المليء بالانتهاكات والمنع والاعتقال بحق طلاب مرحلتي الأساس والثانوي خلال السنوات الماضية، وفي ظل مفارقة رقمية مقارنة بالقفزة الملحوظة للإقبال في مناطق سيطرة الحكومة.
وقد تباينت ردود الأفعال والمواقف حول هذا الحدث؛ إذ أعلنت لجنة المعلمين السودانيين رفضها القاطع للخطوة واصفة إياها باستمرار لاستغلال التعليم وتعميق للانقسام يعقد مواقف الطلاب بدلاً من حل مشكلاتهم، في حين شنّ الخبير التربوي الهادي السيد هجوماً لادعاً محذراً من أن هذه الخطوة ما هي إلا خداع للأبرياء ومحاولة من إعلام “الدعامه” للتأسيس للأباليس لإثبات وجودهم عبر شهادات كاذبة وزائفة لن يعترف بها العالم ولن تطمس حقيقة جرائمهم.
تناقض صارخ
ويأتي هذا الإقبال المحدود ليسلط الضوء على تناقضٍ صارخ في مواقف المليشيا؛ فبينما تطرح نفسها اليوم كجهة راعية للتعليم، يكشف سجلها القريب عن انتهاكات ممنهجة طالت الآلاف من طلاب مرحلتي الأساس والثانوي (الأطفال والمراهقين)؛ حيث منعتهم قوات الدعم السريع خلال السنوات الماضية من العبور لمناطق سيطرة الجيش للجلوس للامتحان الشهادة واعتقتلت كل من تجدها مسافر للامتحانات بعد ارجعه.
ويتجلى هذا التناقض بوضوح عند رصد أبرز تلك الممارسات التي هددت حياة الطلاب وسلامتهم وجمدت مستقبلهم الأكاديمي، وتتمثل في:
التجنيد القسري واستغلال القُصّر: استقطاب طلاب في عمر المدارس وزجهم في الخطوط الأمامية والعمليات العسكرية وحراسة الارتكازات مستغلةً ظروف الحصار والفقر.
تحويل المدارس لثكنات ومراكز احتجاز: تدمير البيئة التعليمية بتحديد مئات المدارس لثكنات عسكرية ومخازن سلاح، وتحوير بعضها لمراكز تحقيق واحتجاز مؤقت، فضلاً عن نهب معاملها وتخريب أثاثها واستخدامه كوقود للطهي.
الاستهداف أثناء الامتحانات والنزوح: حرمان مئات الآلاف من الطلاب من الامتحانات الوطنية، وتعريض الفارين منهم رفقة عائلاتهم للتفتيش المهين، والابتزاز، والاعتقال عند الارتكازات بحجج واهية.
العنف الجسدي والنفسي واستهداف الفتيات:ترويع القُصّر باقتحام المنازل مما نشر الصدمات النفسية والاكتئاب، مع بروز مخاطر عالية من الاعتداءات والانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي ضد طالبات المدارس.
إن هذا التناقض بين شعارات اليوم وممارسات الأمس يبرز مخاوف حقيقية من خلق “جيل ضائع” في السودان جراء حرمان الطلاب من بيئة تعليمية آمنة ودفعهم لأرصفة النزوح والتجنيد، في انتهاك صارخ لاتفاقية حقوق الطفل الدولية والقانون الإنساني.
مقارنة أعداد الطلاب
وقد حظيت هذه الامتحانات في مناطق الدعم السريع باهتمام قيادي منهم؛ حيث انطلقت بحضور قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو الذي قام بقرع جرس انطلاق الامتحانات من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور .
وفي سياق متصل، تداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي صورة لأحد الطلاب يدعى مرتضى محمد حمدان دقلو، حيث وجدت هذه الصورة تداولاً واسعاً على منصات الإنترنت.
وتتجلى المفارقة عند مقارنة هذا الإقبال المحدود للطالب لامتحانات في مناطق سيطرة المليشيا بالقفزة الملحوظة في أعداد الطلاب التي سجلتها امتحانات الشهادة الثانوية السودانية التي انعقدت في عدد من ولايات السودان تحت إشراف الحكومة السودانية ؛ إذ حققت تلك الولايات قفزة ملحوظة في أعداد الطلاب مقارنة بالأعوام السابقة التي تلت اندلاع الحرب. فبينما سجلت امتحانات ديسمبر (2024) ومايو (2025) غياب حوالي (157,000) طالب، ارتفع عدد المتقدمين للعام الحالي إلى حوالي (560,000) طالب وطالبة، توزعوا على أكثر من (3,333) مركزاً داخلياً وخارجياً.

تعقيد المواقف
وإزاء هذه التطورات، واجهت الخطوة رفضاً نقابياً واسعاً؛ حيث أعلنت لجنة المعلمين السودانيين رفضها القاطع لاستخدام قطاع التعليم في الصراع السياسي والعسكري الدائر في البلاد، واصفة خطوة إقامة امتحانات الشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع بأنها استمرار لاستغلال التعليم في الحرب، مؤكدة أن هذه الخطوة تعقد مواقف الطلاب بدلاً من حل مشكلاتهم.
وفي تصريح صحفي خصت به صحيفة (العودة)، أكد المتحدث الرسمي باسم اللجنة، سامي الباقر، أن الموقف المبدئي للجنة ينطلق أساساً من حق الطلاب السودانيين في التعليم والجلوس للامتحانات أينما كانوا باعتبارهم الطرف الأكثر تضرراً من الحرب وتداعياتها. وأوضح الباقر أن اللجنة تنظر إلى هذه القضية من زاوية مصلحة الطلاب ومستقبلهم فقط، بعيداً عن أي اصطفافات سياسية أو عسكرية، انطلاقاً من قناعتها بأن التعليم يجب أن يظل قضية قومية جامعة يتم تحييدها بالكامل عن الصراع، إذ ليس من العدل أن يتحمل الطلاب والمعلمون تبعات الحرب أو يتحول مستقبلهم إلى رهينة للخلافات بين الأطراف المتحاربة.
وحول المخاوف المثارة من أن تقود هذه الخطوة إلى انفصال إقليم دارفور، أشار الباقر في حديثه لـ (العودة) إلى أن الخطر الحقيقي على وحدة السودان لا يتمثل في جلوس الطلاب للامتحانات، وإنما يكمن في استمرار الحرب نفسها، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسام بين السودانيين، مشدداً على أن وحدة البلاد تُصان بالسلام والعدالة والمؤسسات الوطنية الجامعة وليس بحرمان الطلاب من حقهم في التعليم.
وفي سياق متصل, حمّل المتحدث باسم اللجنة المسؤولية عما وصل إليه قطاع التعليم من تدهور واضطراب على عاتق كل من تسبب في اندلاع الحرب، أو أسهم في إطالة أمدها، أو عرقل قيام عملية تعليمية مستقرة وشاملة لجميع أبناء السودان، معتبراً أنه كان الأولى بكافة الأطراف العمل على ضمان عقد امتحانات قومية موحدة وآمنة بدلاً من دفع الطلاب إلى واقع الانقسام الذي فرضته الحرب. واختتم الباقر تصريحه بتجديد الدعوة إلى إعلاء صوت العقل ووقف الحرب فوراً، والتوجه نحو “طريق ثالث” أساسه تحييد التعليم تماماً عن الصراع، مع حماية حق الطلاب في التعليم باعتباره حقاً أساسياً لا يجوز الانتقاص منه تحت أي ظرف من الظروف.
أصحاب الدعايات الخزعبلات
وعلى صعيد التحليل التربوي، يرى الخبراء أن هذه الخطوة تفتقر إلى أي غطاء شرعي؛ حيث قال الخبير التربوي الهادي السيد في تصريح خاص لـ صحيفة (العودة)إن ما يُعرف بـ “امتحانات نيالا” ما هو إلا محاولة من إعلام “الدعامه” الذي يؤسس لتأسيس الاباليس الذين ضاق بهم الحال حتى ظلوا بين الفينة والاخرى يخرجوا علينا بوسوسة مفادها انهم موجودون، في حين انهم قد فنوا ولم يبق منهم الا من أصحاب الدعايات والشايعات والخزعبلات ليخدعوا بها مغفلين يصدقونهم.
وتساءل السيد مستنكراً في حديثه: “فباي قانون يعتبر لامتحانات متمردين على دولة تعرفها كل دول العالم ولها سفاراتها بها .. دولة لها وزارة تعليمها تحت حكومة ضارب تاريخها في جذور التاريخ كله؟ ومن سيعترف بشهادة طالب مُمتحن زوراً وبهتاناً بيد عصابة ملطخة اياديها بدماء الابرياء لا بحبر التربية وتعليم حكومة تعترف بها دول العالم كله … من شرزمة متمردة قاتلة منتهكه تريد فرض رأيها على شعب غاضب على ما فعلوه من جرائم يندي لها الجبين؟”.
واسترسل الخبير التربوي في تصريحه للصحيفة موضحاً أن هذا ليس إلا خداع لأبرياء، وهو مثيل لـ “بنك المستقبل” الذي تم به خداع الكفيل ثم أغلق. واختتم الهادي السيد حديثه بالإشارة إلى الجانب المأساوي في مستقبل هؤلاء الجالسين قائلاً: “والشى المؤسف والذى سيضاف الى جرائمهم مستقبل من خدعوهم بمستقبل زائف اضاعوا به مستقبلهم بشهائد كاذبه زائفه وسيعرفون قيمتها وسيطرون لإعادة ما تعترف به الدولة والعالم، وقريبا باذن الله”.



