السوق المركزي الخرطوم:  ظلامٌ وجبايات.. النفايات بالكوم !

خلف “صحان” التوابل.. حكاية صمود وتحدي في قلب الخرطوم

خبير اقتصادي: توفر السلع وحده لا يحقق التعافي دون بنية تحتية مستقرة

 

​الخرطوم: هيام المغربي 

 

​من قلب السوق المركزي الخرطوم، المشهد تغير. الصحان رجعت مفروشة، ويكة وشطة وبهارات، والبصل مكدس كجبال. الحركة رجعت طبيعية داخل السوق. وفي ظل هذا التعافي الميداني، يظل التجار في مواجهة مباشرة مع معضلات الخدمات التي تهدد استمرارية نشاطهم. وبينما يواصلون دفع الجبايات اليومية، يظل واقع السوق يرزح تحت وطأة غياب الكهرباء وتراكم النفايات. يرى الخبراء أن هذا التعافي، رغم إيجابيته، يظل هشاً ما لم تتحول الرسوم المحصلة إلى خدمات فعلية، حيث إن خفض تكاليف التشغيل وتحسين بيئة العمل هو المدخل الحقيقي لإنعاش الاقتصاد المحلي وضمان استدامة الحركة التجارية في هذا الشريان الحيوي للعاصمة، خاصة وأن توفر السلع وحدها لا يكفي لتحقيق تعافٍ اقتصادي متكامل.

 

​واقع السوق: صمود التجار بين وفرة البضاعة وشح الخدمات

 

​على الرغم من عودة النبض إلى مفاصل السوق المركزي، إلا أن واقع التجار يظل محفوفاً بالتحديات؛ حيث يمارسون نشاطهم وسط ظروف تشغيلية بالغة التعقيد. يصف عبدالناصر، بائع البهارات، هذا التناقض بمرارة قائلاً: “بندفع الجبايات كل يوم لكن النفايات متكدسة والكهرباء مافي. مع ذلك الوضع طبيعي والحركة رجعت. بنفرش عشان نعيش والناس تعيش”.

​وعلى ذات النهج، تعكس مريودة حسين، بائعة الحلويات، صورة مشابهة ممزوجة بالصبر، إذ تقول بصوتٍ يغلبه التعب ولكن يزينه الرضا: “الوضع صعب والقوة الشرائية بسيطة والزبون بشتري قدر يومه، لكن الحمدلله بنمشي الأمور ونحمدو على نعمة الأمن”. أما الشيخ آدم، وهو من قدامى تجار السوق، فقد وضع يده على مكمن الخلل بإيجاز بليغ: “السوق رجع الحمدلله، لكن ناقصنا الكهرباء والموية، وبدونهم الشغل ناقص”.

​وفي سياق متصل، يؤكد الشاب قصي، بائع الخضار، أن “الوضع رجع والحركة منسابة مقارنة بالشهور الفاتت، لكن وضع الناس تعبان، الزول بشتري قدر يومو بس”، مشيراً بوضوح إلى مفارقة توفر البضائع مقابل غياب النور والنظافة والمياه. هذا المشهد القاتم أكده أيضاً يوسف آدم، صاحب مجزرة، الذي أوضح أن معظم التجار عادوا بالفعل، لكنهم يواجهون عبئاً مضاعفاً؛ فمن جهة يلتزمون بسداد الرسوم والجبايات اليومية، ومن جهة أخرى يواجهون غياباً تاماً للخدمات: “لا إنارة تشغل السوق بالليل، لا عربات نفايات تشيل الأكوام المكدسة بين الدكاكين”، مشدداً على أن وفرة البضائع لا تترجم بالضرورة إلى مبيعات مجزية في ظل ضعف القوة الشرائية الملحوظ.

​الرؤية الاقتصادية: نحو استدامة التعافي

 

​أشار الدكتور كمال كرار، الخبير الاقتصادي، إلى أن عودة الأنشطة التجارية تشجع المواطنين على العودة، ويعد توفر السلع مؤشراً إيجابياً على التعافي التدريجي، لكنه حذر من أن استدامة هذا الوضع تظل مهددة بسبب ضعف الخدمات الأساسية.

​تتضح التحديات الاقتصادية في النقاط التالية:

​تضخم تكاليف التشغيل: يؤدي انقطاع الكهرباء المستمر إلى اضطرار التجار للاعتماد على المولدات والوقود مرتفع التكلفة، مما يقلص هوامش الربح.

​مخاطر تلف السلع: يؤثر غياب التبريد سلباً على جودة المواد الغذائية والأدوية، مما يعرض التجار لخسائر مباشرة.

​تراجع الجاذبية الاستثمارية: يساهم تراكم النفايات في رفع المخاطر الصحية والبيئية، مما يقلل من ثقة المستهلكين ويضعف حركة الإنتاج والخدمات المرتبطة بالسوق.

​خارطة الطريق: الاستثمار في البنية الخدمية

​يرى د. كرار أن الخطوة الاقتصادية العاجلة لتمكين السوق من الوقوف على قدميه هي توجيه جزء من الرسوم والجبايات المحصلة مباشرةً لاستقرار الخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والنظافة. ويخلص التقرير إلى أن كل جنيه يُنفق على استقرار البنية الخدمية يحقق عائداً أكبر على الاقتصاد من أي زيادة في الجبايات؛ فالتعافي الحقيقي لا يبدأ بفرض الضرائب، بل بضمان بيئة تشغيل مستقرة تخفض تكاليف التجار وتزيد من إنتاجيتهم، مما ينعكس إيجاباً على حركة البيع والشراء وتنمية الإيرادات العامة بصورة مستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى