قطاع اللحوم.. أزمة خدمات وكساد يهدد التجار

تقرير: أمين محمد 

يواجه قطاع تجارة التجزئة للحوم في السوق المركزي بالخرطوم أزمة مركبة باتت تهدد استقرار هذا المرفق الحيوي الذي يغذي العاصمة. فبين مطرقة التضخم المتصاعد وسندان التردي البيئي والخدمي، يجد التجار أنفسهم أمام تحديات يومية تبدأ من شح الإمداد وتصل إلى ضعف القوة الشرائية للمستهلك، مما وضع السوق في حالة من الركود التضخمي غير المسبوق، وسط مخاوف حقيقية من انهيار سلاسل القيمة الغذائية مع اقتراب فصل الخريف.

 

​أزمة الإمداد

​تشهد أسعار اللحوم بمختلف أنواعها قفزات متتالية يعزوها الخبراء والمراقبون إلى تراجع أعداد الماشية الموردة إلى الأسواق المركزية نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج والترحيل بين الولايات، فضلاً عن الجبايات المفروضة على سلاسل الإمداد. هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار الشراء بالجملة انعكس مباشرة على أسعار البيع للمستهلك النهائي، مما أحدث فجوة واسعة بين القدرة الشرائية للمواطنين والأسعار الواقعية، ليصبح اللحم سلعة تغيب تدريجياً عن المائدة اليومية.

 

​تردي الخدمات

​إلى جانب الأزمة السعرية، يعاني قطاع اللحوم بالسوق المركزي من تدهور حاد في الخدمات الأساسية؛ إذ تبرز مشكلات قطوعات الكهرباء وشح المياه كعائق رئيسي أمام حفظ وتبريد اللحوم، مما يرفع الكلفة التشغيلية بسبب الاعتماد على المولدات الخاصة وشراء الثلج بأسعار فلكية. ومع اقتراب فصل الخريف، تزداد المخاوف من تراكم النفايات واختلاطها بمياه الأمطار في ظل انسداد شبكات الصرف الصحي، وهو ما يهدد ببيئة غير صحية تؤثر مباشرة على جودة العرض وسلامة الغذاء.

​أصوات ميدانية

​في جولة ميدانية لاستنطاق الباعة، يروي الجزار بالسوق المركزي، حجو سر الختم حجو، فصول تجربة ممتدة من الصمود، حيث يعمل في ملحمته التجارية منذ عام 2004. ويوضح سر الختم أن الأسواق تشهد خلال العام الجاري معاناة قاسية وغير مسبوقة تزامنت مع التغيرات الميدانية الأخيرة؛ إذ يواجه التجار شللاً كاملاً في الخدمات الأساسية جراء الانقطاع التام لإمدادات الكهرباء والمياه عن المرفق الحيوي، مما يعقد فرص الاستمرار في العمل.

 

​ضغوط مالية

​وفي غمرة هذه البيئة التشغيلية المعقدة، يشكو سر الختم من تصاعد التزامات الجبايات والرسوم الحكومية المفروضة على التجار؛ إذ تطالب السلطات الصحية باستخراج رخص تجارية ناهزت تكلفتها عتبة المليار جنيه، بالتزامن مع إلزام محلي للمحلات بدفع رسوم نفايات تبلغ 60 ألف جنيه للإيصال الواحد. واعتبر هذه الإجراءات مجحفة في وقت يعجز فيه السوق عن توليد عوائد مالية تغطي هذه المنصرفات الباهظة قائلاً: “نحن لا نحقق دخلاً يغطي هذه الرسوم التي يفرضونها علينا، فمن أين نأتي بها؟ الرخصة تقارب المليار، والنفايات بـ 60 ألفاً!”.

 

​أعباء معيشية

​وينعكس هذا الضغط الاقتصادي مباشرة على الواقع الأسري والاجتماعي للتجار، حيث يشير سر الختم بنبرة مثقلة بالأعباء إلى أنه يكافح لتأمين المصاريف الجامعية والمدرسية لبناته، فضلاً عن مجابهة الالتزامات الشهرية لإيجار السكن والمحل التجاري. ويتساءل عن آليات البقاء والتحمل في ظل انعدام المداخيل، محذراً من أن استمرار هذه الدوامة قد يدفع صغار الكسبة نحو غياهب السجون نتيجة العجز عن السداد: “كيف يعمل المواطن؟ هل ندخل السجن لكي نرتاح؟”.

 

​أزمة سكنية

​لا تتوقف المعاناة عند أسوار السوق، بل تمتد إلى البيئة السكنية للتجار؛ حيث يوضح سر الختم, وهو مستأجر في مربع 14 بمنطقة الأزهري منذ عام 2004، أن الحي لا يزال يفتقر لمقومات الحياة الأساسية، مما يضطر الأسر لشراء برميل المياه بمبلغ 10 آلاف جنيه، وسط وعود متكررة وغير منجزة من اللجان الخدمية بشأن توفير المحول الكهربائي الرئيسي للمنطقة: “نحن في الامتداد والحي بلا كهرباء أو مياه، ونشتري برميل الماء بـ 10 آلاف جنيه، ولجان الخدمات تذهب وتجئ والوعود مستمرة دون وصول المحول الكبير”.

​نظرة عادلة

​وفي ختام إفادته، يناشد سر الختم حجو السلطات الحكومية بالالتفات إلى واقع مواطنيها وتجار السوق المركزي، مطالباً بنظرة عادلة تخفف من وطأة المعاناة اليومية التي يصفها بأنها الأشد وطأة منذ أكثر من عشرين عاماً، مؤكداً أن الاستمرار في فتح هذه المحلات في ظل غياب مقومات الحياة الكريمة في المنزل والعمل غدا ضرباً من كفاح الصمود والجهاد اليومي.

 

​إفادة أخرى

​من جانبه، يدعم تاجر اللحوم في السوق المركزي، عباس مصطفى أحمد عبد الماجد، ما ذهب إليه زميله، مؤكداً أن قطاع تجارة اللحوم يمر بظروف بالغة التعقيد هذه الأيام؛ حيث تصدرت أزمة شح الماشية والحيوانات الحية المشهد التجاري، مما أدى إلى تصاعد حاد ومتتالٍ في الأسعار، وجعل السلعة تفوق القدرة المالية للمستهلكين.

 

​بدائل مكلفة

​ويضيف عباس مصطفى أن غلاء الأسعار تزامن مع تدهور حاد في البنية التحتية والخدمات الأساسية داخل السوق، مشيراً إلى الانقطاع التام لإمدادات المياه والكهرباء، وهو ما أجبر التجار على الاعتماد على البدائل المكلفة لحفظ بضائعهم من التلف؛ إذ قفز سعر “لوح الثلج” المستخدم لحفظ اللحوم إلى 20 ألف جنيه، مما ضاعف النفقات اليومية للمحلات بشكل مباشر.

 

​كساد حاد

​ونتيجة لهذه العوامل المركبة، يشير عبد الماجد إلى أن حركة البيع والشراء تراجعت إلى مستويات دنيا غير مسبوقة، مما أدخل السوق في حالة كساد حاد، مؤكداً أن العوائد الحالية باتت ضئيلة جداً ولا تغطي كلفة الإنتاج والتشغيل التي يتحملها التاجر بصفة شخصية يومياً. وفي غضون هذا الشلل التجاري، ينتقد عبد الماجد استمرار الأجهزة التنفيذية للمحلية في تحصيل رسوم النفايات وجبايات “الأرضية الخارجية” دون تقديم خدمات ملموسة في المقابل، معتبراً أن هذه الإجراءات تزيد من العبء على كاهل المواطن والتاجر وتفتقر للمرونة ومراعاة الظروف الراهنة: “المحلية تتحصل على الرسوم والأرضيات الخارجية وهم لا يريحون المواطن، والبيع ضعيف والمعاناة شديدة”.

 

​فراغ نقابي

​وفي ختام إفادته، كشف عبد الماجد عن بعدٍ آخر للأزمة يتمثل في وجود فراغ نقابي وغياب تام للجان التجارية والمهنية التي كانت تتولى سابقاً رفع المطالب ومتابعة حقوق التجار لدى السلطات، موضحاً أن تداعيات الحرب المستمرة حالت دون تعافي الكيان النقابي واكتمال تواجد التجار والمنظمين، مما ترك الفئات العاملة تواجه مصيرها منفردة دون مظلة تحمي مصالحها: “حالياً ليس لدينا لجان للمطالبة بحقوقنا؛ فبعد الحرب وحتى الآن لم يكتمل حضور الناس ولم تلتئم الكيانات”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى