شراكة بكين.. هل تقود قاطرة التعافي الاقتصادي؟

تقرير: أمين محمد الأمين

في خطوة استراتيجية تتزامن مع ترتيبات إعادة الإعمار، يفتح انخراط البنك الزراعي السوداني في مباحثات رسمية بالعاصمة بكين مع صندوق التنمية الصيني-الإفريقي لتعزيز الشراكات في مجالات التصنيع الزراعي والأمن الغذائي، ركيزة جوهرية للاستفادة من المزايا التفضيلية للبلاد.

خبراء ومحللون في الاقتصاد أدلوا بآرائهم لتفكيك أبعاد هذا التقارب الاستثماري، واستشراف آليات التمويل المبتكرة والكفيلة بتحويل التفاهمات الفنية المشتركة إلى مشاريع إنتاجية على أرض الواقع.

 

*قيمة مضافة*

​أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور عوض الله موسى، أن المباحثات الرسمية للبنك الزراعي السوداني في بكين مع صندوق التنمية الصيني-الإفريقي تمثل خطوة موفقة وفي التوقيت المثالي، لا سيما والبلاد تخوض مرحلة إعادة الإعمار وإعادة هيكلة القطاع الاقتصادي ككل. وأوضح موسى أن الركيزة الأساسية لهذا التحرك تنطلق من الميزة النسبية للاقتصاد الوطني المتمثلة في المجال الزراعي والتصنيع الغذائي، مما يسهم بشكل مباشر في تحقيق قيمة مضافة حقيقية.

 

*​الاتجاه شرقاً*

​واعتبر موسى أن خيار “الاتجاه شرقاً” هو الأفيد والأكثر مواءمة للقناعات الاقتصادية لرؤوس الأموال؛ مستشهداً بالتجربة النفطية التاريخية والموفقة للسودان مع الصين، والتي تميزت بالعملية والسرعة في الإنتاج. وأشار إلى أن الجانبين يمتلكان معرفة تامة بقدرات وجدية بعضهما البعض، مما يغني الطرفين عن استهلاك الوقت في استكشاف الجاهزية، ويسرّع من وتيرة المبادرات والمشروعات ذات الجدوى التنموية العالية.

 

*​خارطة العالم*

​ونوه الخبير الاقتصادي بأن هذا الحراك يدل على أن الإدارة الجديدة للبنك الزراعي مدركة تماماً لخارطة الاقتصاد العالمي والاتجاهات الدولية، وتعلم بدقة القوى العالمية القادرة على تقديم إضافة حقيقية للسودان في مجالات الصناعات الزراعية والتحويلية، واصفاً الخطوة بأنها استراتيجية ولها ما بعدها.

 

*​مرونة الضمانات*

​وحول التساؤلات المرتبطة بالضمانات والآليات المالية في ظل الظروف الراهنة لجذب الصناديق السيادية، أكد موسى أن البنك الزراعي يتمتع بدرجة مرونة عالية لكونه مؤسسة حكومية، مما يتيح للدولة ابتكار وتوفير الضمانات والآليات المالية اللازمة لتطوير هذه الشراكات مع الصندوق الصيني دون وجود عوائق تمويلية تذكر.

 

*​التصنيع الزراعي*

​وشدد موسى على الأهمية القصوى لتركيز المباحثات على قطاع التصنيع الزراعي؛ بهدف نقل التكنولوجيا الصينية المتقدمة واستثمارها في التحول من تصدير المواد الخام إلى التصدير المصنّع والصناعات التحويلية. وأضاف أن هذه القفزة ستخدم الاقتصاد بصورة عملية عبر معالجة اختلال الميزان التجاري، من خلال توسيع قاعدة الصادرات المصنعة، وتغطية جزء كبير من الاستهلاك المحلي والحد من الواردات.

 

*​الأمن الغذائي*

​وتوقع الخبير الاقتصادي أنه في حال اتباع المناهج العلمية لإدارة المشروعات المشتركة بين البنك والصندوق والقطاع الخاص في البلدين، فإن استخدام التقنيات الصينية سيعزز من قدرة السودان على المساهمة الفاعلة في سد فجوة الأمن الغذائي العربي والإفريقي، لا سيما في إنتاج المحاصيل الزيتية والاستراتيجية بكافة أنواعها.

 

*​الواقع العملي*

​واختتم الدكتور عوض الله موسى إفادته بالإشارة إلى أن تنزيل هذه التفاهمات إلى أرض الواقع وتدفق الاستثمارات الصينية فعلياً، سينعكس بشكل إيجابي كبير على معدلات التشغيل، وتنشيط الحركة الاقتصادية في القطاعات المستهدفة، فضلاً عن دعم وبناء القطاع الاقتصادي ككل، وتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي بناءً على طبيعة وصيغ الاتفاقيات المبرمة.

 

​*جذب الاستثمار*

​من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي، الأستاذ محمد نور كرم الله كركساوي، أن خطوة البنك الزراعي السوداني تجاه صندوق التنمية الصيني-الإفريقي تمثل فرصة استراتيجية كبرى للبلاد، مشدداً في الوقت نفسه على أن نجاحها رهين بتصميم آليات تمويل وضمانات تتسق مع واقع السودان الحالي وتحدياته الأمنية والاقتصادية الماثلة. ونبّه كركساوي إلى صعوبة الاعتماد على الضمانات التقليدية في الظروف الراهنة، داعياً إلى اللجوء لمزيج من الآليات المالية المرنة.

 

*​بدائل تمويلية*

​وحدد كركساوي أبرز هذه البدائل في تقديم الضمانات السيادية الجزئية، وصدور ضمانات من وزارة المالية للمشروعات الاستراتيجية ذات العائد التصديري، منح إعفاءات جمركية وضريبية طويلة الأجل، والاعتماد على التمويل القائم على الأصول عبر رهن أصول المشروع وتخصيص عوائد صادراته المستقبلية لخدمة السداد. كما اقترح إنشاء حسابات ضمان خارجية تودع فيها نسبة من حصائل الصادر بالدولار، داعياً للتركيز على الشراكات الاستثمارية القائمة على تقاسم الملكية والأرباح بدلاً من صيغ القروض، لتقليل مخاطر الديون على الدولة.

 

*​مظلة إقليمية*

​ودعا الخبير الاقتصادي إلى إشراك مؤسسات دولية وإقليمية، مثل البنك الإفريقي للتنمية أو البنك الإسلامي للتنمية، لتقديم ضمانات إضافية تسهم في رفع ثقة المستثمر الأجنبي. وأوضح كركساوي أن أزمة السودان لا تكمن في نقص الموارد بل في تصديرها خاماً (كالقطن والحبوب الزيتية)، داعياً لإنشاء مصانع لحلج القطن والغزل والنسيج والملابس الجاهزة لتعظيم القيمة المضافة ومضاعفة العوائد.

 

*​نقل التكنولوجيا*

​وتوقع كركساوي أن تلعب الصين دوراً محورياً في نقل تقنيات الري الذكي، الميكنة الزراعية، مصانع التعبئة والتغليف، أنظمة التخزين المبرد، وتكنولوجيا التصنيع الغذائي، مما يساهم مباشرة في تقليص العجز التجاري. وأشار إلى أن السودان يمتلك نظرياً مقومات استثنائية تتجاوز 170 مليون فدان صالحة للزراعة، وموارد مائية هائلة، وثروة حيوانية ضخمة، فضلاً عن موقع جغرافي يربط بين أوروبا، والعالم العربي، وإفريقيا.

 

*​منصة إقليمية*

​ويرى الخبير الاقتصادي أنه في حال دمج التمويل الصيني بالأراضي السودانية والتكنولوجيا الحديثة، مع تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، يمكن للسودان أن يتحول إلى مركز إقليمي لإمداد الأسواق العالمية بالغذاء، مستدركاً بأن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً، وبنية تحتية قوية للنقل والكهرباء، وسياسات استثمارية ونظاماً مصرفياً قادراً على تمويل سلاسل القيمة.

 

*​محاصيل استراتيجية*

​وصنّف كركساوي أبرز المحاصيل المرشحة للدعم في جانبين؛ محاصيل غذائية كالقمح، الذرة الرفيعة، والدخن، ومحاصيل نقدية وتصديرية كالسمسم، الفول السوداني، القطن، الصمغ العربي، وزهرة الشمس، بالإضافة لقطاع الثروة الحيوانية عبر تصدير اللحوم المبردة والمجمدة، الألبان ومشتقاتها، والجلود المصنعة، مؤكداً امتلاكها فرصاً واعدة في الأسواق العربية والصينية.

 

*​مراحل الأثر*

​وحول انعكاس هذه الاستثمارات على الجنيه السوداني، ربط كركساوي ذلك بدخول المشاريع حيز التنفيذ الفعلي عبر ثلاث مراحل؛ ففي المدى القصير يسهم تدفق رؤوس الأموال في زيادة الاحتياطيات الأجنبية وتخفيف الضغط على سوق النقد. وفي المدى المتوسط يرتفع حجم الصادرات وتحصيلات الصادر ليتحسن الميزان التجاري. أما على المدى الطويل فتتصاعد معدلات الإنتاج والتشغيل والإيرادات الضريبية، مما يحقق استقراراً مستداماً لسعر الصرف.

 

*​التعافي المستقبلي*

​واختتم الأستاذ كركساوي إفادته بالتأكيد على أن استقرار الجنيه لا يتأسس على الاستثمار فحسب، بل يتطلب استقرار الأوضاع الأمنية، ضبط السياسات المالية والنقدية، زيادة الإنتاج الحقيقي، ومكافحة التهريب وتسرب حصائل الصادر. وخلص إلى أنه إذا نجح هذا التعاون في التحول إلى مشروعات فعلية، سيمثل ذلك أهم محركات التعافي الاقتصادي للسودان خلال العقد القادم، عبر قيادة التحول التاريخي من بلد مُصدِّر للمواد الخام إلى دولة منتجة ومصنّعة تدعم الأمن الغذائي الإقليمي والدولي.

 

*​أفق الإصلاح*

​يمثل الرهان الاقتصادي الحالي في بكين بوابة عبور حقيقية نحو هندسة تمويلية مرنة تعتمد على تقنيات الإنتاج الصينية والقيمة المضافة لسلع الصادر الوطنية. إن الانتقال السريع من التفاهمات الفنية الفوقية إلى حيز التنفيذ الفعلي على الأرض، يظل حجر الزاوية لتعديل دفة الميزان التجاري، وكبح نزيف العملة المحلية وتخفيف الضغوط المعيشية، وبناء ملامح نهضة تنموية مستدامة تحول السودان من منصة لتصدير المواد الخام إلى مركز إقليمي رائد يصوغ أمنه الغذائي ويدعم تعافيه الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى