“نزيف الجنيه”.. كيف يهدد اختلال الصرف مفاصل الأسواق ومعاش الناس؟

*تقرير: أمين محمد*

في وقت يخوض فيه الاقتصاد الوطني أعقد معاركه الهيكلية، يبرز تذبذب أسعار الصرف وتدهور قيمة العملة المحلية كأحد أبرز التحديات التي تقض مضاجع صناع القرار وتتحكم في نبض الأسواق اليومية. فلم يعد سعر الصرف مجرد رقم يطالعنا به المصرف المركزي أو تلوح به لوحات السوق الموازية، بل تحول إلى محرك أساسي يحدد اتجاهات التضخم، ويرسم ملامح القوة الشرائية، بل ويصيغ بتفاصيله القاسية تفاصيل المعيشة اليومية للمواطن.

هذا الاهتزاز المستمر في قيمة العملة الوطنية يضع البلاد أمام معضلة اقتصادية مزدوجة؛ حيث تتشابك جذور الأزمة الناتجة عن شح النقد الأجنبي وتراجع الصادرات مع ممارسات المضاربة، لتلقي بظلالها القاتمة على حركة التجارة والاستيراد، وتصيب الأسواق بحالة من الركود التضخمي غير المسبوق. وفي نهاية المطاف، يدفع المواطن كلفة هذا السباق المحموم من جيبه الخاص، حيث تتآكل القيمة الفعلية للأجور والمدخرات أمام الارتفاع المتصاعد لأسعار السلع والخدمات الأساسية.

*أزمات متلاحقة*

​أكد الخبير والباحث الاقتصادي، الأستاذ الرشيد معتصم، أن الابتداء بتوصيف خاطئ للأزمة ينتهي بالضرورة إلى نتائج خاطئة؛ موضحاً أن المشكلة الأساسية للاقتصاد الوطني لا تكمن في تصاعد قيمة الدولار بحد ذاته وجعل ملاحقته هدفاً وحيداً لمعالجة الأزمة، كما جرى تلخيصها وتجربتها في محطات سياسية سابقة امتدت منذ حكومة الثورة ولم تبلغ غاياتها بفعل تعقيدات الأزمات المتلاحقة.

 

*​التوصيف الصحيح*

​واعتبر الرشيد أن التوصيف العلمي الدقيق للأزمة يكمن في “الاختلال المزمن لميزان المدفوعات”، الناتج عن عجز البيئة السياسية والاقتصادية الداخلية عن سد الفجوة الناجمة عن تراجع قطاع الصادرات. وشدد على ضرورة إحاطة هذا القطاع بالرعاية الشاملة وحمايته لتقليص العجز في ميزان التجارة الخارجية، بدلاً من الانشغال بالمعالجات المؤقتة لسعر الصرف.

 

*​حزمة السياسات*

​ودعا الباحث الاقتصادي إلى تبني حزمة عاجلة من الإجراءات، يأتي على رأسها مراجعة اللوائح والسياسات التمويلية، وتوجيهها بمرونة نحو التمويل الصغير والمتوسط لمعالجة الفقر وتوسيع قاعدة المنتجين لتعظيم عائدات الدولة. وبالمقابل، شدد على أهمية زيادة الحوافز للمنتجين والمصدرين عبر تسهيل الإجراءات الإدارية، وتخفيف عبء الرسوم والضرائب عن القطاعات الإنتاجية الحقيقية.

 

*​حصار التهريب*

​وفي الجانب التشريعي والأمني, طالب الرشيد معتصم بمراجعة القوانين الصارمة لمحاصرة الأنشطة غير المشروعة التي تشكل مهدداً سيادياً كبيراً للاقتصاد، لا سيما في أوقات الحروب والأزمات، وعلى رأسها عمليات تهريب الموارد والسلع الاستراتيجية للخارج، مع تفعيل آليات الرقابة القانونية الرادعة.

 

*​التنسيق المشترك*

​ويرى الخبير الاقتصادي أن تجاوز الراهن المعقد يستلزم وضع الاقتصاد في مكانته الحقيقية كأولوية قصوى للدولة، عبر تنسيق محكم ومستدام بين وزارات القطاع الاقتصادي (المالية، التجارة والصناعة، الزراعة، والثروة الحيوانية) بالتكامل مع بنك السودان المركزي لرسم السياسات ومتابعة مؤشراتها بصورة جماعية، فضلاً عن معالجة التقاطعات المالية بين الولايات والحكومة الاتحادية بالتدرج عبر الوزارة المختصة.

​محاور التنمية

​واقترح معتصم تحويل الولايات إلى محاور تنموية مستقلة بناءً على الميزات النسبية لكل إقليم؛ حيث تتوفر في العديد من القرى والمدن موارد خاصة تتيح بناء صناعات ذات قيمة مضافة عالية وصناعة علامات تجارية عالمية، إذا ما وجدت الرعاية العلمية التي تدمج الخبرات التقليدية بالمعارف الحديثة.

 

*​الصناعات التحويلية*

​وأشار الباحث إلى وجود قطاعات ذات عائد سريع ومضمون يمتلك فيها السودان ميزة تفضيلية، مثل الصناعات التحويلية القائمة على مدخلات إنتاج وطنية. وأضاف أن الارتفاع العالمي المستمر في أسعار الغذاء، خاصة بعد أزمات المضايق البحرية الملاحية، يمثل فرصة استراتيجية كبرى للسودان لسد الفجوات الغذائية وتحقيق عائدات ضخمة للدولة والمزارعين على حد سواء.

​الدبلوماسية الاقتصادية

​وفي المضمار الخارجي، حث معتصم الدولة على استكشاف واختراق اقتصاديات دول الجوار عبر تفعيل أدوار وزارة الخارجية، الملحقيات التجارية، مراكز البحوث، والجاليات السودانية بالخارج، لتحديث البيانات حول الفرص الاستثمارية وفتح أسواق جديدة لصادرات السلع والخدمات السودانية.

 

*​التخطيط العلمي*

​واختتم معتصم إفادته بالتأكيد على أن تنظيم المدن بناءً على التخطيط الهندسي السليم، وتوفير الإحصاءات والبيانات الدقيقة للأنشطة والموارد البشرية والمادية، يشكل الأساس الصحيح والمنطلق العلمي لأي نهضة اقتصادية مستدامة في البلاد.

*مزايا جوهرية*

​من جهته، أكد الخبير الاقتصادي، الأستاذ سماح الفاتح، أن الاقتصاد السوداني يمتلك مزايا جوهرية تتقدمها المرونة العالية والتنوع الموردي، مما يجعله قادراً على الاستجابة السريعة لأي حوافز أو تغييرات سياساتية إيجابية. واستشهد الفاتح بقرار إعفاء مدخلات الطاقة الشمسية من الرسوم، وهو القرار الذي أحدث ثورة في الاستيراد والاستخدامات الزراعية والتجارية والسكنية، محققاً خفضاً مباشراً في تكاليف الإنتاج، ولا سيما الزراعي، مما ينعكس إيجاباً على تحفيز الاقتصاد الكلي.

 

*​جذور الاختلال*

​وأوضح الخبير الاقتصادي أن تراجع قيمة العملة الوطنية يعود في أصله إلى اختلال الميزان التجاري؛ مشيراً إلى أنه على الرغم من الميزات الإيجابية للاقتصاد، فإنه يعاني من ضعف هيكلي في قطاع الصادر، لكونه يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير المواد الخام غير المصنعة، مما يفقد البلاد ميزة القيمة المضافة. ونبّه الفاتح إلى أن الاقتصاد الحديث بات يتجه نحو صياغة الإنتاج الزراعي والصناعي بدقة وفقاً لمتطلبات وتنافسية أسواق الصادر العالمية.

 

*​مشكلات هيكلية*

​وعزا سماح الفاتح ضعف البيئة الاستثمارية إلى التذبذب المستمر والتغيير المتلاحق في السياسات المالية والنقدية للحكومات المتعاقبة، مما يتسبب في إضعاف الثقة وإحجام رؤوس الأموال المحلية والأجنبية عن السوق. وأضاف إلى ذلك عقبة ضعف البنية التحتية للإنتاج والتصدير، وارتفاع تكلفة المنتج الوطني مقارنة بالسلع المنافسة نتيجة للرسوم المركبة والمتعددة وتكاليف الترحيل، فضلاً عن نقص الأيدي العاملة الماهرة التي ترفع من كلفة التشغيل وتضعف التنافسية.

 

*​أثر الحرب*

​وعن الفجوة المتسعة بين السعرين الرسمي والموازي قبل الحرب، أشار سماح إلى أنها نتاج تراكم عوامل هيكلية، مالية، نقدية وسياسية، مستدركاً بأن “الحرب الراهنة” غدت السبب المباشر والأعنف في انهيار الجنيه؛ بفعل التدمير الممنهج للمنشآت الإنتاجية، ونزوح السكان الذي أدى إلى تفريغ مراكز الإنتاج، وتصاعد الصرف العسكري وإدارة الدولة، إلى جانب اضطرار الدولة لزيادة الاستيراد لتغطية فجوة الطلب المحلي، وشلل الاستثمار وهروب رؤوس الأموال وتوقف تدفقات النقد الأجنبي.

 

*​مخاطر سيادية*

​وحذر الخبير الاقتصادي من أن تآكل القوة الشرائية تجاوز حدود كونه مشكلة دخل مؤقتة، ليتحول إلى مهدد مباشر للأمن القومي والغذائي والاجتماعي. وتوقع الفاتح أن تؤدي التداعيات متراكمة على المدى الطويل إلى حدوث نزاعات جهوية وفردية مسلحة، وانتشار الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وبروز ظاهرة الركود التضخمي، حيث تجتمع الأسعار الفلكية الناجمة عن التضخم مع القوة الشرائية المنعدمة.

 

*​أزمات معيشية*

​ورصد سماح الفاتح الآثار المباشرة للتدهور الاقتصادي على الأسر، والتي تبدأ بتراجع القدرة على تأمين الغذاء الكافي، والاعتماد على الإغاثات، والنزوح، والتسرب من التعليم، مرواً بتحول النمط الاستهلاكي إلى أغذية أدنى جودة، مما يسفر عن تفشي أمراض سوء التغذية (كالأنيميا وضعف المناعة) التي تفتح الباب للأوبئة كالملاريا وحمى الضنك والسل. وتنعكس هذه الأزمات الصحية سلباً على كفاءة القوى البشرية وساعات الإنتاج الفعلي المؤثرة في الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، مع زيادة الضغط المالي لاستيراد الأدوية.

 

*​انكماش زراعي*

​ونبه الخبير الاقتصادي إلى أن اتساع دائرة الفقر يحوّل الأسر المنتجة إلى فئات عاجزة وعالة على المجتمع والدولة، مما يضطر الحكومة لرفع الإنفاق على الإغاثة والصحة على حساب ميزانيات التنمية. وتتضاعف المعضلة مع الارتفاع الحاد في تكاليف مدخلات الإنتاج (كالوقود، الأسمدة، والتقاوي) وشح التمويل، مما يتسبب في انكماش القطاع الزراعي، وخروج المزارعين من دائرة الإنتاج، والاعتماد المطلق على استيراد القوت الضروري.

 

*​تحديات أمنية*

​وفي البُعد الاجتماعي والأمني، لفت سماح إلى أن تصاعد معدلات النزوح يخلق توترات مناطقية حادة، ويزيد من النزاعات المحلية حول الموارد الشحيحة كالمياه والمراعي. كما يفتح هذا الواقع الباب واسعاً أمام التدخلات والاختراقات الخارجية، عبر تنشيط بعض المنظمات الإقليمية والدولية المشبوهة التي تجد في الحاجة المأساوية للمواطنين أرضاً خصبة لتمرير أجنداتها.

 

*​القطاع الخاص*

​واختتم الفاتح إفادته بالإشادة بالدور الاستثنائي للقطاع الخاص السوداني، مؤكداً أن مرونته وتنوعه وفاعليته هي الصخرة التي حمت الاقتصاد الوطني من الانهيار التام خلال فترة الحرب رغم استهدافه الممنهج. ووجّه الخبير الاقتصادي نصيحة قطعية للحكومة بضرورة رعاية وتنظيم وتقوية هذا القطاع، باعتباره المرتكز الأساسي للتنمية، ومستقبل النهضة الاقتصادية، وصمام أمان البلاد.

 

*​أفق الإصلاح*

إن معركة استقرار العملة الوطنية ليست مجرد مطاردة أمنية لأسواق الصرف الموازية، بل هي مواجهة هيكلية تتطلب ثورة شاملة في منظومة الإنتاج والتصدير. إن تآكل القوة الشرائية والنزيف المستمر لقيمة الجنيه هما عرضٌ لمرضٍ أكثر عمقاً، يتلخص في الاختلال المزمن لميزان المدفوعات والدمار الشامل الذي ألحقته الحرب بمفاصل الاقتصاد الحقيقي.

​إن رهان الخروج من هذه الدائرة المفرغة يمر حتماً عبر تبني نصائح الخبراء؛ بتنسيق وزاري محكم وغير متقاطع، وتحويل الولايات إلى محاور إنتاج زراعي وصناعي ذات قيمة مضافة، مع توفير الحماية الشاملة للقطاع الخاص الذي أثبت أنه صمام الأمان الوحيد المتبقي. وبدون سياسات نقدية مرنة قادرة على كبح التضخم وتحفيز الصادرات، سيبقى المواطن السوداني يواجه منفرداً تداعيات الركود التضخمي، بانتظار إرادة اقتصادية شجاعة تعيد صياغة المستقبل وتبني النهضة على أسس علمية صلبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى