منى ابوزيد تكتب: عبء البصيرة..!

هناك فرق

معظم الناس لا يبحثون عن الحقائق، بل عن روايات يستطيعون احتمالها، لذا فإن أخطر ما يفعله الفهم العميق بهم هو أنه لا يترك لهم رفاهية الكذب بصدق على أنفسهم”.. الكاتبة..!

ليست كل نافذة تُفتح أمام بصائرنا تُفتح للنور، بعضها ينفتح على ما لا نكون مستعدون لرؤيته فنصاب بالتعب الذي لا يكون دائماً من تأثير جهدٍ مبذول. هنالك تعبٌ آخر، أكثر خفاء، لا يُرى في مظهر الجسد، ولا يُقاس بالوقت، بل يتسلل ببطء إلى الداخل، حيث تتراكم الأسئلة دون أن تجد يقيناً كافياً لتستقر. ذاك هو التعب الذي يُخلّفه الفهم العميق، حين يتجاوز حدوده الآمنة، ويتحوّل من مظهر للإدراك إلى عبءٍ عصيٍّ على الاحتمال..!
أن تفهم لا يعني فقط أن تعرف، بل أن تُبصر ما وراء المعرفة. أن تُدرك الفجوة بين ما يُقال وما يُراد قوله.
أن ترى المعنى وهو يتوارى خلف لغته، والنوايا وهي تتخفّى خلف خطابٍ مُهذّب. وهنا لا يعود الفهم رفاهية، بل يقظة دائمة. يقظة تُفسد عليك بساطة الأشياء، وتُربك علاقتك العفوية بكل هذا العالم.
لأنك لم تعد قادراً على تصديق الحكايات كما هي، ولا على العبور فوق التفاصيل دون أن تُعيد تفكيكها، ولا على منح الثقة كما تُمنح في العادة، دون مساءلة..!
الذين يفهمون أقل، لا يعيشون أقل، لكنهم ينجون أكثر. يمرون على الحياة بخفّةٍ لا يملكها سواهم، لأنهم لا يحملون ذلك الثقل غير المرئي، ثقل العمق الذي يكون في جوف المعنى. هم لا يُرهقون أنفسهم بمحاولة تفسير كل شيء، ولا يطاردون الخلفيات، ولا يفتشون في النوايا. بينما يقف الآخرون، أولئك الذين ابتُلوا بعمق اللفهم، أمام كل مشهد وكأنه لغزٌ يستدعي أذكى حل. وفي هذا الاستدعاء المستمر يكمن الاستنزاف..!
في عالم السياسة، يصبح الأمر أكثر فداحة. فالنصف الذي يُرى من الحقيقة يكفي لصناعة الطمأنينة. أما اكتمال الصورة فلا يُنتج سوى القلق. أن ترى المؤامرات خلف الشعارات، والمصالح خلف المواقف، والسرديات وهي تُعاد صياغتها بما يخدم لحظة بعينها. هذا النوع من الإدراك لا يمنحك راحة، بل يسلبك القدرة على التصديق السهل الذي كان في زمنٍ ما، شكلاً من أشكال السلام..!
وفي العلاقات، لا يقل الأمر قسوة.
الفهم الزائد يُجيد قراءة ما لا يُقال، لكنه يُفقدك متعة الجهل الجميل. تدرك التغيير قبل أن يُعلَن، وتلمح التباعد وهو لا يزال في طور الإيماءة، وتفهم النهايات قبل أن تبدأ فعلياً. وهذا الإدراك المبكر لا يُنقذك دائماً بل يُحمّلك عبء انتظار ما تعرف أنه قادم، دون أن تملك شجاعة إنكاره، ولا رفاهية الهروب منه.
لهذا، ليست المشكلة في أن نعرف، بل في أن نعرف أكثر مما ينبغي..!

أن تُفتح أمامنا طبقات المعنى، دون أن نُمنح في المقابل قدرة موازية على التحمل. أن يتجاوز الفهم حده، لا يُحرّر الإنسان، بل يعريه. يجعله أكثر وعياً، نعم، لكنه أكثر هشاشة أيضاً. ولهذا يبدو الصمت أحياناً خياراً حكيماً، ويبدو التغافل مهارة نفسية، وكأن الإنسان – بعد رحلة طويلة مع الفهم – يتعلم أن لا يرى كل ما يستطيع رؤيته..!

ليس لأن الحقيقة غير مهمة، بل لأن تحملها بالكامل، ليس ممكناً دائماً. هناك فرق إذن، بين أن تُنير لنفسك الطريق وأن تُغرقها بكل هذا الضوء وبين أن تفهم العالم كما هو، وأن تظل قادراً على أن تسعد بالعيش فيه!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى